أخذتنا البصرة على حين غرة

مازن كم الماز   

يخرج البصراويون و يحرقون كل شيء من مقرات الأحزاب الدينية التي يراها كثيرون فوق البشر كأحزاب مسلحة بالله والسلاح، أي بكل ما يفترض أنه مقدس اليوم، إلى القنصلية الإيرانية و دوائر الحكم المنتخبة كما يفترض.. تأخذنا البصرة على حين غرة، تتحدى كل المسلمات، و ترسم صورا جديدة “ما أنزل الله بها من سلطان”.. عندما أصبح الحديث لا يدور عن بشر بل عن طوائف و جماعات بعينها انفجرت البصرة في وجوهنا جميعا من حيث لا ندري و لا نحتسب..

فحسب تصنيفات الكثيرين ليس الشيعة ببشر قادرين على الثورة، تستفزهم الحرية و يغضبهم فساد ساداتهم، هذا إن كان من الصحيح تصنيفهم أساسا كبشر.. في الكوميديا العبثية و التافهة للهستيريا الطائفية السائدة أصبحت الثورات عند الكثيرين حالة طائفية تقتصر على طائفة بعينها، أما الطوائف الأخرى فهي إما مضادة للثورة (وللحرية) أو معادية للطائفة الثورية..

بالنسبة لمعظم الثوار المهووسين بهوياتهم المبهمة و ماضيهم المندثر و بكل تأكيد بكراسي السلطة لم توجد إلا ثورات سنية ضد أقلية شيعية حاكمة أو ثورات شيعية ضد أقلية سنية حاكمة.. أما كيف يصبح السنة أو الشيعة وحدهم أحرارا فليس لك إلا أن تراجع يوميات طغاة كمعاوية و يزيد و الحجاج و اسماعيل الصفوي و الحاكم بأمر الله كي تفهم هذا.. تحترق البصرة في وقت تبدو فيه الهويات القطيعية فوق الفردية و النافية لإنسانية أفرادها و كأنها قانون مقدس من قوانين الشرق لا مفر منه، تماما كما ساد الاعتقاد عندما كانت الناس تصفق لعبد الناصر و هو يتحدث عن قطعان تقوم على تحطيم فردانية أفرادها و بالتالي إنسانيتهم بكل تفاصيلها من حق التفكير خارج القطيع و مخالفة السلطة و السائد إلى الحق في الوجود أساسا..

السجون لا تصنع شعوبا، قد تصنع “إمبراطوريات” و “مجدا” لا يبارى : جيوشا فتاكة همجية قادرة على استعباد الاخرين و أولا و قبل أي شيء استعباد “شعبها” هي بالذات، لكن اللافت أن أيا من الطغاة لم ينجح حتى اليوم باختراع أو إقامة سجون ذات أسوار منيعة على الحلم و الجنون.. كما أنه صحيح أيضا أن الجنون و الحلم لم ينتصرا بعد على كوابيس الجلادين و لا على قيود العبودية التي تقيد عقولنا و أحلامنا قبل أيادينا و أجسدنا.. يرفع شباب البصرة اليوم و هم يحرقون مقرات الأحزاب الشيعية رايات يا حسين، الحسين الذي طالما قال لهم من يسرقهم و يستعبدهم اليوم أنه كان ثورة على المستبدين..

وهنا بالذات يكمن خطر الهزيمة و النكوص كما كان الحال دائما في كل مهرجانات الجنون و المجون العامة التي يسمونها ثورات.. بعد تحطيم أسوار الباستيل و اقتياد لويس السادس عشر إلى المقصلة صارح دي ساد الفرنسيين أنه ما زال أمامهم خطوة واحدة لا بد منها كي يصبحوا “جمهوريين” فعلا : أن يعيدوا صياغة أفكارهم و معتقداتهم بحيث تتماشى مع حريتهم المنتزعة و لا تقودهم مرة أخرى للإيمان بروما، بإمبراطور أو مستبد جديد..

قال لهم دي ساد أن دين العبيد و قيمهم ليست جديرة بالأحرار.. لا لأديان العبيد، و لا لأخلاق العبيد و لا لكل إيديولوجيات الاستعباد، لا طريق آخر إلا أن نعيش كبشر نفكر و نعيش كما نريد لا كما يريد الآخرون..     

مازن كم الماز

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مازن كم الماز and tagged , , . Bookmark the permalink.