عارضني من فضلك

د. السيد نصر الدين السيد   

يعرف علماء السياسة “النظام السياسي” بأنه “نظام اجتماعي مكون من مجموعة من المؤسسات الاجتماعية التي تعمل سويا على صياغة الاهداف العامة لصالح مجتمع ما، او لمجموعة ضمن هذا المجتمع، وتعمل على تنفيذها مستندة في ذلك الى ما يتمتع به النظام ككل من سلطة عليا تجعل قراراته ملزمة لكافة مكونات المجتمع أفرادا وكيانات. وتشمل مكونات النظام السياسي المؤسسات التشريعية والتنفيذية (الأجهزة الحكومية) والقضائية بالإضافة الى الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ومجموعات الضغط”.

تقوم شرعية أي نظام سياسي على قدرته على تلبية مطالب افراد المجتمع الذي يتولى إدارة شئونه. وهي المطالب المتعلقة بالتوزيع العادل للسلع والخدمات، وبتنظيم المعاملات بين مكونات المجتمع، وبحق المشاركة في النظام السياسي، وبحرية الوصول الى المعلومات وحرمة الاتصالات. أو بعبارة أخرى ترتكز شرعيته على قدر نجاحه في الارتقاء بمستوى “الرفاه” المادي والمعنوي لهم (السيد, 2012). وتحقيق هذ الهدف ليس بالأمر الهين في ظل ندرة الموارد وتضارب المصالح وتسارع التغير في التكنولوجيا وزيادة كثافة التشابكات بين الدول. وهي العوامل التي قد أسهمت أيضا في زيادة صعوبة دراسة النظم السياسية التي يزداد تعقدها مع زيادة تعقد البيئة التي توجد فيها. وهو التعقد الذي يتجلى في التنوع الهائل في “المطالب” فعلى سبيل المثال يوجد 24000 نوع مختلف من التليفونات المحمولة التي تستخدم نظام اندرويد.

الا ان علوم ما بعد الحداثة قدمت لنا أدوات ذهنية تمكنا من دراسة المنظومات المعقدة مثل النظم السياسية وعلى رأس هذه العلوم تأتي “السيبرنيطيقا” Cybernetics. والسيبرنيطيقا هي “منهج علمي لدراسة آليات التحكم وانتقال المعلومات فى المنظومات الدينامكية سواء كانت طبيعية أو مصنوعة”. والمنظومات الديناميكية هى تلك المنظومات القادرة على تغيير سلوكها وتكييفه طبقا لما يحدث فى بيئتها ويكون له تأثير عليها. و”التحكم”، في هذا السياق، هو “عملية التنظيم الأمثل لما تقوم به أي منظومة من أفعال مقصودة (غائية) Purposeful وذلك بغرض توجيهها نحو تحقيق الهدف المنشود منها”. لذا لا يكون مستغربا ان يعرف ستافورد بير Stafford Beer، خبير الهندسة الصناعية وعالم الادراة، والسيبرنيطيقا بوصفها “علم التنظيم الفعال”.

ويعتبر النظام السياسي، من منظور السيبرنيطيقا، “منظومة حاكمة” Controlling System تقوم بـ “التحكم” في سلوك منظومة أخرى هي “المنظومة المحكومة” Controlled System، أو في حالتنا هذه “المجتمع”، لتصل بها وضع مأمول. وهو الوضع الذي عادة ما يصاغ على هيئة بيان “رؤية كلية شاملة” من قبيل:

“تهدف سياسة الرؤية القومية (2001-2010) الى إقامة ماليزيا متحدة وتقدمية ومزدهرة …  وذلك بالتركيز على المحاور التالية:

بناء دولة مرنة،

تسودها العدالة الاجتماعية،

نمو اقتصادي مرتفع ومستدام،

ذات قدرة تنافسية مرتفعة،

تطوير اقتصاد مرتكز على المعرفة،

دعم تطوير الموارد البشرية

…”.

رؤية تضع “المطالب” المتفرقة لمكونات المجتمع في إطار جامع يضمها جميعا ومنه تشتق سياسات تحقيقها أو سياسات التنفيذ”. وإذا كانت “المطالب” هي أحد المدخلات الرئيسية للمنظومة الحاكمة فان القرارات والسياسات المتعلقة بتنفيذها هي المُخرج الرئيسي لهذه المنظومة. وهنا يبرز السؤال الهام كيف يمكن التحقق من قدرة السياسة المٌتبناة لتحقيق هدف بعينه هي الخيار الصحيح أو الأمثل. وتأتينا الإجابة من السيبرنيطيقا في ثلاث كلمات: “الرصد”، “المقارنة” و”التصحيح”. ولتوضيح المقصود من هذه الكلمات سنفترض أنه بدأ تنفيذ سياسة جديدة تستهدف تقليل زمن التقاطر لقطارات المترو من 20 دقيقة الى خمس دقائق وذلك خلال 3 أشهر. أي خفض زمن التقاطر بمعدل 5 دقائق كل شهر. وبعد مرور شهر وجد أن زمن التقاطر انخفض من 20 دقيقة الى 18 دقيقة. وبمقارنة الرقم الأخير (18) بالمخطط (15) يتضح وجود فرق دقيقتين. أي أن تقليص زمن التقاطر بمعدل 5 دقائق في الشهر لم يتحقق ومن ثم لزم التدخل لـ “تصحيح” أوجه القصور التي تسببت في عدم تحقيق معدل التقليص المخطط. وبشكل عام يعني “الرصد” تسجيل حالة المنظومة بعد مرور فترة زمنية و”مقارنة” وضعها الحالي بالمخطط وفي حالة وجود اختلاف يتم اجراء التصحيح” المطلوب.

وطبقا للسيبرنيطيقا يقوم نجاح المنظومة الحاكمة في إيصال المنظومة المحكومة (المجتمع) الى الوضع المأمول المتجسد في “بيان الرؤية”، على عدة مبادئ رئيسية من بينها:

المبدأ الأول: “لابد أن تتضمن بنية أي منظومة حاكمة آليات متابعة وتقييم لأداء المنظومة المحكومة هذا بالإضافة الى آليات تصحيح”

وفي حالة “النظام السياسي” تتنوع أليات المتابعة والتقييم فهي قد تكون عبر مؤسسات حكومية (مثل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار) وهي قد تكون أحزاب سياسية تطرح رؤى بديلة او منظمات مجتمع مدني، او أجهزة قياس الرأي العام، او منظومات معلومات الإدارة. وتنوع جهات المتابعة والتقييم وعدم حصرها في جهة واحدة أمر ضروري لضمان حيدة وموضوعية التقييم.

المبدأ الثاني: “اتاحة المعلومات وحرية تبادلها”

يتضح من المبدأ الأول أن عملية التحكم لا يمكن إتمامها إلا من خلال تبادل المعلومات بين مكونات كل من “المنظومة الحاكمة” ومكونات “المنظومة المحكومة” عبر قنوات اتصال تربط بين هذه المكونات. ويوضح هذا المبدأ المضمون المعلوماتي للسيبرنيطيقا، أي أهمية الدور الذي تلعبه المعلومات والأنشطة المتعلقة بالتعامل معها، من تلق وترميز وحفظ ومعالجة وبث، في عملية التحكم.

والخلاصة يتوقف قبول أي نظام سياسي واستمراريته على سماحه لكافة التيارات بالإسهام أولا في عملية صنع القرار السياسي الذى يمس مصالح افراد المجتمع، وثانيا بالاشتراك في متابعة وتقييم سياسات تنفيذها.  فهكذا تتحدث السيبرنيطيقا.  وقد ناقشنا في هذا المقال الامر  الثاني ونصص المقال القادم لمناقشة الامر الأول.

المراجع

السيد, ا. ن. ا. 2012. الرفاه المُنتظَر والمرجعية المنشودة. الحوار المتمدن, العدد 3952 (25 ديسمبر): http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=338134.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , . Bookmark the permalink.