الايمان والعقل

أرنست وليم 

كل محاولة ربط الدين بالعقل، او اثبات الغيب بالمنطق، التي تلقفها وزاد عليها ابن رشد في الفلسفة الاسلامية اواخر القرن الثاني عشر ( متوفى عام 1198 ) – وتوما الاكويني في الغرب أواخر القرن الثالث عشر ( المتوفى عام 1274 م) كلها انتهت لفشل تام ورط العقل في توهان ميتافيزيقي خرب العقول لقرون…

كان لابد لوليم الاوكامي الراهب الفرنسيسكاني واحد من افضل عقول انجبتها القرون الوسطى ثالث ثلاثة مع توما الاكويني وابن رشد – والمتوفى في اواخر القرون الوسطى عام 1348 م، بل اعظمهم فعلا لأنه خلص الفلسفة والمنطق من وهم اثبات ما يدعون انه يتجاوز المنطق، وغير قابل للإثبات العقلي ما دام دائما هو متجاوز للعقل، أنها بديهية، وأعظم انجازات البشر بعد قرون من العته هي اعادته إلى بديهيات قبول ما هو ابسط.

ولكن كان يجب ان يبلغ التحذلق مداه حتى يأتي من يهدمه مرة وإلى الابد – إلا في شرقنا المتأخر قرون عن باقي البشر – ولا يكون هناك ما يمكن ان يضاف ليحي ما لا لم يكن حيا إلا في اوهام المتهافتين.

ولكن لم يستمع للاوكامي إلا قلة غيرت التاريخ، وبقي محكوم عليه بالهرطقة من الكنيسة التي عجزت عن الرد ولكنها لا تعجز ابدا عن الحكم. ولكن الامبراطور لويس الرابع المعادي للبابا يوحنا الثاني والعشرون من باباوات افينيون الفرنسيين، اول بابا يضع تسعيرة لغفران الخطايا على حسب نوع الخطيئة وتكرارها وزمانها – انقذ الاوكامي من براثن محاكم التفتيش البابوية البربرية وأقام مجمع اساقفة حرم البابا، فحرمهم البابا، فصار الكل محروما من فم هذا الكاهن أو ذاك !!

لقد سفه الاوكامي مقاربة ابن رشد العقلية للوحي وسفه المدرسيين وعلى رأسهم مؤسس هذه المدرسة : توما الاكويني، بل سفه معلمهم الاول ارسطو، ومنطقه الصوري الذي يريد ان يخضع الواقع لتصوره لا ان يفهم الواقع فيصوره، أي لا يجبر الواقع على قانون يفرضه فرضا وفق تصور مسبق بل يرى الواقع فيخرج منه قانونه.

لقد هدم حصون القش للذين قالوا بالتوفيق بين العقل واللاهوت ولكن بقي صوته تائها ليُضيع العالم كله قرون اخرى في ضجيج لا يخرج منه إلا سفسطة بلا طحين… وكان لابد من “امانويل كانت” بعده بأربعة قرون تقريبا فيسمع له بعضا من السابحين في دوامات الفراغ اللامتناهي باحثين عن “براد ازرق” أو “سيجار كوبي” في عالم ما خارج الكون.

لقد قالها واضحة هذه المرة، وكان العالم من النضج ان يسمعها فيعيها : ان الايمان لا يمكن البرهنة عليه عقليا لان موضوعة عالم غيبي، افتراضي، مفروض فرضا من غير ذاته، مُخبر به وبغير اخبار يستحيل تصوره إذ هو خارج متناول العقل بكل ادواته. بعد امانويل، في رأيي، صارت كل محاولة للتوفيق بين العقل والإيمان بأطروحته الغيبية ضرب من الاختلال العقلي – النفسي – الانفعالي بل والموظف سياسيا احيانا، فمن لا يعترف بأن الطفل يصير شيخا ولكن الشيخ لا يعود طفلا إلا من باب التمني، فليمني نفسه ولكن لا يدلل على ذلك منطقيا.

فهل تعلمنا الدرس أم مازلنا نحاول توافيق سخيفة وكأننا نريد دائما البدء من حيث بدأ وانتهى الاخرين فنبقي في دائرة ضيقة هي نقطة ندور حولها حتى الجنون وغيرنا صنع مساراته العملاقة التي تجاوزت حدود الفضاء اتساعا.

العجلة اُخترعت يا سادة ولكنكم تجرون امتعتكم على ارض خشنة فإن نجوتم من شقاء يقتلكم فإن ما تحملونه قد اكله الطريق الذي ثقب ما حفظتم فيه متاعكم. ومازال هناك تافه هنا ومعتوه هناك يريد البرهان العقلي، العلمي، على غيب لا يُرى ولا يقاس، وهو بالغ حتما لنقطة هي فرضية مستعبدة لمنطق بشر، يذهب بها حيث اراد، فهي هو، وهي إلهه.

فكل محاولة لعقلنة الايمان هي كفر بالعقل.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, ارنست وليم and tagged , , . Bookmark the permalink.