هل سلبت شريعة موسى المرأة حقوقها؟

 أرنست وليم 

المرأة في الشرق الاوسط بين الشعوب “الوثنية” والشعب الذي إلهه “يهوه”.

بالتأكيد لم يكن حامورابي (1792 – 1750 ق م) هو أقدم من دون شريعته على الحجر أو على الصلصال، ولكنه بالتأكيد صاحب أفضل تشريع وصلنا حتى الآن من نتاج منطقة الشرق الأدنى القديم.. وتحديدا منطقة العراق.. ويقول الأب سهيل قاشا في مقارنة علمية: “[أنه] لابد من الاعتراف بأن المتشابه بين شريعة موسى وقانون حمورابي لابد أن يكون معظمه مقتبساً من أقدمهما، أي أن المتشابه الوارد في الأسفار الخمسة (التوراة) يكون مقتبس من قانون حمورابي التي سبقت شريعة التوراة بأكثر من خمسمائة عام” [1*]…

لا أعرف أن كان يجب عليا الاعتذار عن هذه المقدمة الصادمة التي للكاهن العراقي الكاثوليكي (من طائفة السريان الكاثوليك) والمؤرخ المشهود له في الأوساط العلمية، والمدرس في معهد القديس بولس للفلسفة واللاهوت بلبنان.. أم الاعتراف بما توافق عليه معظم العلماء والدارسين بما فيهم المتدينين المستنيرين، نتيجة تطور المعارف التاريخية والاكتشافات الأثرية، ولكن، ومع كامل الأسف، هذه مباحث غير معروفة، أو على الأقل غير مشهورة، في شرقنا المحافظ حتى الجمود، فصار هذا الشرق يفتخر بسلفيته العقيمة..

ولكننا سنهمل هذه المقدمة لأننا سنتناول في الواقع قضية من القضايا النادرة التي كان الاختلاف فيها يكاد يكون تاما.. بلا تشابه لا في الروح ولا في النص.. وهي قضية حقوق المرأة ووضعها داخل المجتمع..

ولنبدأ بالأقدم، أي بقوانين حمورابي، وتحديدا في باب الشئون الأسرية والميراث والتبني [2*] أي في المواد من 127 وإلي 195، والتي سنتناول بعضها فقط لضيق المقال.

— مادة 129: في حاله غياب الزوج لمدة طويلة يسمح للزوجة بالزواج الثاني.. (متروكة في أغلب الأحيان لتقدير القاضي) [3*]

— مادة 133: من حق الزوج تطليق زوجته على شرط تدبر احتياجات الأطفال [كاملة] ودفع نفقة مالية للزوجة تعويضا لها. على قدر مكانة الرجل الاجتماعية [4*]

— مادة 141: إذا أهمل الزوج في واجباته [تجاه زوجته] إهمالا جسيما من حق الزوجة أن تطلب الطلاق..

— مادة 144: تمنع من تعدد الزوجات إلا في حالة واحدة وهي أن تكون الزوجة عاقر.. وحتى في هذه الحالة لا يتزوج الرجل مَن يشاء من النساء، بل على الزوجة أن تعطي أحدى جواريها لزوجها لينجب.. ولا يكون للزوج اختيار الزوجة الجديدة إلا في حالة امتناع الزوجة على تقديم خادمة لها..( كما كان مع سارة عندما قدمت هاجر لإبراهيم، أو في حالة كل من الأختين راحيل وليئة عندما قدمتا جاريتهما ليعقوب – في حالة يعقوب هناك خروج كامل عن أعراف وقوانين حمورابي، لأنه جمع بين زوجتين، والزوجتين أخوات، ثم أنه دخل على أحدى الجواري وله من زوجته أبناء)

— مادة 145: إذا دخل الزوج على جارية زوجته، تبقى الزوجة موضع احترام الجميع، ولو قصرت الجارية في حق سيدة المنزل يمكنها بيعها لو لم تكن قد أنجبت من سيدها.. أما أن كانت قد أنجبت فلا تطرد أبدا من المنزل ولا تباع أبدا كأمة، بل تتساوى تماما مع سيدة المنزل بالإنجاب [5*] ( عكس ما فعلته سارة مع هاجر المصرية، جاريتها، رغم أنها كانت أم ولد – إسماعيل- ) 

— المادة 148 و 149: إذا أصيبت الزوجة بمرض عضال لا شفاء منه، يمكن للزوج أن يتزوج بأخرى، “ولكنه لا يخرج الزوجة من المنزل وتظل محتفظة بكامل حقوقها وأملاكها، ويلزم الزوج بالأنفاق عليها ما دامت على قيد الحياة”، إلاّ إذا فضلت أن تأخذ مهرها وترجع الى منزل والدها؛ [6*]

— 172: للمرأة نصيب في ميراث الزوج، فتحصل على نصيب أبن من الأبناء، بشرط ألا يزيد عن ربع التركة، وتحتفظ بأملاكها وهداياها ومهرها.

— مادة 172 – 177: يمكن للأرملة أن تتزوج، أن أرادت، في هذه الحالة تتنازل عن نصيبها في ميراث زوجها المتوفي للأبناء، ولكنها تحتفظ بأملاكها الخاصة ومهرها…

……………

التشريع التوراتي فيما يختص بالميراث وحقوق العامة والخاصة.

الشريعة الموساوية شحيحة جدا فيما يخص قضايا الميراث وحقوق المرأة، فهي تلخص القضية بشكل يهدر تماما حقوقها فلا تصير إلا متاع لزوج ومرضعة لطفل.. فينص على الآتي:

تثنية 21: 17 / للابن البكر نصيب أثنين من ميراث أبيه.. وكان يقسم الباقي بالتساوي بين باقي الأبناء..

تك 24: 35 و 36- 25: 5 و6 / يمكن للأب أن يتصرف أثناء حياته في ممتلكاته كما يرى، ويوزعها كيفما شاء..

تثنية 21: 15-17 / لا يحق للأب أن يحرم الابن البكر حقوق البكورية، ولو كانت أمه مكروهة..

وهذه القاعدة لم يلتزم بها البطاركة الأوائل — رغم الاعتراف بها كعرف وتقليد أخلاقي متبع وواجب النفاذ — فإبراهيم قدم أسحق على إسماعيل البكر – أسحق قدم يعقوب على عيسو البكر، رغم خديعة يعقوب له – يعقوب قدم الأبن الحادي عشر: يوسف أبو إفرايم ومنسى أصل السامريين، على رأوبين الأبن البكر، لأنه ضاجع زوجة أبيه يعقوب (!!)..

ولا حتى بعد نزول الشريعة ( على افتراض أنها نزلت على موسى في خلاف لم يحسم بعد ولن يحسم هل كان موسى وزمن الخروج في القرن الخامس عشر أم الثالث عسر ) فداود النبي قدم أبنه سليمان رغم النص الواضحة على أدونيا البكر بعد أبشالوم الذي قتل في حربه ضد أبيه ( على افتراض انه كان موجود في القرن العاشر زمن داود )…

المرأة بنتا كانت أو زوجة أو أم لا ترث رجلا.. أب أو أخ أو زوج أيا كان، حسب التوراة الموساوية.. بل أن النساء تُورث للذكر صاحب الحق الشرعي كالأرض والعقار والمتاع… بحسب قاموس الكتاب المقدس باب امرأة الأخ نقرأ الآتي: “لم يكن للارملة حقوق في تركة زوجها، بل هي نفسها تعتبر جزءا من التركة، وكان الأخ الحي الوريث الطبيعي، وقد تحول هذا الحق في وراثة الأرملة إلى واجب الزواج منها أن كان الأخ المتوفي لم يعقب نسلا، وفي حالة عدم وجود أخ للزوج المتوفي، ينتقل هذا الواجب على والد الزوج أو إلى القريب الأقرب الذي سينتقل له الميراث”[7*] (راجع تثنية 25: 7 – 10 ).

هنا نشير إلى معضلة توراتية، فهذا التشريع “الإلهي” المنصوص عليه في سفر التثنية، ينتهك صراحة تشريع “إلهي” أخر في التوراة سفر لاويين 20: 21، حيث يعتبر كشف عورة زوجة الأخ نجاسة، لأن عورتها هي عورة أخيه… فهل يكشف رجلا عورة أخيه – تكون نجاسة في حياته، وبركة بعد موته؟!!

للرجل الحق في الزواج، بغير حد أقصى، وما شاء من جواري، وما ملكت يمينه، بكل ما لذ وطاب لنفسه… وليس على المرأة أن تتذمر أو تشكو، فتحرم ما أحل الله للرجل وحرمه عليها..

في تعليقه على الوصية العاشرة من الوصايا العشر: “لا تشته بيت قريبك. لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا حماره، ولا شيئا مما لقريبك” (خروج 20: 17)، يقول الأب سهيل قاشا “في هذه الوصية يُنظَر إلى المرأة بصفتها جزءا من المتاع، ولدى مقارنتنا مكانتها هذه مع وضع المرأة الاجتماعي في العراق القديم لرأينا أن للمرأة العراقية القديمة مكانة أفضل حيث كانت تتمتع بكثير من الحقوق والامتيازات بالرغم من أن نظام الأسرة السومارية والبابلية والعبرانية معا نظاما أبويا ” [8*]

الذمة المالية، والحق في كينونة آدمية.

أخيرا يجب التنويه إلى أن المرأة العراقية لها ذمة مالية، ومسئولة مباشرة على أدارة أملاكها العقارية والتجارية، وفي عقد الزواج كان الوضع كما هو في أوربا حاليا، يختار الزوجان إما فصل أملاكهما قبل الزواج، أو دمجهما فيصير كل شيء مشترك، فهذا يُحدد من البداية، وينص عليه كتابتا، وفي الحالتين يكون كل منهم متضامنا مع الأخر على الأقل في الالتزام بالعهود والتوقيعات والمديونيات بعد الزواج.. [9*]،

فالمواد 110- 118.. تنظم مهنة الفنادق والمطاعم والحانات، ويتضح من هذه التشريعات أن النساء هي مَن تديرها بوجه عام، والمسئولية المباشرة أمام الدولة تقع على عاتقها باعتبارها إنسان كامل الأهلية، يقدم عن نفسه وعمله حساب أمام الدولة في طريقة أدارته، ويحاسب في حالة الإخلال بقواعد وأصول المهنة…

مما سبق سندرس حالات وجدت المرأة فيها نفسها، وهي قابلة للحدوث والتكرار ملايين المرات، عبر قرون طويلة، حيث كانت هذه الشرائع مطبقة في منطقة الشرق الأوسط والأدنى….

1- الترمل.

بالنسبة للمرأة العراقية.. فهي لها ميراثها يضاف إلية مشروعها التجاري، أو ملكيتها العقارية الخاصة، أو رصيدها من هدايا، بل والمهر الذي يبقى ملكيتها لا ينزع منها… وهي في كل الأحوال تبقى سيدة المنزل والأكثر غنى من كل الأبناء، بما فيهم الابن البكر الذي لم يكن مميزا في الميراث عن باقي الأخوة.. فتستمر الحياة كريمة دون حاجة لزوج آخر، إلا إذا أرادت ذلك.. بل حتى لا تحتاج لأبنها أو لقريب أيا كان ليتحنن عليها، ويتعطف، ويشفق، فيطعمها ويعتني بها….. ونظرا لأنها صاحبة مال وحرية تنقل، كما أشرنا سابقا، ولا وصاية عليها من ذكرا أيا كان، ففرصتها الطبيعية في وجود شريك حياة آخر، مفتوحة على مصراعيها..

2 – الطلاق.

في حالة المرأة العراقية، يعتبر ذلك فعلا استثناء، وعندما يكون، فليس بالإرادة المنفردة للرجل.. أي أننا لا نتحدث في الواقع عن طلاق بالمفهوم الشرقي الآن بل عن التطليق.. بمعنى أن القضاء الذي أبرم عقد الزواج المدني.. هو الذي تُعرض عليه القضية فيحكم باستحالة العشرة أو تغيب أحد الطرفين بما يجعله يسمح بالتطليق.. ويكون من حق الطرفين أبرام عقد زواج أخر مع من يشاء بلا مانع.. إلا في حالة الزنا والتي تكون العقوبة الموت، أما غرقا في النهر، أو على خازوق على حسب الحالة… رجلا كان أم امرأة..

3 – المرض العضال

حتى مرض الزوجة بمرض عضال لا يجعل للزوج الحق في الطلاق، ولا يعفيه من مسئولية القانونية والأخلاقية تجاه زوجته، ولكنه يُعطى الحق في الزواج ثانية.. إلا إذا أرادت الزوجة أن تذهب لبيت أبيها مطلقة أو على ذمة زوجها.. مع الاحتفاظ بأملاكها ومهرها مع نفقة دائمة على حسب مقدرة الرجل ومكانته الاجتماعية..

فماذا عن المرأة الواقعة تحت شريعة موسى في حالة الطلاق أو الترمل أو الهجر…. هي أمام أربع مصائر:

1 – الزواج

وبذلك تدخل تحت عصمة ذكر أخر يطعمها ويكسيها، ولكن لابد وأن نكون صريحين فيجب على المرأة أن تكون شابة – فيها أكثر من الرمق – ولاسيما أن الشرقيين يميلون للبنات الصغيرات والعذارى.. والزواج بأرملة ليس بالزواج المشرف.. حتى أن الكاهن يُحرم عليه، وفق الشريعة “الربانية” أن يتزوج بزانية أو أرملة أو مطلقة “(لاويين 21: 14)

2- العيش عالة.   

بأن يُحنن الرب قلب الابن، إن وجد، أو أحد الأقارب فيضمها إليه، وله الأجر والثواب..

3 – التسول والشحاذة.

وهنا يجب أن نؤكد على نظرة المجتمع للمرأة بشكل عام، – سبب الخطيئة والبلاء، المنجسة بدم الحيض، ومصدر النحس والتعاطي بالسحر والتحالف مع الشيطان… كل هذا لم يجعل الرجال سخيين في تعاملهم مع النساء.. (نستثني من هذه القاعدة بنات الكهنة، لأنهن من أصحاب الحق في أنصبة مما يقدم للهيكل من نزور وأضحية- لاويين 10: 13 -15)

4- الدعارة.

الدعارة الصريحة كمهنة فقد انتشرت في طول البلاد وعرضها… وهو المصير الطبيعي لامرأة سُد باب الرزق أمامها، لا غاية بل اكراه مجتمعي – وكون وجودهن ملحوظا في كل مكان وحول مدينة أورشليم المدينة المقدسة لكثرة الزائرين في مناسبات الحج الموسمية – ثلاث في السنة – بالإضافة للنزر، على مدار العام [10*]— والبديل عن الدعارة الصريحة هو الدعارة المقنعة وهي البقاء لفترة مع رجل حتى يمل منها فتنتقل لرجل أخر، ينفق عليها في مقابل إطعامها.. حتى تنتهي بالتسول في النهاية..

اخيرا

يجب ألا ننسى:

أولا: أن حمورابي سابق لموسى بخمس قرون كما أشار الأب سهيل قاشا، مما يجعل أي محاولة للتبرير قائمة على افتراض أن تطور الأخلاقيات والتمدن هو ما صنع الفارق بين الشريعتين، محاولة فاشلة عقيمة.. ونؤكد أيضا على فكرة أن كلا المجتمعين كان مجتمع أبويا… [ اصحاب مناهج التبرير الذي عموه الفقري الاعتماد على جهل المستمعين يلهون في هذا كثيرا، فوجب التنويه]

ثانيا: حمورابي لم يدعي أنه تسلم الشريعة من إلهه شمش (الشمس)، ولم يصف نفسه بنبي الإله المرسل إلى البشر.. بل قال أنه الملك المعظم الذي أراد تنظيم شئون شعبه وتحقيق العدل لشعبه… ولم يصف نفسه إلا بأنه خليل الألهة أو صديق الإله شمش..

*********************************

[1*].. كتاب أثر الكتابات البابلية في المدونة التوراتية / الأب سهيل قاشا ص22

[2*].. اخترنا قاصدين موقع مسيحي أرثوذكسي وهو موقع تيكلاهيمانوت منعا للقيل والقال: إلقاء الضوء على مملكة وشريعة حمورابي

http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/571.html

[3*].. سعاد البياتي / بحث في حقوق المرأة في شريعة حمورابي، جريدة الصباح 18 مايو 2009 عن موقع نساء سوريا

[4*].. سعاد البياتي / المرجع السابق

[5*].. أثر الكتابات البابلبة في المدونة التوراتية ص39 و 40

[6*].. بحث في دورية ميزوبتامية بعنوان: الأحوال الشخصية في شريعة حمورابي / أعداد طارق كمال / تصدر عن مركز دراسات الأمة العراقية..

[7*].. قاموس الكتاب المقدس باب /امرأة الأخ نقلا عن الموقع الأرثوذكسي تيكلاهيمانت

http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/01_A/sister-in-law.html

[8*].. أثر الكتابات البابلية ص58

[9*].. سعاد البياتي / المرجع السابق

[10*].. will durant ; notre héritage orientale II / édition rencontre 1962 Page 60

الصورة، للنصب التذكاري الذي حفر عليه قوانين حامورابي البالغ عددها 282 قانون – على حجر من البازلت الاسود طوله 2.25 متر، وعرضه 55 سم…. ومعروض حاليا في اللوفر بفرنسا، مع وجود نسخ اخرة في متاحف متفرقة من العالم. وهو مكتوب باللغة الاكادية محفورة على الحجر. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس, Philosophy & Religions فلسفة واديان, ارنست وليم and tagged , , . Bookmark the permalink.