الأصولية المسيحية وفعل القتل

رفعت عوض الله  

في كل عقيدة تيار اصولي يستقطب جزءا كبيرا من معتنقي العقيدة، ويشكل فكرهم ويحكم سلوكهم،فنراهم ينظرون لعقيدتهم علي انها متفردة مختلفة،لا تشابه بينها وبين العقائد الاخري،ولا تتأثر بافكار من خارجها،فهي كل منغلق علي ذاته،اصيل…. ويترتب علي هذه النظرة للعقيدة ان اصحابها يرون في عقيدتهم الحق المطلق،وفي كل الافكار والعقائد الاخري الضلال المطلق، ويترتب علي هذه النظرة الاصولية ان المؤمنين بها هم في حرب وصراع مع المجتمع والدولة ومسار الحضارة وافكارها

المجتمع والدولة ومسار الحضارة وقيمها بدع وضلال يتوجب علي اصحاب العقيدة النأي عنها وتجنبها حماية للعقيدة واصحابها من الضلال،ولكي يتم هذا لابد من الحرب والصراع الذي لن ينتهي إلا بنصر وقضاء مبرم علي الضلال واهله

تتوزع الاصولية الدينية في اليهودية والاسلام والمسيحية والهندوسية التي يري الاصوليون في كل منها انهم وحدهم من يملكون الحق المطلق وايضا هناك اصوليات غير دينية ولكنها تقوم علي دوجما ” امتلاك الحق المطلق ” في الستالينية نسبة للزعيم الروسي الماركسي جوزيف ستالين الذي اتبع نهج القهر والقتل انطلاقا من رؤيته بانه علي حق مطلق، وايضا الاصولية الماوية في الصين القائمة علي فهم معين لفلسفة ماركس نسبة للزعيم الصيني ماوتسي يونج والذي انتهج الجبر والقهر والقتل ليصل لاهدافه المنبثقة عن رؤيته الاصولية

فضلا عن النازية التي وجهت سلوك ادولف هتلر في المانيا فكان ما كان من حرب عالمية وخراب ودمار وقتل لعشرات الملايين من الابرياء،بالإضافة للفاشية الايطالية التي اتبعها الزعيم الايطالي موسوليني والتي نتج عنها خراب ودمار وقتل بشع

 

الاصولية مقدمة والنتيجة المترتبة عليها هي الخلاص من المختلفين بقتلهم

في زماننا هذا تحتل الاصولية الاسلامية مركز الصدارة،فقد انتجت تنظيمات انتهجت نهج الحرب ضد الأخرين فهم كفار،والكافر شر لا يحتمل،وتركه يعيش ويحيا يعني ترك الفساد يرتع ويعربد ويحول دون إقامة دولة الخلافة والتي فيها يتم تطبيق الشريعة،وإعلاء الاسلام وسيادة المسلمين، فشهد العالم تنظيم القاعدة المسؤول عن احداث 1 سبتمبر 2001 الدامية بالولايات المتحدة الامريكية والتي خلفت اكثر من 3000 قتيل بريئ،وايضا تنظيم داعش الدموي القاتل المدمر والي راح ضحيته الوف من الابرياء في العراق وسوريا وباكستان وافغانستان ومصر واوروبا،فضلا عن تنظيم بوكو حرام في نيجيريا،وحركة الشباب الصومالية في الصومال وتنظيمات اخري اقل شهرة ولكنهم جميعا يمثلون الاصولية الاسلامية وينتهجون التكفير والقتل والتدمير والاستعباد واستحلال النساء والفتيات الجميلات

 

يقال ويشيع علي نطاق واسع في الاوساط المسيحية ان المسيحية بتعاليم المسيح السامية والتي تحض علي حتي محبة الاعداء بعيدة كل البعد عن إتباع القتل والتدمير والتخريب

وعلي هذا فالاصولية المسيحية بريئة من القتل ولا يمكن ان تقره وتقول به

علينا ان نضع هذه المقولة تحت مجهر العقل وان نتناولها بالنقد الموضوعي،لنري هل حقا الاصولية المسيحية لا تقر القتل ؟

الذي دفعني لكتابة هذا المقال هو حادث قتل الأنبا ابيفانيوس رئيس دير الانبا مقار علي يد احد رهبان هذا الدير العريق

شهدت كنيستنا القبطية الارثوذكسية حركة نهضة وبعث وتجديد منذ القرن 19 م من خلال بطاركة مجددين من امثال البابا كيرلس الرابع الذي لقب بأبي الاصلاح وصولا للبابا كيرلس السادس في ستنيات القرن العشرين،والذي اهتم اهتماما كبيرا بالتعليم فعين اسقفا للتعليم ” الأنبا شنوده ” واخر للبحث العلمي والدراسات اللاهوتية ” الانبا غريغوريوس ” وعلي نحو خاص اسس الاب متي المسكين مدرسة جديدة في دير الانبا مقار تدرس التراث الابائي وفي نفس الوقت تنفتح علي مجمل الافكار اللاهوتية في الغرب سواء من الكنيسة الكاثولكية او الكنيسة البروتستانتية،مدرسة إنسانية تنظر في شمول المسيحية وتقبل التنوع والاختلاف،وبالتالي بعيدة كل البعد عن الاصولية

في المقابل اسس الانبا شنوده اسقف التعليم مدرسة تري ان الكفاية في الكنيسة القبطية الارثوذكسية وفي تراثها الأبائي عبر العصور،وان السماح لافكار كاثولكية او برتستانتية لتمتزج بافكار كنيستنا القبطية الارثوذكسية يفضي علي تفرد ونقاء الكنيسة العريقة، ومن ثم وجوب تحريم تلك الافكار الواردة من الخارج، وحماية للشعب من تعليم تلك الكنائس الغريبة

ببساطة يعبر تيار الانبا شنوده عن اصولية كنيستنا القبطية الارثوذكسية الرافضة لأي فكر ياتي من خارج الكنيسة

فلما اصبح الانبا شنوده بابا الكنيسة تحت اسم البابا شنوده الثالث عمد لمحاربة مدرسة الاب متي المسكين لانها بنظره تمثل عدوانا علي تفرد وخصوصية ونقاء كنيستنا القبطية الارثوذكسية، فعمل علي إدخال رهبان ينتمون لمدرسته في دير الانبا مقار معقل مدرسة الاب متي المسكين المنفتحة علي كافة الثقافات المسيحية

نظر اتباع مدرسة البابا شنوده الثالث للاب متي المسكين ومدرسته وتلاميذه علي انهم هراطقة خرجوا عن الايمان القويم والعقيدة السليمة

في ادبيات الكنيسة عبر عصورها الطويلة إلي ما قبل العصر الحديث،كان الحكم علي المتهم بالهرطقة ينحصر في : إما ان يعود ويتراجع عن هرطقته وإما ان يحكم عليه بالقتل او بالحرق،وهكذا رأينا اسقف الاسكندرية ” البابا كيرلس عمود الإيمان ” في القرن الرابع الميلادي يوعز للرهبان وللشعب با ن يقتلوا الفيلسوفة الشابة الجميلة هيباتيا لانها من وجهة نظر هذا الاسقف الاصولي تعد مهرطقة فهي حاولت التوفيق بين المسيحية والفلسفة الافلاطونية المحدثة،وتم فعل القتل في شوارع الاسكندرية

وكانت الكنيسة الكاثولكية في العصور الوسطي تحاكم من تراهم مهرطقين وتؤمر باعدامهم حرقا ” الراهب سافونا رولا والفيلسوف جوردانو برونوا،وإجبار العالم جالليو علي انكار دوران الارض ” وغيرهم كثرين  من اتهموا بالهرطقة

علي هذا الاصولية المسيحية تقول وتحكم بقتل من تراه مهرطقا علي الرغم من تعاليم المسيحية وتعاليم المسيح البعيدة كل البعد عن العنف والقتل

رئيس دير الانبا مقار المقتول كان محسوبا علي تيار ومدرسة الاب متي المسكين ومن ثم هو مهرطق من وجهة نظر الراهب القاتل الاصولي المحسوب علي تيار ومدرسة البابا شنوده الاصولية،ولانه مهرطق فقتله امر مشروع،اصلي ان تتخلص كنيستنا العريقة من الاصولية الرافضة للاختلاف والتنوع والتعدد وان تحزو حزو الكنيسة الكاثولكية التي تحررت من اصوليتها فكفت عن الحكم بهرطقة المختلفين بل اعتذرت عن ما اصدرته من احكام واعدامات

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, رفعت عوض الله and tagged , , . Bookmark the permalink.