عن فيلم “تراب الماس”.. وفساد المجتمع

 د.رياض حسن محرم 

الفيلم عن رواية بنفس الإسم للأديب الأكثر شيوعا بين الشباب “أحمد مراد التى صدرت عام 2010 ويمكن تصنيفها تحت أدب الغموض والجريمة، نقلها بصيغة السيناريو كاتبها، وإن كنت أعتقد أن تلك أول السقطات، فبالرغم من أن صاحب نوبل “نجيب محفوظ” كتب عشرات السيناريوهات فإنه لم يكتب سيناريو واحد لآى من رواياته وعندما سأل عن سبب ذلك كان رأيه أن الروائى يطلق خياله مرّة للقصة، وبعدها يجب أن يتركها لخيال أخرين، لكن مراد وللمرّة الثانية بعد الفيل الأزرق” يكتب بنفسه سيناريو الفيلم ليخرجه ” أيضا” المخرج المتمكن مروان حامد”، رغم ذلك توجد بعض الإختلافات بين الرواية والفيلم سنعرض لها.

طه “الذى يلعب شخصيته الفنان آسر ياسين” والذى هو شديد الإرتباط بالأب المقعد “حسين الزهاّر” الذى لعب شخصيته فى الفيلم الممثل ” أحمد كمال وهو محور الرواية ويلعب أيضا دور الراوى فى الفيلم، محاولا الزج بالسياسة فى الموضوع كإطار خارجى ليس الاّ لطرح وجهة نظر المؤلف وليس كجزإ رئيسى من الأحداث كما وظّفها باقتدار وعمق نجيب محفوظ فى أعماله وفى القلب منها الثلاثية، ورغم أن المؤلف إنحاز فى رؤيته السياسية الى “محمد نجيب” فى الصراع مع عبد الناصر فى أزمة مارس 1954 (وهى فى النهاية وجهة نظر) فإنها لم تؤثر سلبا أو إيجابا على السياق العام، كما أقحم قضية “أغلب الظن أنها من تلفيق أجهزة مخابراتية”، حول دور بعض اليهود المصريين فى توجيه طائرات العدوان أثناء عدوان 1956 بواسطة البطاريات اليدوية، وهى قضية تبنتها بعض أجهزة إعلام عبد الناصر ولم يقم دليل عليها.

لاشك أن محاولة إثارة الغموض والطابع البوليسى الى الموضوع قد أضر العمل أكثر من تحقيق الفائدة، فنظرية القتل باستخدام بودرة تلميع الماس المعروفة باسم تراب الماس “جرعة واحدة” لا أدرى مدى حقيقتها العلمية بالرغم من كونى طبيب”، ولكن ما أثار دهشتى فى الفيلم هو سهولة القتل، وإستعماله بإطراد دون مبرر حقيقى أو مقنع، فأول جريمة قتل يرتكبها الطفل ضد والد حبيبته بزعم أنه مواليئ لإسرائيل، وتتوالى عمليات القتل ضد من يرى أنهم أشرار أو فاسدين، وفى هذا تكرار لنماذج كثيرة تكررت فى عدد لا بأس به من الأعمال الفنية، ولعل نقد الفيلم هو الرغبة أن يكون أفضل مما شاهدناه وذلك الجهد الجبّار من طاقم العمل الذين إجتهدوا جميعا من الكاتب والمخرج وطاقم التمثيل لا يتأثر، بالإضافة لجهود أخرى لعناصر مثل الموسيقى والديكور والتصوير، جميعها تضافرت بالفعل لتقدم فيلمًا جيدًا، ولو كان التركيز قد جاء بشكل أقل على جانب الجريمة في الفيلم لكنا شاهدنا فيلمًا مختلفًا وذا طابع خاص بالتأكيد، ونكهة متميزة فى خضم من التفاهة والعشوائية والعبث.

لعل كاتب الرواية والسيناريو حاول مخلصا أن ينقد الواقع، ونجح بالفعل فى إدانة الوضع السياسى والإجتماعى دون مواربة، الرشوة “بمافيها الرشوة الجنسية” والتعذيب وتلفيق التهم وفساد الداخلية، يضاف الى ذلك عمليات الشذوذ والمثلية الجنسية التى تكررت كثيرا بمناسبة وبغير مناسبة، كأن يكون الأب والإبن يشتركون معا فى نفس نوع الشذوذ وكأنه مرض وراثى “حسين برجاس وإبنه”، وشيوع أنواع منحطة من الرذيلة لتطال الجميع، بما فى ذلك الصحفى ذو الأفكار الثورية الذى يصوّر ويبتزّ ضحاياه بلا مبرر أو مقدمات، تحضرنى هنا شخصية “رؤوف علوان” فى اللص والكلاب وكيف مهّد لها وخدّم عليها نجيب محفوظ، كما أن معظم العلاقات تم إنضاجها على عجل “سلق بيض كتلك العلاقة بين طه “آسر أمين” وسارة “منّة شلبى” التى لم تستغرق سوى بضع مشاهد متناثرة لتكتمل بعلاقة حب.

نأتى الى ما ذكرناه أولا من إختلافات بين الرواية والفيلم، أولها أن الرواية تبدأ بإهداء خاص إلى الرئيس الراحل محمد نجيب، ثم تليها الجملة الافتتاحية: “أظلم الأوقات في تاريخ الأمم هى الأوقات التي يؤمن فيها الإنسان بأن الشر هو الطريق الوحيد للخير”، من كتاب “الجمعيات السرية لعلي أدهم، على عكس الفيلم الذي بدأ بهذا الاقتباس فقط، مكتفيًا بذكر سيرة “نجيب” على ألسنة أبطال العمل وسط حبكة الأحداث، وبينما تبدأ الرواية بأحداث من داخل حارة اليهود فى الخمسينات من خلال عائلة حنفى الزهار وأصدقائه المقربين كليبتو الذى علمه صقل الماس وكان بمثابة الأب الروحى له، بينما فى الفيلم لم يتعرض لذلك الموضوع الاّ بعد قتل الأب فى 2018  ومحاولة قتل الإبن وأثناء بحثه فى أوراق أبيه، عن طريق الفلاش باك

المفارقة الأخرى فى الفيلم تأتى فى تحوّل ذلك الفتى الرقيق، ضعيف الإمكانيات الجسدية، عازف الدرامز الرومانسى، الكتوم، الهادئ، الى قاتل محترف بسهولة شديدة، بسبب رغبته فى الإنتقام من قاتل أبيه، بل وتبرير بيع نفسه لرجل الشرطة الفاسد “وليد سلطان” الذى لعب دوره بمقدرة الفنان “ماجد كدوانى”، ومزج فى تصوير شخصيته بين الجدية الشديدة واللمسة الكوميدية الخفيفة، ولكن لا يمكن وصف علاقته بطه بأنها صفقة فاوستية خالصة، فقد ظل طه محافظا على إستقلاليته الشخصية، كم أنه أقدم بأعصاب باردة على دس السم للعقيد وليد عندما إكتشف الجزء المفقود من المذكرات وعلم منها أنه من سلّط البلطجى المجرم “سرفيس” (محمد ممدوح) لقتل والده، كما أضفت شخصية شيرين رضا” تلك الساقطة القوّادة التى تظهر دائما فى الفيلم بمظهر السيدة القوية الحازمة المتعجرفة التى تسيطر على مخدوميها، وهى نمط سائد فى تلك الأوساط الإجرمية ذات الطابع المخملى.

لقد نجح “أحمد مراد” فى توصيف تلك الطبقة المسيطرة فى المجتمعات الرأسمالية، حيث تعيش طبقة شديدة الثراء على سطح المجتمع، منفصلة عن الجزء الرئيسى الذى لا يملك قوت يومه، وهو مالم تتعرض له الرواية أو الشريط، ولم تحدث ثورة ينايرأو يونيو أى تغيير أو إضافة على بنية هذا المجتمع الطبقية أو نمط ممارساته، وأعتقد أنه فى محاولة تمرير تلك الوقائع على الرقابة دسّ بذكاء بضع مشاهد للجان تحقيق من الداخلية وقرارت بالإيقاف عن العمل، وكأن ما يحدث تكرارا لما تقوله الداخلية دائما بأنها أخطاء فردية.

ذكرتنى توليفة ممثلى الفيلم بثنائيات سبق ظهورها فى أعمال درامية مشتركة، تذكرت مسلسل “حارة اليهود” فى رمضان قبل الماضى الذى جمع الفنانين منه شلبى وإياد نصار، كما تذكرت فيلم “بيبو وبشير” الذى جمع بين الفنانين آسر ياسين ومحمد ممدوح.

رغم كل ما تقدم من نقد للفيلم ولكنه يظل علامة متميزة بحق جميع من شاركوا فيه.

السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.