الطهطاوي وانجازه المسكوت عنه

 د. السيد نصر الدين السيد  

يعتبر الكثيرون، وليس الجميع، ان رفاعة رافع الطهطاوي (1801–1873 م)، امام اول بعثة طلاب ارسلهم والي مصر محمد علي الى فرنسا، هو رائد النهضة في هذه المنطقة بما الفه من كتب وبما ترجمه من اعمال وبما انشأه من مؤسسات. وهم في محقين تماما فيما ذكروه كمسوغات لمنحه لقب الريادة ولكنهم اغفلوا عن ذكر واحدا من اهم إنجازاته مالم يكن أبو كل الإنجازات.

ولا يمكن تقدير قيمة ما فعله الرجل دون التعرف على الفكر الحاكم لـ “تيار الإسلام السياسي” بصفته واحدا من اهم اللاعبين الرئيسيين لاعب رئيسي فيما تشهده منطقة الشرق الأوسط من احداث. والمقصود من “تيار الإسلام السياسي” في هذا السياق هو كافة الافراد والكيانات (جمعيات أهلية، أحزاب سياسية) التي تؤمن بأن الإسلام “دين ودولة“.

ويعتقد كل مكون من مكونات هذا التيار انه يمتلك تصور متكامل لتنظيم شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وأن عليه السعي لتطبيق هذا التصور على ارض الواقع. وتتنوع تصورات مكونات هذا التيار ما بين تصور المكون السلفي وتصور مكون الإسلام الليبرالي. ويرتكز تصور المكون السلفي على ومن ثم اتباع القرآن والسنة بفهم سلف الأمة. ويرفض المنتمون لهذا المكون رفضا قاطعا استخدام التأويل في فهم النصوص المقدسة ويلتزمون بالتفسير الحرفي لها. وفي المقابل نجد مكون الإسلام الليبرالي يتبنى منهجا أكثر مرونة لتفسير النصوص المقدسة فيوسع من دائرة التأويل ليستخرج من تلك النصوص معاني جديدة تكون أكثر مواءمة مع مستجدات في حالة تغير مستمر. وعلى الرغم من الاختلافات بين مكونات هذا التيار الا ان هناك 6 مشتركات تجمع بينها وهي: المؤامرة الغربية، مرجعية النص، الماضوية، الانغلاق، الموقف من العلمانية والحداثة.

أول المشتركات هو ” المؤامرة الغربية” ومضمونها هو ان كل ما يحدث للدول الإسلامية من كوارث هو من تدبير بعض من دول أوروبا الغربية (بريطانيا وفرنسا في المقام الأول) والولايات المتحدة وذلك خوفا عودة الإسلام كعنصر فاعل على الصعيد الدولي كما كان. وكانت بداية هذه الفكرة (او الأسطورة) يوم اعلان نهاية الإمبراطورية العثمانية عن عمر بلغ 625 عام وتفككها الى دول مستقلة. ومع نهاية الإمبراطورية كانت نهاية الخلافة الإسلامية التي آلت لسلاطين بني عثمان بعد غزو السلطان سليم لمصر سنة 1517 ودامت معهم لمدة 407 سنة.

وبزوال الخلافة زال الحاجز الذي كان يفصل بين المجتمعات الاسلامية التي كانت تتبع الإمبراطورية، وحصلت على استقلالها، وبين الواقع. وكان الواقع الذي كان عليهم مواجهته هو واقع القرن العشرين بحروبه الساخنة والباردة وازماته المتباينة وانجازاته العلمية والتكنولوجية غير المسبوقة. وكان على هذه الكيانات، وهي تسعى لتأسيس دولها، ان تجد حلولا توفق بين ما يؤمنون به وبين متطلبات الواقع ومستجداته وعلى رأسها قضايا الديموقراطية والتعددية وحقوق الانسان وحرية الاقتصاد. ولم تنجح هذه الكيانات في مسعاها وكان الخيار الاسهل امامها القاء تبعة فشلهم على كيان خارجي بدلا من إعادة النظر فيما يعتنقونه من أفكار.

وثاني المشتركات هو “مرجعية النص” فالنص الشرعي هو المرجع وهو الحاكم في حياة المسلمين والعقل مصدر تابع له. والعقل نعمة عظيمة امتن الله بها على بني آدم وميزهم بها على سائر المخلوقات غير أن هذا التكريم لا يتحقق إلا إذا كان العقل مهتديا بوحي الله محكوما بشرع الله وبذلك ينجو صاحبه من الضلال ويهتدي إلى الحق.

وثالث المشتركات هو “الماضوية” Past-Oriented التي تعني في المقام الاول بالحفاظ على التقاليد والتمسك بالمألوف. والماضي في عرف هذه الثقافة، سواء كان حقيقي او متخيل، هو المصدر الرئيسي لكل ما يتعلق بإدارة شئون الحاضر وللنماذج التي يجب ان تحتذى. ثقافة تقدس فكر الاسلاف وتنظر الى المستقبل بوصفه إعادة لإنتاج الماضي، فهي لا تتقبل المخاطرة ولا تجرؤ على التجديد. نظرة تستند الى حديث الرسول “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”، ويصوغها الامام مالك (711-795م) صياغة بليغة في قوله “وَلَا يُصْلِحُ آخرَ هذه الأمة إلا ما أصْلَحَ أَوَّلَهَا”. وبالطبع ما أصلح أول الامة هو النصوص المقدسة وما فهمه السلف الصالح منها وتفسيراتهم لها. انها باختصار الثقافة التي تقدم النص على الواقع وتخضع الأخير للأول. وهكذا يتغاضى أصحاب هذه النظرة عما انتجته البشرية من معارف وما اكتسبته من خبرات في الـ 14 قرن الأخيرة. انها باختصار النظرة المقلوبة لتاريخ الانسان باعتباره مسيرة تدهور وانحطاط لا مسيرة تقدم وارتقاء.

ورابع المشتركات هو “الانغلاق” فـ “منظومة الفكر الديني”، من منظور نظرية المنظومات Systems Theory، هي بالضرورة منظومة “منغلقة” Closed على نفسها، ومكتفية بذاتها، وذلك بتمركزها حول النص المقدس وتفسيراته. والنص المقدس، بكلماته المحدودة قطعية الثبوت التي لا تخضع لزيادة أو نقصان، لا يسرى عليه ما يسرى على كيانات الواقع من قوانين “التطور” و”التكيف”. ويأتي معتقد “الولاء والبراء”، الذي يعتبر ركن من أركان العقيدة وشرط من شروط الإيمان، ليحكم من عملية الانغلاق. و”الولاء” هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم. اما “البراء ” فهو بُغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق. ومن صور موالاة الكفار أمور شتى، منها : التشبه بهم في اللباس والكلام، الإقامة في بلادهم، وعدم الانتقال منها إلا بلاد المسلمين لأجل الفرار بالدين، السفر إلى بلادهم لغرض النزهة ومتعة النفس، اتخاذهم بطانة ومستشارين، التأريخ بتاريخهم خصوصًا التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلاد، التسمي بأسمائهم، مشاركتهم في أعيادهم أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها، مدحهم والإشادة بما هم عليه من المدنية والحضارة، والإعجاب بأخلاقهم ومهاراتهم دون النظر إلى عقائدهم الباطلة ودينهم الفاسد، الاستغفار لهم والترحم عليهم.

وتوجز كلمات صلاح سالم نتائج الانغلاق في الفقرة التالية

الانفصال الكامل عن تيار الحضارة الإنسانية… وما يفرضه ذلك من تصور سلفي للتاريخ يعتقد أن عودة الجماعة المسلمة الى أصالة الماضي كفيلة وحدها، أو بشكل رئيسي، بإقالة الأمة من عثرتها دونما الحاجة إلى النقل عن الآخرين أو الاقتباس منهم. الأمر الذي يخلق انشغالا عبثيا بقضية الهوية بديلا عن الانفتاح على العالم، والنزعة العدوانية بديلا عن التعاطي الإيجابي معه، والرغبة في التعلم منه” (سالم, 2014).

وخامس المشتركات يتعلق بنظرتهم للعلمانية، فعلى سبيل المثال يقول عنها الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الإفتاء بالأزهر الأسبق، في كتابه العلمانية والعولمة والأزهر كما يلي:

أنها نزعة أو اتجاه أو مذهب اعتنقه جماعة في أوروبا، بسبب تسلط رجال الكنيسة والدين على كل نشاط أو ميدان، وأن العلمانية بهذا المفهوم تعني اللادينية، أو عدم المبالاة بالدين، وبالتالي فهي مرفوضة في الإسلام“.

وأخيرا نصل الى المشترك الاخير وهو موقف هذا التيار من “الحداثة” Modernity بمبادئها الثلاث الأساسية وهي:

  1. العقل، لا الوحي، هو وسيلة الانسان لفهم وإدارة الواقع الذي يعيش فيه طبيعيا كان اجتماعيا،
  2. الأولوية لعالم الشهادة الذي يمارس فيه الانسان انشطته الحياتية ويؤثر فيه ويتأثر بأحداثه،
  3. المجتمع، بمنظوماته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هو مصدر القيم التي تحكمه.

وهو موقف رافض بالضرورة للمفهوم الحداثة فهي “إنها الفلسفة والتصورات الغربية التي نشأت في أجواء مخالفة تماما لأجوائنا الإسلامية، وفي ظروف ولأسباب تخالف ظروفنا وأحوالنا كأمة مسلمة تملك تصورات ربانية عن الكون والحياة، ومن هنا فنحن أمام فكرة لقيطة، ونظرية غربية ملحدة غاية الجدة فيها أنها مترجمة لبست ثوبا عربيا أو حاولت” (زايد, 2018).

من هنا ما فعله الطهطاوي لا يعودا ان يكون احداث شرخ في جدار سميك أقامه تيار الإسلام السياسي ليمنع وصول الضوء لعقول اتباعه وذلك بدعوة اهل وطنه للتعامل مع الآخر لا بوصفه كافر يستوجب التعامل معه قطع الرقاب بل بشكل صاغه الطهطاوي في عبارتين هما: ان “البلاد الإفرنجية مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إنسان أنها تجلب الأنس وتزيّن العمران” (رفاعة, 2005) (ص 85). و”أن مخالطة الأغراب, لاسيما إذا كانوا من أولي الألباب تجلب للأوطان من المنافع العمومية العجب العجاب” (رفاعة, 2010) (ص 194).

واليوم ما احوجنا لنستكمل هدم الجدار.

المراجع

رفاعة, ا. 2005. تخليص الابريز في تلخيص باريز. القاهرة: الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية.

رفاعة, ا. 2010. مناهج الالباب المصرية في مباهج الاداب العصري. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

زايد, أ. م. 2018. ما الحداثة ؟, أفكار في مواجهة الإسلام, Vol. 2017.

سالم, ص. 2014. الاساطير المؤسسة للإسلام السياسي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

عثمان, ط. 2017. مستقبل التيارات العلمانية في ما بعد الثورات العربية.. مصر أنموذجا, المختار الإسلامي: https://islamselect.net/mat/101588.

فوللر, ج. 2012. مستقبل الاسلام السياسي. القاهرة: مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , . Bookmark the permalink.