شعوب تعاني أزمة في الهوية

جاك ساموئيل  

عندما تستبدل الهوية الوطنية بهوية دينية حتما ستكون شعوب هذه المجتمعات مستبعدة عن واقعها التاريخي ومغيبة عنه وتعاني من تخبطا و تناطحا وصداما ثقافيا وفكريا ولا تستطيع التمييز بين واقعاها الحقيقي وتاريخها المكتوب الذي أوصلها إلى نقطة اللاوعي فالشعوب العريقة هي الشعوب التي تحافظ على تاريخها وتراثها الحضاري و الثقافي وتنهل منه المعارف وتطورها وتوصلها إلى الحداثة فعندما يكون الدين هو المنطلق للحضارة والهوية الثقافية لأي شعب من الشعوب فحتما هذه الشعوب لن تصل إلى مرحلة من الوعي الجمعي التي يجعلها تندمج و تتفاعل وتتقبل حضارات الشعوب الاخرى.

الدين هو المسيطر وهو السائد و هو الدولة و المجتمع في بلاد مزقتها الحروب والصراعات و ويلات ظلام التراث الديني فيما العالم من الطرف الآخر يتطور يتقدم منشغلا بإبداعات أبنائه و ابتكاراتهم و تفوقهم منشغلا بالصناعات و الإكتشافات و الأبحاث العلمية التي تعود بالخير على البشرية جمعاء. بلاد فيها من علماء الدين والشريعة أكثر مما لديها من علماء الفيزياء والكيمياء وجامعات ومراكز أبحاث و معاهد و فلاسفة العقل بلاد يكثر فيها المساجد والخطب والكتاتيب ويكون فيها رجال العمامات في الصفوف الاولى من النسق العلمي والتربوي والتعليمي والتنويري بينما فلاسفة العقل و التنوير وعلماء البحث العلمي والإبداع يقبعون في الصفوف الخلفية من الطابور الخامس و هل التنوير والمجتمع المدني ينسجه أصحاب الخطب التكفيرية والجهادية و عمامات غلبت النقل على العقل ويدعون الحضارة والتفوق وينسبونها لأدبيات ؟؟ أي تفوق و حضارة يتكلمون هؤلاء عنها ويجاهرون فيها وشعوبهم تعيش الفقر والجهل والتردي و الانحطاط والتخلف بكل أشكاله مجتمع اعتاد العيش في صراعات وانقسامات مصدرها الاختلافات العقائدية والمذهبية والويل لمن لا ينتمي لمذهب واحد ويعتقد ويؤمن بعقيدة واحدة التي باعتقاد اصحابها تصلح في كل زمان ومكان ولا زالوا يجاهرون ان الإسلام هو الحل وهو مصدر التشريع و صياغة القوانين .

لقد رفع شعار الإسلام هو الحل ليكون برنامجا لامة بكاملها بدلا من رفع برنامج وطني جامع شامل لجميع القوميات و الإثنيات التي عاشت في هذه الأرض منذ آلاف السنين وللأسف نجد ان هناك من تبنى هذه الفكرة التي تحمل بذور مذهبية عنصرية وتربط الدولة الوطنية بمركزية السلطة والقوة والنفوذ لمن يدعي أنه يتزعم العالم الإسلامي، فهناك من يرتبط بهذا الشعار مع السعودية وهناك من يرتبط مع تركيا و هناك من يرتبط مع إيران وبذلك تم مصادرة الهوية الوطنية واستبدالها بهوية دينية لا تعمل على إعمار وطن بل و لا مجتمع بل على خلاف ذلك و تفرض على الشعوب تبعية دينية تصادر فيها الإرادة وتقمع العقل وتشوه التاريخ وتقضي على الهوية الوطنية وكان اول من رفع هذا الشعار هم جماعة الإخوان المسلمين و أتباعهم من الحركات الإسلامية ويهدف أصحاب هذا الشعار إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمع و العمل بالمبادئ الإسلامية في المجتمع وإلغاء الدور المدني، وقد حصل الإخوان المسلمون في مصر على حكم من محكمة القضاء الإداري في عام 2005م بجواز استخدام هذا الشعار في الحملات الانتخابية لعدم تعارضه مع الدستور وهو يتبنى مادة رئيسية في الدستور وهي المادة الثانية أن الإسلام دين الدولة الرسمي والشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وبذلك حصل هذا الشعار على قاعدة جماهيرية كبيرة وواسعة من خلال التحايل الحكومي والتلاعب على الموقف الرسمي وتم استقطاب قاعدة شابة وجماهيرية من منطلق تحقيق العدالة والتكافؤ في المجتمع إلا أن من يدقق في هذا الشعار و نشأته لن يرى فيه إلا العنصرية والتمهيد لصراعات وانقسامات والغاء للهوية الوطنية و مصادرتها إلا أن محكمة القضاء الإداري في مصر أصدرت أكثر من حكم قضائي نهائي يؤكد أن هذا الشعار يتفق مع أحكام المادة الثانية من الدستور الحالي، فضلا عن أنه يعبر عن هوية الدولة والأمة، ولا يتعارض مع مبدأ المواطنة التي تعني التساوي في الحقوق والواجبات وعدم التفرقة بين المواطنين على أساس الاعتقاد أو اللون أو الجنس “كما أن أحكام القضاء الإداري استقرت على أن الإسلام هو حل لشعار انتخابي لا يتضمن سوى الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وهذا الهدف هو أحد مقاصد الدستور المصري، الذي نص في مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

 مما تقدم بهذا الحكم القضائي يتم تجاهل 18 مليون مسيحي قبطي في مصر على خلاف ما يروج له الإعلام المصري الرسمي بوجود 5 مليون مسيحي فقط في مصر ألا يوجد في هذا الحكم القضائي تعاطفا ظاهرا ومترابطا مع شعار الإسلام هو الحل في زمن الدولة الوطنية الحديثة و إلغاء عنصريا مذهبيا ، ألا يعتبر ذلك إجحافا بحق شعوب أصيلة عاشت على أرض هذه المنطقة منذ آلاف السنين وبنت حضارة وثقافة تمت مصادرتها وفرضت التبعية العنصرية المذهبية عليها بل على مجتمع كامل برمته ألا يعتبر حكم القضائي هذا الغاء للهوية الوطنية واستبدالها بهوية دينية إسلامية، بالمقابل أغلب جميع الدول العربية ذات المنظومة العربية تتوحد في هذا الشعار وترتبط برابط ديني مع جلادها العثماني الذي لطالما اغتصب شعوب هذه المنطقة لفترة زمنية لا تقل عن أربعة قرون مستندا على الشريعة والتراث الإسلامي ولا يزال يرفع هذا الشعار حتى اليوم ويعمل على تغذيته من قبل منظومات الدول الإسلامية منها السعودية و إيران و تركيا التي لم تتخلى عن هذا الشعار من خلال تمسك حزب العدالة والتنمية في مركز القوة والسلطة فكل من تلك المنظومات الإسلامية لها مشروعها. واكثرهم تمسكا بهذا الشعار هو السلطان الاحمر الرجب طيب أردوغان قاتل السوريين ولص حلب الذي يعتبر أن سوريا جزءا من سلطنته الزائلة هذا القاتل الداعم لجميع الفصائل الإسلامية الذي يحاول جاهدا ثقافة وهوية هذا الشعار في المنطقة تمهيدا لمشروعه العثماني واستثمار الإسلام كمصدر للقوة لكسب تعاطف الشعوب المسلمة لسياساته العنصرية . و هكذا بقي الشرع الإسلامي هو مصدر التشريع والقوانين متجاهلين في ذلك عواقب هذا البند من الدستور الذي يلغي حالة المواطنة ويعزز فكرة المذهبية والطائفية في المجتمع فجميع المنظومات العربية متشابهة في دساتيرها دون التطرق للمواطنة و المساواة فالمذهبية العنصرية تعزز الطائفية والإنقسام في المجتمع و يخلق الفروقات والشروخ بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد….

جاك ساموئيل

سوريا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in جاك ساموئيل and tagged , , . Bookmark the permalink.