(إذا لم نكن نحن رسل السلام، فمن إذن؟ (3

يَشبهونا. ونَشبههم..هم منا، ونحن منهم…ولكن

 د.إلهام مانع  

“كل شيء له جانبان. لكن فقط عندما يدرك المرء أن لهذا الشيء ثلاثة جوانب، فإنه سيكون قادرا على فهمه”. (هايميتو فون دوديرير ـ 1896_1966).

 قرأت العبارة على اللوحة.

في شارعنا.

حكمة شهرية. يكتبها أحد العاملين او إحدى العاملات في شركة هندسية، إتخذت من حَينا مقراً لها.

 كان المبنى من قبل مركزاً ثقافياً. ثم تقاعدت مديرته. وكانت اللوحة تقليداً دأبت عليه صاحبته على مدى سنوات طويلة.

وعندما تقاعدت، وحلت الشركة محلها، أدركت أهمية اللوحة بالنسبة لسكان الحي. فاستمرت فيه. تركت اللوحة مكانها أمام مدخل المبنى. وأصبحنا نتطلع كما السابق إلى الحكمة الشهرية التي يختارونها/يخترنها.

قرأت كلمات الكاتب النمساوي المعروف. وابتسمت. متعبة.

 همست لنفسي “تبدو لي مناسبة لموضوع السلسلة التي بدأتها عن إسرائيل”.

كل شيء له جانبان. لكن فقط عندما ندرك أن لهذا الشيء جانباً ثالثاً، سنفهمه.

إذن أعود عزيزي القاري، عزيزتي القارئة إلى السلسلة.

فتقَبلا مني المحبة والإعتذار.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

هل تعرف عزيزي القاريء أن نصف عدد سكان إسرائيل من اليهود اليوم من أصول عربية؟ 

لن تستطيع ان تفرق بينهم وبين أي عربي من المنطقة.

يَشبهونا. ونشبههم.

هم منا، ونحن منهم.

نحن واحد.

ولكن.

يسمونهم في إسرائيل يهود الميزراهي، وهناك اصطلاح أكثر شمولية يجمعهم، السفارديم، لكنه يشمل يهود إسبانيا والبرتغال الذين ُطردوا منهما في القرن الخامس عشر بسبب التطرف والاضطهاد المسيحي ، وتفرقوا في شمال أفريقيا وآسيا الصغرى والشام، ووجدوا أماناً لدى الدولة العثمانية. 

عند قدومهم إلى إسرائيل تَعرضوا للتمييز. نظر يهود الأشكناز من الأصول الأوروبية  إليهم بقدر من الاحتقار. وأنعكس هذا على إسلوب معاملتهم. لكنهم اندمجوا في المجتمع، وبدأوا  في حراك مجتمعي وتحديداً  في السبعينات  مطالبين بالمساواة في الحقوق مع يهود الأشكناز. ورغم سرعة اِرتقائهم في المناصب الحكومية والأمنية والجيش، إلا أنهم لايزالون الأكثر فقراً بين الإسرائيليين من اليهود.

هل تعرف عزيزي القاريء أن اليهود من أصول عربية هم الأكثر محافظة في ميولهم السياسية والأكثر تشدداً فيما يتعلق بمسار السلام؟

يحسن بنا أن نتساءل هنا، لماذا؟

سؤال هام.

هل تعرفين عزيزتي القارئة أن عددَ من خرج من منطقتنا في الفترة التي سبقت وتلت إنشاء دولة إسرائيل من اليهود العرب نحو 850 ألف يهودي عربي. منهم اليمني، العراقية، الليبي، المصرية، المغربي، الجزائرية، والسوري، والتونسية.

هم أيضا هُجروا.

لم يخرجوا دوماً طواعية. بعضهم فعل ذلك وسعى إليه سعياً. لكن الكثيرين خرجوا هاربين.

تركوا وراءهم حياةً في بلدان أحَبوها، لكن موجة القومية العربية، التي استوحت بعَضاً من اصولها من إيديولوجيات أوروبية فاشية وبعضها نازي، تسببت في لفَظهم.

هل تعَرفا أن اليهود في بلدان كالعراق ومصر كانوا جزءا أصيلاً من النسيج المجتمع العراقي والمصري؟

يهود العراق كانوا يعتبرون من اقدم الكيانات العراقية. عاشت كأقلية معززة وتحديداً في المدن وفي العقود الأولى من القرن العشرين.. كانوا ينظرون إلى أنفسهم كمواطنين ومواطنات.  و بلغ عددهم عند إنشاء إسرائيل نحو 135 ألف عراقي وعراقية.

هل تعَرفا أن وصول المد النازي إلى العراق وتحديداً مع حكومة رشيد الكيلاني المؤيدة لهتلر أدت إلى انتشار الفكر المعادي للسامية في العراق.

 وأن لحظة سقوط الحكومة الكيلانية واحتلال بريطانيا للعراق أدت إلى حالة من الفوضى، استغلتها غوغاء معادية لليهود، ارتكبوا معها مجازر الفرهود في يوليو 1941؟

هل تَعرفا أن هناك من مات من العراقيين المسلمين والمسيحيين دفاعاً عن إخوانهم من العراقيين اليهود خلال تلك المجازر؟

لكن ما حدث في تلك المجازر، من قتل وبتر أطراف، وقطع اثدية، واغتصاب، ثم ما تلاه من سياسات تبنتها الحكومات المتوالية فيما بعد أدت إلى إضطهاد والتنكيل ونزع الملكية من الكثيرين من العراقيين اليهود. زُرع الخوف في قلوبهم/ن.  تبخرت المواطنة، ومعها فقدوا وفقدن الأمان. فَفر الكثيرون/ات منهم/ن إلى إسرائيل. وغيرهم اختار كندا والولايات المتحدة. لم يبق من يهود العراق إلا قلة قليلة.

هل تعرفا إن المصريين اليهود كانوا يعيشون ويعملون كجزءٍ لا يتجزأ من المجتمع المصري. معظمهم كان يعمل كمهندسين، محامين، اطباء معلمين، ومنهم عمل في التمثيل والمهن المالية.

وعندما انضمت مصر إلى التحالف العربي ضد إسرائيل في حرب 48، أصدرت حكومة الملك فاروق مرسوماً معادياً لأبنائها وبناتها المصريين من أتباع الديانة اليهودية. اعتبرتهم/ن طابوراً خامساً. 

صادرت ممتلكاتهم، وكثيرا من بيوتهن تم هدمها، كما هاجم غوغاء الحي اليهودي في القاهرة، مما أسفر عن مقتل عدد كبير منهم، ونُهبت مَنازلهن ومحلاتهم. وبحلول نوفمبر 1950 ، غادر أكثر من نصف المصريين اليهود البلاد. ومعظمهم صنع حياة جديدة في إسرائيل.

ثم غادر النصف الثاني بعد حرب 1956 مع حرب السويس.

لم يبق في مصر سوى ستة نساء مصريات يهوديات. 

ستة.

سأحدثكم عن يهود اليمن في مقال آخر.

احبهم، تماماً كما أحب تمسكهم بتراثهم الثقافي اليمني.

لكني أحببت أن أستهل هذا المقال بهذه المعلومات.

كي نتذكر.

لن تستطيعي ان تفرقي بينهم وبين أي عربي من المنطقة. 

يَشبهونا. ونَشبههم.

هم منا، ونحن منهم.

نحن واحد.

ورغم تمسكهم بتراثهم الثقافي من البلدان التي جاءوا منها، موسيقاها، صناعاتها الحرفية، وأشهى أطباقها، رغم ذلك هم الأكثر تشدداً عندما يتعلق الأمر بمسار السلام.

لماذا؟

تسألان حقاً؟  

ناحوم ويوسف قطاوي

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

نزلنا في فندق بسيط قريب من الشاطيء في تل أبيب.

اختاره توماس تحديداً بسبب قربه من الشاطئ.

وأنا لم أدقق في الفندق. المهم مكان نعود إليه بعد جولاتنا.

لكن الشاطيء كان رائعاً.

كنا نذهب إليه أنا وتوماس بعد رحلة اليوم، وقت الغروب. ننظر إلى الشمس وهي تغيب.

 ذَكرني بِشاطيء كيب تاون في جنوب أفريقيا.

ذهبت إليها في رحلة بحثية قبل ثلاث سنوات.

وكنت أفعل نفس الشيء. وحدي. اذهب إليها في الصباح الباكر جداً أو في وقت الغروب. أنا وجَدول عملي وَمقابلاتي. وأَنظر إلى الشمس وامواج البحر والسماء. وأغيب معهم.

الفرق، هو أن شَاطيء تل أبيب مفتوح للسباحة، للجميع.

أما كيب تاون، فأكتفت من البحر بكورنيش نُسّبح عليه بجمال الأمواج.

أحد الوجوه الدائمة في الفندق كان رجلاً متقدماً في السن.

مدير.

من لحظة ترحيبه بنا في الفندق عرفت أنه من أصول مصرية.

إسرائيلي يهودي من أصول مصرية.

قلت ذلك لتوماس. هز رأسه. ربما.

في اليوم الثالث، عند خروجنا من الفندق إلتقينا به من جديد.

توقفت أمامه وسَألته بالإنجليزية، “هل لديك جذورٌ مصرية؟”

نظر إلي بحذر مندهشاً، وسأل: “كيف عرفتي؟”.

قلت له مبتسمة:”الدم يَحُن (يَعرف بعضه)”.

وشرحت له أني من إصول عربية، يمنية ومصرية.

على مدى الأيام التالية كنا نتحدث.

حدثني عن والدته المصرية.

عن حياتها في الإسكندرية.

عن اللغات التي كانت تتحدثها.

عن خروجها في سبعة وأربعين. تزوجت وهربت. تلك الفترة كانت حرجة للكثير من المصريين اليهود.

والدها، المصري اليهودي،  الذي اتخذ من مصر موطناً بعد هجرته من يافا في البدايات الأولى من القرن العشرين، فضل البقاء في مصر.

 رفض الخروج. فضل البقاء. في وطنه.

بقي في مصر. لكن الأوضاع ساءت. تدهورت أكثر. وحينها لم يعد قادراً على الخروج حتى لو أراد. لم يخرج إلا بعد توقيع إتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1978. ذهب إلى إبنته. في تل أبيب. وظل حتى مماته يسمع الأغاني المصرية.

مرة، قبل خروجنا، حدثني عن خبر نشرته صحيفة الهارتس يوم 14 يوليو عن التوأم جمال، ليلى ولينا (أو ليز ولين)  الراقِصتان المصريتان، فَناناتان إسِتعراضيتان، حققتا في فترة الأربعينات نجاحاً باهراً في مصر والعالم (الهند، سنغافورة، الولايات المتحدة). وظَهرتا في عدد كبير من الأفلام المصرية، فنالوا شهرة واسعة في جميع أنحاء العالم العربي أيضاً.

وكان الملك فاروق، ونائب الرئيس الأمريكي -وقتذاك- ريتشارد نيكسون، من أشد المعجبين بهما.

ما لم يعرفه المعجبون أن ديانة التوأم جمال كانت اليهودية.

صاحبنا في الفندق كان فرحاً بالحكاية.

حكاها لي بحماس.

قصة تجمعنا. أنا وهو.

بمصريتها.

قَصها عَلي مبتورة. فبحثت عنها.

ووجدت أنهما اضطرا بعد عام 1956 إلى الهروب إلى الولايات المتحدة  بعد أن حذَرهما والدهما من العودة إلى مصر من رحلة عمل استعراضية بسبب “اكتشاف” السلطات المصرية لديِانتهما، والتي اعتبروها مؤشراً على “تجَسسهما لصالح إسرائيل”.

ماتت لينا في نيويورك في الولايات المتحدة عام 1992 أما ليلى فماتت في كونيكيتك عام 2016. ولم َتنجبا أطفالاً. 

في أيامها الأخيرة، لم تكن ليلى، التي اصيبت بالخرف، تتحدث عن أي شيء سوى أيام طفولتها، وشبابها وحياتها في القاهرة والإسكندرية.

 ولم تتوقف عن الحديث عن الأسكندرية، ورائحة بحرها، وهوائها العليل. 

تماماً كجد صاحبنا. ذاك الذي خرج من وطنه بعد أن رفض الخروج منه، مرغماً، وظل حتى مماته يسمع الأغاني المصرية.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

يَشبهونا. ونَشبههم.

هم منا، ونحن منهم.

نحن واحد.

ورغم تمسكهم بتراثهم الثقافي من البلدان التي جاءوا منها، موسيقاها، صناعاتها الحرفية، وأشهى أطباقها، رغم ذلك هم الأكثر تشدداً عندما يتعلق الأمر بمسار السلام.

وتسألاني لماذا؟

حقاً؟

بعض المصادر المستخدمة:

Elie Kedourie (2004), The Chatham House Version: And Other Middle Eastern Studies, Chicago: Evan R. Dee.

Ada Aharoni (2003), “The Forced Migration of Jews from Arab Countries”, Peace Review, 15:1, 53-60, DOI: 10.1080/1040265032000059742

Ofer Aderet (14 July 2018), “The Secret Jewish Identity of the Jamal Twins, Egypt’s Belly-dancing Stars”, Haaretz, https://www.haaretz.com/middle-east-news/egypt/.premium.MAGAZINE-the-secret-identity-of-the-egyptian-twin-belly-dancing-stars-1.6267295.

Sarah Ehrlich (1 June 1941), “Farhud memories: Baghdad’s 1941 slaughter of the Jews”, BBC News, https://www.bbc.com/news/world-middle-east-13610702

Racheal Gelfman Schultz (N.N), “Mizrahi Jews in Israel”, My Jewish Learning, https://www.myjewishlearning.com/article/mizrahim-in-israel/

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, إلهام مانع and tagged , , , . Bookmark the permalink.