كيف نظر “متى المسكين” إلى تعصب كنيسته الأرثوذكسية؟

ابراهيم صالح  

من خلال مذكراته الشخصية الصادرة عن دير القديس أبنا مقار 2006عام، وتحت عنوان “خبرة أليمة عن روح الإنحصار والتعصب” كتب المسكين قائلا :”ولكن كانت الصدمة الكبرى مساء يوم كنا فيه في منزل الأستاذ سعد عزيز بالجيزة (فيما بعد المتنيح الأنبا صموئيل أسقف الخدمات) في إجتماع محبة. وطرح أحد الإخوة سؤالا عن علاقتنا بالبروتستانت. فتبرع أحد المسئولين بالرد الذي يفهم منه أن لا نتعامل معهم، بدأت أنا أتساءل لماذا؟ فتطور الرد إلى الأمر (وكان المتكلم هنا هو المرحوم المهندس يسى حنا مدير شركة ماركوني اللاسلكية سابقا) أن لا نضع يدنا إلا في يد من يؤمن بمبادئنا!فاعترضت وقلت إن هذه عزلة وليست بحسب الإنجيل”. ويواصل المسكين طرحه للموضوع الشائك فيقول:”وهنا فهمت أني أمام كارثة إيمانية بل كارثة وطنية وشعبية معا، ولكن على ضوء هذا الإستفتاء بدأت أفهم الأمور من حولي”. وهكذا يضع الراهب الشاب يده على مفتاح هام جدا ألا وهو سر ضعف الإيمان بين جموع الشعب ولماذا لم تحرز الأرثوذكسية أي تقدم روحي منذ القرن السابع الميلادي؟!، بل أن جرأة الرجل وصلت إلى مداها عندما كشف النقاب عن سر التعصب الأرثوذكسي فتراه يقول بجرأته المعهودة منه:” فلا تعجب أيها القاريء حينما تسمع بأننا متعصبون، إنما العزلة والخوف والجهل معا فرضت علينا هذا التعصب الفكري والإيماني الذميم، وطغى علينا التعصب”.

لقد تفتحت عين المسكين منذ بداية رحلته الإيمانية على واقع مرير كسا كنيسته ظلمة وباتت بلا روح أو قلب نابض. ومن خلال قراءته الهادئة لأسرار ضعف كنيسته لم يتوان في نشر تعاليم المحبة، والدعوة إلى فهم نصوص الكتاب المقدس بروح إستنارة وبتمهل وهو ما غلف لاهوته وصبغه بنزعات يوحانية – نسبة إلى الرسول يوحنا رسول المحبة-، فإتجه للإنفتاح على الآخر وقبوله، إلا أنه بسبب هذا التوجه حُورب وعاني ويلات الإضطهاد حتى وهو يسكن عمق الصحراء عائشا بين الذئاب والعقارب والحيات في البرية إذ تمت مطارته بواسطة قوات البابا كي يترك مغارته فقرر تبعا لذلك مغادرة دير الأنبا صموئيل عام 1956، ليعقب هذا إضطهاد وتضييق آخر إذ تم تجريد الرجل من رهبنته وكهنوته عام 1960 بدون إجراءات ومحاكمات كنسية وتم التشهير به على صفحات جريدة الأهرام يوم 17 أكتوبر 1960، ورغم ذلك لم يتوقف عطاء الراهب المشلوح للإنسانية التى تعد كتاباته مرجعا هاما لكل كنائس العالم من كاثوليكية وبروتستانتية. كما يستمر الأب متى المسكين بنظرته التحليلية العقلانية ينظر إلى ضعف ووهن كنيسته ليعطينا نتائج لما تعيشه الكنيسة فنراه في موضع آخر من مذكراته فيصف لنا حال الرهبنة الأرثوذكسية المصرية في القرن العشرين فيقول بلا مداراة:” ولكن الرهبنة كانت عند الرهبان سواء الصغار أو الكبار، تسير مغمضة في العبودية الإنسانية الجديدة للإنسان، بلا مقابل إلهي يعكس ما كان لها من ماض مشرق في مفهوم الحرية الروحية”. بل أن الضمير الإيماني يرتفع عند المسكين ويبلغ مداه ليؤكد لنا واقعة سرقة بأيدي الكهنة فيقول:” ورتبت ماهيات ثابتة للكهنة لأول مرة في القطر المصري، وكانت الهيات عالية جدا وقتها: يبدأ الكاهن ب 25 جنيها مرتب( علما بان خريج الجامعة كان يتقاضى 12 جنيها)- مع علاوات سنوية بدون توقف، مع أثر رجعي جعل أكبر كاهن يتقاضى 55 جنيها.

وبدأت أعين المسئولين في كل كنيسة لحصر الدخول في الخدمات فأرتفع الدخل سريعا، مما غطى الديون في ثلاثة أشهر ولكن يظهر من هذا أن الكهنة كانوا يتقاضون من هذه الدخول لأنفسهم ما يزيد على ثلاثمائة جنيها شهريا للواحد!”.

ويبقى المسكين علامة مضيئة وسط ظلمة حالكة، وتستمر كلمات المحبة الخارجة من عظاته رمزا ومثالا حيا لمحبة المسيح، الذي ستر العاهرة، ولم يأنف من رؤية مشهد زناها، كما أكل بلا خجل في بيت العشار، ولم يتردد في أن يُدخل ملكوته لصا لم يتعمد بالماء، بل آمن بعمق محبته اللامحدودة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in إبراهيم صالح and tagged , , . Bookmark the permalink.