نجيب محفوظ… من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

الفصل الخامس

  عبدالله خليفة  

البناء الفلسفي في أولاد حارتنا

  رواية (أولاد حارتنا) هي رواية ذات إشكاليات كبيرة، لكونها تتحدث عن قصص الأديان السماوية في المنطقة، وهي قد جاءت ككتابة في مرحلة الرواية الاجتماعية فعكست مستواها الفكري، وما فيه من تناقضات استطاع الكاتب تجاوزها في أعمال أخرى تالية تناولت الإرثَ الروحي العظيم في المنطقة بدون التجسيد المباشر للانبياء.

 1  ــ

      يقدم لنا راوي رواية (أولاد حارتنا) افتتاحية يبررُ فيها الكتاب، فهو مسجلٌ لروايات الرواة، المتداولة في القهوة بهذه الحارة.

فهنا جسمٌ اجتماعي معاصرٌ صغيرٌ ملموس هو الحارة والقهوة والبيتُ الكبيرُ والساكن الذي فيه (الجبلاوي) والأوقاف المترتبة على تاريخ البيت.

(كلما ضاق أحدٌ بحالهِ، أو ناء بظلمٍ أو سؤ معاملة، أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة: هذا بيتُ جدنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوعُ ونضام ؟!)،(1).

نلاحظ هنا إن (الكلية) الوطنية غدت ذات جذور ماضوية، فكلمات مثل (الجميع)، ونحن، هي كلها تستكملُ التعبيرَ عن الضمير الوطني، وإن تجلى ذلك في تاريخ المنطقة العام، ومن هنا فهو يقولُ لاحقاً: (وحارتنا أصل مصر أم الدنيا، عاش فيها وحده وهي خلاء خرب) فتغدو الأنا الوطنية أصلاً للبشرية والوجود كذلك.

إن الراوي منذ البداية يخلقُ هذه الأزدواجية، بين البناء الاجتماعي المعاصر حيث البيت الذي تشكلَّ في الخلاء، وبين المنظومات الدينية السائدة في المنطقة.

إن البناءَ الاجتماعي المعاصر من قهوةٍ وحارةٍ وفتوات وأشياء هو علاقاتٌ اجتماعية موضوعية تعودُ إلى حقبة القرون الوسطى، حيث بعدُ لم تتفككْ بتحولات عصرية، فهي بناءٌ عبودي – إقطاعي لم يتحدثْ، وهذا البناءُ يفرضُ أشياءه ومواده الخاصة به. فهو الديكورُ الذي ستمثلُ فيه سيرَ أديانِ المنطقة وقد عُبِّر عنها بطريقة الحكواتي.

في حين أن المقصودَ بالروي ليس هذا البناء الاجتماعي العائد لحقبةٍ معينة، بل الوعي الديني الذي تشكل في هذا المنطقة خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة.

ولكن هذا الوعي الديني لا يُعرض كمقولاتٍ وآراء بل يُعرض كقصصٍ أو حكايات وهي حكايات داخل بناء مصري اجتماعي يعودُ للقرنين الماضيين.

وبهذا فإن الرواي راح يجسدُ المفاهيمَ الدينية الكبرى بأشياءٍ وعلاقات تعودُ لزمن آخر ومكان آخر، فمفهوم الإله الواحد جسده بـ(الجبلاوي)، والسماء التي تحكمُ الأرضَ جسدها بـ(الخلاء).

فالبيتُ الكبيرُ الذي يرمزُ كذلك للسماء، (على رأس الحارة، من ناصيتها المتصلة بالصحراء)، هو تلك السماء الدينية المسيطرة على الأرض الشرقية، المهيمنة على ناصيتها، والتي عبرها تتشكلُ الحقبُ والصراعات وتوزع الثرواتُ وهي التي تشكلت عموماً في الصحراء ففاضت على وادي مصر!

فيقوم الراوي – المؤلفُ بالتركيز في المبنى الفكري الديني بجعلهِ متشيئاً في ركائز صغيرةٍ محددةٍ هي: الجبلاوي، والبيت الكبير، والحديقة – الجنة، والمجلد الكبير – اللوح المحفوظ الخ..

وهو يجسدُ هذه الركائزَ من الإرث وتصويره، لكنه لا يسميها باسمائها الحقيقية المقدسة بل باسماء يخترعها ويحيلها إلى قصصٍ تبدو كأنها لا تمتُ إلى ذلك الأصل، لكنه يقصد أن يعنيها أيضاً عبر ذلك الديكور المحلي الذي اخترعهُ لها والتي أعطته أياه الحاراتُ المصرية في القرن التاسع عشر خاصة!

ومفهومُ الإله الواحد المجسد والمركز هنا هو خلاصة رأي المؤلف في فهم أديان المنطقة وتطورها، فهو إذ يجسد الجبلاوي كشخصيةٍ معبرةٍ عن مفهوم الإله الواحد، لا يهتم باختلافات ومفاهيم الأديان المتعددة، بل هو يستخلصُ ما هو جوهري داخل وعيه الديني، فيتناولُ الخطوطَ العريضةَ في هذه الأديان، وعلاقتها بالأرض، والمعاني الأساسية لظهورها وعلاقاتها بالسكان، لكن ليس في تاريخها الحقيقي بل في تاريخ القرن التاسع عشر المصري وقد صارت تلك الأديان (حكايات) وأمثولات وليست تاريخاً حقيقياً وليست تجسيدات حقيقية بل إشارات وعظات الخ..

وهو يحيلُ بعدئذٍ الأنبياءَ إلى (أولاد حارتنا) باعتبارهم قادة التحول في المنطقة، فيضفي عليهم هذا الدور ويصفهم بـ(الأمجاد)، أما مفهوم الإله الواحد فيشخصنه بـ(الجبلاوي).

وهذه الشخصنة للإله هي التي تحير العقول:

(عمّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور حتى ضرب المثل بطول عمره. وأعتزل في بيتهِ لكبرهِ منذ عهد بعيد.. وقصة اعتزاله وكبره مما يحير العقول، ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها)، (2).

فشخصنة فكرة الإله تقودهُ إلى سلسلة من المتناقضات، إنه يحيلُ الشخص هنا إلى فكرة الإله الواحد، فيضفي إشكاليات أخرى فكرية واجتماعية على هذا المفهوم.

إن التناقض بين فكرة الإله وشخصنتها تضعُ الراوي – المؤلف في تناقضات بلا حل.

(هو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والاحكار المحيطة بها في الخلاء).

إنه يحول فكرة الإله الواحد إلى شخصٍ يتسمُ بالضخامة والصلابة فهو يستخدمُ مصطلح الجبلاوي القادمة من جبل، مما يحيلهُ إلى مفاهيم الإلوهية القديمة، إي مفاهيم إله التجسد والمكان والمحسوس وبهذا يعودُ إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة. وحين يتحول مفهومُ الإلهِ إلى المادةِ يعاني المفهومُ من إشكالاتها التحولية ومن حيزها الخ..

لقد عاد إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة القديمة، فحولها إلى تجسيدات تماثل التشيؤ القديم وفهم المذاهب (الحشوية) في الفكر الإسلامي التي تضعُ الإلهَ في حيز وبإعتباره جزءً من المادة، ففكرة الإله تغدو شخصاً، والركائز الغيبية من عرش وكتاب محفوظ وجنة ونار تتحول إلى بيت الخلاء والحديقة والكتاب في الغرفة والنزول من السماوات يصيرُ طرداً من البيت الكبير الخ..

وهكذا بدلاً من أن يجردَّ ويكشف سببيات الأديان بمفاهيم راح يجسدها ويصورها كما كانت بالوعي الديني ما قبل الفلسفي وبلغة تمويهية، تحيلُ تاريخَ الأديان الغني إلى حركات في حارة تعودُ لزمنٍ مختلف. فيدخلُ قاموسَ الحارة المصرية بتواريخ الأديان المغاير، لكنه يحاولُ أن يطابقَ بين الأثنين، بين تاريخ الأديان ومسرح الحارة المصرية التاريخي الحديث.

وبطبيعة الحال هناك مشابهات وتداخلات، فجسمُ التطور الاجتماعي التقليدي كما كان يحتضرُ في القرن التاسع عشر، كانت به بعض السمات والمظاهر المشابهة للقديم، فأستل من هذه السمات جسوراً لربطها بتاريخ الأديان.

 لكن تجسيده لفكرة الإله عبر شخصنته كـ(فتوة) يتضاد مع اتساعها وتاريخها الغني ومع تطور الحركة الفكرية الحديثة التحويلية، وهذا أيضاً ما يُطرح كذلك على شخوص أبطال الحارة هذه وهم رموز الأنبياء العظام.

 2  ــ

      يبدو إن مصادر نجيب محفوظ في التأريخ الفني للأديان تعتمدُ بشكلٍ كبير على العهدين القديم والجديد، فالتوراة حين تجسدُ تاريخَ الدين اليهودي تربطه بفهمها للإله كشخصٍ مجسد، وعالمُ الغيب تحليهُ إلى ما يشبه الحديقة السرمدية الكاملة بالجمال والسعادة، وتــُظهر خلق الإنسان كعملية صنع فخاري، وتــُحيل مفهوم الشيطان كذلك إلى كائنٍ ناري، يتمردُ على الإله الخ..

ولهذا حين يظهرُ الجبلاوي في أولِ مشهدٍ من جزءِ أدهم، يظهرُ بنفسِ التشكيل التوراتي القصصي التجسيدي لمفهوم الإله، فهو شخص داخل حيز:

(ضجت الحديقة بالحياة والغناء على حين ساد الصمت بالبهو. وخيل إلى الأخوة إن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطولهِ وعرضهِ خلقاً فوق الآدميين كأنما من كوكبٍ هبط)،(3).

إن التماثلات بين الجنة التوراتية كحديقةٍ غناء، يحافظُ عليها الساردُ وينقلُ حيثياتها، لكنه ينتقلُ فجأة إلى تعبير(فتوة الخلاء)، فيأخذُ من قاموس الحارة المصرية مفهوم الفتوة كترميزٍ للسلطة الكونية، ويضيفُ إليه تعبيرَ (الخلاء)، وهو تعبيرٌ يراوحُ بين الكونِ والبرية، فالخلاءُ يصلحُ أن يكونَ تعبيراً عن الفضاء، وعن الصحراء معاً، لكن تعبير الفتوة لم يُستخدم إلا لكي يتماشى مع كون الحارة المصرية هي المسرح الذي يجري عليه التمثيل الرمزي لتطور الأديان. وليس للتحقير والتقليل.

ويدعوه التجسيد الذي انساقَ إليه أن يُضخِّم من هذه السلطة الكونية وقد تمظهرتْ كائناً بشرياً:

(وما يقلقهم إلا أنه جبار في البيت كما هو جبارٌ في الخلاء وإنهم حياله لا شيء)،  (4).

هكذا يبدأ التناوسُ والتراوحُ والتداخل بين المصدر التوراتي والمصدر الشعبي المصري، فالإلهُ في التوراة يقول للملائكة بأنه سوف يخلقُ كائناً خاصاً، لكن الرواية المصرية تجعلُ الجبلاوي يتحدثُ عن (الوقف).

(أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف)، (5).

والوقف هو تعبيرٌ وعلاقة اجتماعية إسلامية، أي أمر يعودُ إلى التاريخ المصري الإسلامي، فتم إدخالهُ في التاريخ الديني القديم كتعبيرٍ عن الأملاك العامة، وعن مصير الأرض والبشرية عموماً، وهو موتيفٌ قصدَ منه الراوي أن يتجنبَ مسألة الخلق الإلهي لآدم، فقفز إلى قضيةٍ اجتماعية ستكونُ هي القضية المركزية للرواية ككل، وهي مسألة المصالح العامة للجمهور، فأخرجَ الصراعَ من الغيبي إلى الصراع الاجتماعي، كفعله في الرواية عموماً.

ولهذا قفز إلى الصراع بين أدهم وأدريس، بين آدم وأبليس، حين جعل الجبلاوي يقررُ أن أدهم هو من سيقومُ بإدارة الوقف، وبهذا فقد أعطى الإنسان مسألة إدارة مصيره حسب الرواية المحفوظية، وليس الشيطان أدريس الذي سيغدو تجسيداً للشر داخل التاريخ البشري.

وهنا تغدو الأنسنة مغايرة للتاريخ الديني التقليدي، فأدريس الذي يغدو بشرياً متصَّوراً يغدو جزءً من التاريخ البشري وليس من التاريخ الغيبي، فهو يسكرُ ويتشاجرُ بذاته، مع قيامهِ بمهمات أبليس الأخرى مثل التفريق بين الناس وزرع الشر والشكوك وجر أدهم إلى طريق الغواية والضلال. لكن الراوي يتخلصُ منه لأن غيبيته ستكونُ مثقلة على مسار الرواية الاجتماعي، فيموت خالقاً سلالة بشرية شريرة، فكأن الشر يظهر من جهة أخرى ذا أصل غيبي كالخير، ولكن الشر يظهر بصورة نادرة كجانب غيبي، ففي صفحة 403 فقط يتذكر الراوي الأصل الأدريسي أو الأبليسي للشر: (يا سلالة الخيانة ويا لصوص البشر. منذ أطلق ادريس ضحكته الباردة وانتم تتوارثون الجريمة وتغرقون الحارة في بحر الظلمات).

إن اعتبار الخير أو الشر من مصدر غيبي يتبدى كذلك في هشاشة علاقة الوعي أو العواطف بالبناء الاجتماعي، الذي يتكون بلا قوانين أو سببات مستقلة.

ويخلق محفوظ تضادات بين أدهم وأدريس بتشكيلات بشرية اجتماعية بدلاً من التضادات العنصرية، كعنصري النار والطين، بذكر إن أدهم جاءَ من أم سوداء عادية، بخلاف أم أدريس البيضاء، وهو استغلال موتيفات اجتماعية حديثة بدلاً من موتيفات القدامى ذات المصدر التقني.

ثم تجري الرواية المحفوظية على غرار الرواية التوراتية، فأدهم يعيشُ حراً سعيداً في الجنة، فتظهرُ زوجته المقبلة ويحاولُ الراوي عقدَ صلة بين الرواية التوراتية وبين روايته حول هذه المرأة الزوجة:

(بدا الظل الجديد كأنما يخرجُ من موضع ضلوعه. والتفت فرأى فتاة سمراء..)،(6).

أن بقية (الأخوة) يبقون بغير ذرية في حين أن أدهم هو الخالق للذرية مع أدريس، وذلك لأن الأخوة مصابون بالعقم!

هكذا يقومُ الراوي بمتابعة الرواية التوراتية حرفياً في مواضع عامة مجسداً إياها على ذلك المسرح، ويختلفُ معها حين تتقاطعُ مع روايته، لكنه لا يستطيع الضبط الكامل بين الرواية التوراتية وبين الرواية الترميزية الخاصة التي يخلقها.

فأدهم يقومُ بالعمل حتى وهو في الجنة مسئولاً عن الوقف وهو جانبٌ يعبرُ عن اختلاف كبير بينه وبين الرواية الأصلية، فآدم فيها لم يكن يعملُ  فجاء العملُ بعد نفيه من الجنة، فهو ضريبة لعنة، جاءت بعد الأكل من الشجرة المحرمة، في حين أن العملَ في رواية محفوظ كان قبل وبعد الطرد، لأن البيت الكبير الذي زعم إنه يمثل السماء، لم يستطع أن يكون كذلك، فهو ذو علاقة بالأرض لأنه جزءٌ من الأرض وجزءٌ من العمل، فراح المؤلفُ يقطعُ علاقته الضرورية والحتمية بما حوله وبجذوره، لكي يلائم ذلك الرمز.

من هنا يغدو الخروج من البيت الكبير غير السقوط من الجنة حسب الرواية التوارتية، فالخروج من البيت الكبير هو خروج من عمل سهل وإداري إلى عمل يدوي، ومن منزل مرفه إلى الخلاء، فلا يغدو كالسقوط المصَّور دينياً.

كذلك فإن خروجَ أدهم ليس كسقوط آدم، حيث يخرج أدهم والوجود البشري كثيف حوله، فلا يغدو هو أبو البشر، كما أن الأرض المسكونة العامرة تجعلُ من وجوده المقطوع بلا دلالات المعاناة الابتدائية المصَّورة عبر التوراة. فكان بإمكانهِ أن يستعينَ بما هو موجودٌ من منازل وأشياء وسلعٍ، في حين كانت الأرضُ مجردة خالية أمام آدم. فلا تغدو معاناة أدهم التي يصورها محفوظ بعد ذلك مُبرَّرة فنياً، فهنا تعجزُ الرواية المحفوظية عن مجاراة الأصل، لكونها قامت بنسخٍ فوتغرافي للأصل، قاطعة بعض الجوانب، واضعة إياها على خلفية ليست من صلبها. 

فأميمة تستخدمُ الداية أثناء الولادة، وأدهم يستخدم عربة لكي يعمل، ويتعامل مع سوق جاهزة عامرة بالسلع، وهو أمرٌ يعبر عن تاريخ بشري طويل ومثقل بالانجازات الحضارية، لكن الرواية الأصلية ترفضُ وجودَ إنجازات سابقة، وتجعل أدم وحواء يواجهان الطبيعة البكر، فليس ثمة حديد ولا عربات ولا أسواق، ومن هنا تغدو معاناتهما مبرَّرة، أما معاناة بطلي محفوظ فغير مبررة. 

إن نقل محفوظ الحكاية من عصر إلى عصر، هو نقلٌ لا تاريخي، أي هو أدلجة فنية.

هذا ما يجري لقصة قدري وهمام (قابيل وهابيل) فهما يظهران بسرعةٍ بعد الخروج من البيت الكبير، ويظهران بتكوينين متضادين، دون وجود أي جذور لهما، سوى نفسيات متبلورة على الخير أو الشر، مع أدهم أو مع أبليس، وهذا تكوين غير جدلي سيكون من أساسيات منهجه.

لكنه باختزاله وسرده الممتع يدخل جوانب حسية مشهدية وحوارات درامية مصعدة للأحداث.

وكما قلنا فعدم تبلور وغنى قابيل وهابيل المحفوظيين، تعود إلى كونهما تخطيطات مجردة كصدى للأصل، في حين كانت شخصيتا قابيل وهابيل تعبران عن الصراع العميق والواسع بين الرعاة والمزارعين، فليسا هما مجرد شخصين.

 3 ــ

     إن نجيب محفوظ في تصويره للشخصيات والأحداث التاريخية يعتمد على ما يراه في الحارة المصرية، فيضفي هذا التصوير الذي يعيشه أجواءَ حية على القصة الدينية لكنه يسلبها أجواءها القديمة الحقيقية.

(وكان طابع حارتنا – كحالها اليوم – الزحام والضجيج. الأطفالُ الحفاة أشباه العرايا يلعبون في كل ركن، ويملأون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم. وتكتظ مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل..)،(6).

إن هذه الحيوية المستمدة من المشاهد اليومية للحارة، تعقبها عملياتُ تغلغلٍ في الحدث – البؤرة، وإضفاء لغة سردية دقيقة وسريعة وجميلة داخل هذه التغلغلات في الحدث – البؤرة، مع جعل المشهديات محسوسة بربطها بالزمان والمكان.

(ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون بالنوايا الدموية فهتف زقلط…)،(7).

وإذا كان لم يوجدْ جسمٌ للحارة في زمن أدهم فإن هذا الجسمَ تواجد الآن مع القسم  المعنون بـ(جبل)، وهكذا فقد كانت البشرية موجودة في خلفية مسرح أدهم، رغم أن أسرة أدهم هي البشرية الحقيقية حسب الرواية، والآن تصبح الحارة هي الممثلة للمنطقة العربية فعلاً وتغدو الحارة كذلك هي نسل أدهم وهو أمر متضاد.

وهذه العملية التخطيطية الترميزية تتوالى الآن بخطوط مقاربة للأصل التوراتي، وهو ما يمثل من جهة أخرى تضاداً مع تاريخ الحارة المصرية الموغلة في القدم والتي هي أعطت اليهودَ تاريخـَهم الديني بشكل أولي واساسي.

فقد صار (اليهود) هم أول من بدأ التاريخ الديني حسب رواية (أولاد حارتنا)، (8) ويتم ذلك في المسرح الديكوري للحارة، وقد صارت فيها قهوات وأحياء، معبرة عن شعوب وقبائل بشكل اختزالي وامض. فحي (آل حمدان) يرمز لليهود العائشين في مصر، ولكنهم يظهرون بشكلٍ مطلق، وكتاريخ للوعي المشخصن في الزعيم والنبي موسى الذي يظهر باسم (جبل). ولعل الاسم ناتج من علاقة النبي موسى بالجبل السيناوي الذي دار حوله سفر الخروج.

إن البشرية أصبح لها تاريخ سابق، والحارة هي هذا التاريخ وهي كذلك تاريخ المنطقة العربية عامة والمصرية خاصة، ولكن الطابع الاختزالي يحيلُ التاريخَ إلى وقف وفتوات وعامة وتقلب للزمن والأحوال.

فكيف ظهرت الانقسامات الاجتماعية وغدا هناك صراع؟

(ولما اغلق الأب بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حيناً، ثم لعب الطمع بقلبه فنزع إلى الأستئثار بالريع. بدأ بالمغالطة في الحساب والتقتير في الأرزاق ثم قبض يده قبضاً مطمئناً إلى حماية فتوة الحارة الذي اشتراه)،(9).

عبر تعبير (الوقف) يغيبُ الإنتاجُ، فالوقفُ رمزٌ للأملاك الموقوفة لعمل الخير، لكنه لا يظهر مصدره وتاريخه، بل يبدو كثروةٍ مقطوعةٍ عن جذورها، وكشيء مُعطى مسبقاً. من هنا فهذا التعبير المتجوهر خارج عن صراعات التشكيلات الاقتصادية، وبالتالي لا تظهرُ قوى اجتماعية متصارعة حسب تطور الإنتاج، لكن يظهر التاريخُ كصراعٍ بين الكل الاجتماعي وبين (الناظر) و(الفتوات) وهم أجسام اجتماعية هشة وبلا جذور.

يغدو الناظر والفتوات الجسم الاجتماعي الأعلى، المستغل للوقف، وتظهر عملية النزاع حين تتغير رغبات الناظر، وهذا أمرٌ سنجدهُ يتكررُ ليس مع جبل بل مع رفاعة الذي يرمز لزمن المسيح عليه السلام، وقاسم الذي يرمز للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالاسماءُ تتغير ويتبدل النظارُ ولكن علاقة استغلال الوقف هي الباقية، ويتبدل الفتوات ولكن الفتونة تبقى مستمرة، ومقطوعة حين يثور أهلُ الحي المظلوم، فيحصلون على شيءٍ من الوقف، لينهض بعد ذلك حيٌ آخر لم يعط شيئاً من الوقف.

وهذا يتفق مع شيءٍ موضوعي من تاريخ المشرق هو سيطرةُ الدولِ على الثروة، فتقطعُ سيطرتــَها الثورةُ، لكن الثورة تأتي بدولٍ أخرى توزعُ الأموالَ العامة بشكلٍ جيد حيناً ثم تظهرُ طبقة تسيطر على الدول أداة الإنتاج الرئيسية وتوزعها عليها.

لكن الحكي في الرواية يحيلُ الطبقة المسيطرة إلى مجموعة أفراد فوقية بدون جذور، ولهذا فهي سرعان ما يــُـقضى عليها، لأنها أقرب أن تكونَ إدارةً بلا انغراس في الحارة.

ولكن هذا التمثلَ للتاريخ هو تمثلٌ اختزالي تجريدي أكثر منه تمثلاً واقعياً موضوعياً، فعلائقُ القبائل اليهودية المهاجرة إلى مصر ثم ذهابها إلى فلسطين وطرد أهلها، عملية أكثر تعقيداً من حركة شخص اسمه جبل وهروبه بسبب قتله لأحد أفراد الفتوة وتعلمه فنون السحر وكيفية إخراج الثعابين ثم عودته إلى الحارة وصراعه مع ناظر الوقف وعصابته وانتصاره بهجوم الأهالي بالطوب والعصي.

إن هذا الاختزال يضفرهُ محفوظ بلوحات شيقة وتحولات درامية في الشخوص محاولاً التقارب مع الأصل، لكن القبائل اليهودية لم تكن ذات جذر في الحارة المصرية، وبقاؤها في الحارة نفسها، يشيرُ إلى أن الحارة لم تعد هي مصر كما قال لنا الراوي في البداية، بل هي ترميزٌ لتطور الوعي الديني.

إن هذه الاختزالات والتناقضات تشير إلى فقر المنهج الفني التجريدي الاختزالي في كشف الحالة الواقعية المركبة، ومن هنا كذلك حين يتحول المسيح عليه السلام إلى حاوٍ آخر يخرج العفاريت من الأجساد، بهدف ملء الأرواح بالقيم الإيجابية، فتصبح المسألة شبه كاريكاتيرية.

إن مستوى قراءة محفوظ للأديان في تلك الفترة الخمسينية أو الستينية تنعكسُ على كيفية نظرهِ إلى الأنبياء، فنجد إن رفاعة تنعكس عليه رؤية إسلامية – كاثولكية فهو بلا ولادة عجائبية بل نتاج طبيعي لأبيه النجار وله سيرة إنسانية طبيعية بلا خوارق، لكنه من جهة أخرى بعيد عن الممارسة الجنسية الطبيعية، فيظهر بشكل زهدي منقطع كلياً عن الطبيعة.

وحتى معجزاته تتحول إلى عمل اجتماعي معرفي فهو يقوم بإخراج العفاريت من الأرواح، لكن باعتبار العفاريت قوى عصبية مرضية وعادات اجتماعية متكلسة، فهنا يضفي محفوظ على رفاعة وكل الأنبياء في الحقيقة طابعاً فكرياً اجتماعياً موضوعياً، فهم بالحقيقة بدون خوارق، وحتى الجانب الخارق الرمزي المتمثل بالعلاقة بالبيت الكبير الرامز للسماء، يغدو اجتماعياً، لكون البيت جزء من الأرض كما يبدو من مسار الرواية والأحداث، فلم يستطع أن يخلق منه قيمة غيبية ماورائية، ولهذا حين يأتي عرفة بعد ذلك ممثلاً للعلم الذي يكتسحُ هذا البناء الغيبي المفترض، يغدو ذلك متناقضاً، لأن البناء الذي صوره محفوظ كان بناءاً غير غيبي، فمالداعي للثورة عليه من قبل عرفة – العلم؟

هنا نجد أنفسنا أمام البناء الاجتماعي المصَّور بشكل اجتماعي عادي بدون خوارق، فهي أحياء تطالب بالوقف المستولى عليه من قبل الناظر والفتوات، وتغدو الرواية فصولاً لشخصيات متعددة تطالب وتحقق هذه العملية، بصور إنسانية اجتماعية واضحة وغير غيبية، إلا من علاقات وامضة بالجبلاوي، فتغدو الرواية تقارير عن الاجتماعي السطحي والمحدود، وليس غوصاً في هذه البنى الدينية المعقدة والمركبة، فهي أرشيف حكائي مُبسّط للدوران حول الاجتماعي ذاك.

كما أن الاجتماعي السطحي هذا مكرر بشكل مستمر، فالشخصيات المحورية تتكرر عملياتها السياسية التحولية، مع تباين أدوات بسيطة، فجبل يعتمد على القوة ورفاعة يعتمد على الحب، وقاسم يعتمد على القوة، وداخل أجسام هذه القصص هناك لمسات شخصية متنوعة مستقاة من تاريخ الأنبياء، وهذه اللمسات جوهرية غالباً من حياتهم الشخصية الحقيقية.

لكن ضخامة هذه المادة وتكرارها وتوجهها نحو الاجتماعي المحدود والمغامرات العسكرية حيث معارك الفتوات، لم يجعل منها تاريخاً للأديان في المنطقة كما أراد المؤلف، فهي تغيب عن جوهر هذه العمليات الفكرية الكبرى، عن كونها ثورات روحية وفكرية، فتغدو تسطيحاً لها.

والتسطيح يبدو كذلك من جانب تصوير هذه الرموز المقدسة فوق مسرح ذي ديكورات مبتذلة للحارة المصرية، حيث غرز الحشاشين والأغاني والنكات الخ.. وهذه جوانب كلها غيبت الطابع الفكري العميق للرواية، وحولتها إلى ما يشبه الفيلم الميلودرامي المطول.

إن المؤلف يشير إلى تباين مستويات التطور بكلمات مبسطة كأن يصف العرب بما أطلق عليهم بأنهم حي (الجرابيع) وهو اصطلاح لتحديد البداوة، لكن هذا الاصطلاح لم يستطع أن ينفذ إلى الدين ويكشف دوره فيه.

وهكذا فإن هذه التبسيطية الروائية التجريدية سوف تعطينا لوحة كاريكاتيرية عن الأديان وليس الأديان نفسها.

 4  ــ

       يمثل عرفة حسب تلك التخطيطية الروائية مسألة العلم والمعرفة، وهو يأتي إلى الحارة متجهاً إلى حي رفاعة، الذي يعبر حسب رموز الرواية عن العالم المسيحي الغربي، رغم إنه في المشرق العربي!

(فاشارت المرأة إلى ربع في حي رفاعة وقالت- هناك بدروم، خلا مذ ماتت ساكنته حرقاً يرحمها الله!)، (10).

إن سكن عرفة في الحي المسيحي المرمز يدل على أن الراوي يدرك كون الثورة العلمية والصناعية تمت في أوربا، ثم يجسدُ عرفة وأخاه حنش بشكل تخطيطي كالسابق، فهو له علاقة بالتجريب والاكتشاف الصناعي ويسميه السحر، وبدأ يمارسُ أعماله هذه المركزة على صنعِ قنابل زجاجية، فتغدو بمثابةَ نفيٍّ للعصي التي يستخدمها الفتوات، فيتركز التحديث والانقلاب الصناعي في مسألة القوة العسكرية، وهكذا فإن العملية الاختزالية تتواصل في رمزية عرفة.

وهو يساير خطوات الأنبياء برفض الفقر وتحكم الناظر والفتوات ويريد الازدهار والغنى للناس، لكنه انتهازيٌ وتقنيٌ منسلخٌ عن الإرث الديني، فهو يقول عن أهالي الحارة الجبلاوية:

(كل واحد يفاخر برجله بغباء وعمى، يفاخرون برجال لم يبق منهم إلا أسماؤهم، ولا يحاولون قط أن يجاوزوا الفخر الكاذب بخطوة واحدة! أولاد كلب جبناء.)، (11).

إن وعي عرفة ولغته التعبيرية توضح إن هذا العلم التقني ليس هو طريقة وعي علمي، فتغدو الأديان كما صورها الراوي – المؤلف، تخطيطات اجتماعية غير ذات جذور عميقة في الوعي والسلوك والاقتصاد، فهي ليست بنية لديه، وهكذا عبر عدة زجاجات حارقة تستبدلُ النبوتَ، ويمكن إقامة تحول وأزدهار، وهي لغة تتماشى مع وعي سلامة موسى بإمكانية إزالة الأديان عبر العلم والتقنية.

بطبيعة هذا الوعي الفني لا يمكن تشكيل بنية معمقة، فـتــُستعاد البنية السابقة بطرقها الترميزية التجريدية وذلك بتشكيل المرأة كرمز للأرض، فعرفة يحب عواطف التي يقتلُ أحدُ الفتوات أباها، وهي تقبلُ بالزواج من عرفة ثم تعارضه حين يكون مجرد أداة في آلة الناظر الاستغلالي، وحين يخونها ويخون مثله.

كما تــُستعاد أيضاً صراعات الفتوات كرمز لصراع الأديان، وترتفع ممارسة عرفة التقنية بحيث يتمكن من صنع زجاجات كثيرة مدمرة، ولكن هذه التقنية تقع تحكم الناظر الذي يرمز هنا لتحكم الدول الغربية في العلم وتوظيفه لاستغلالها وهيمنتها، فتحول من رمز للإقطاع للرأسمالية!

ويتم انتقال عرفة للعيش قرب منزل الناظر، وتتم إبادة الفتوات ويتم أسر العلم، ويعيش عرفة التناقض بين انتمائه للناس وبين السيطرة عليه من قبل الناظر، فيخون الأخير ويعود للجمهور لكنه يــُـقتل ويذوبُ حنش أخوه في هذا الجمهور وعداً وأملاً بأن العلم سوف يتجاوز الأديان ويعود منتصراً ملغياً التخلف والظلم.

(المهم إن الناس عرفوا الرجل، وما كان ينشدهُ من وراء سحره للحارة من حياة عجيبة كالأحلام الساحرة. ووقعت الحقيقة من انفسهم موقع العجب فاكبروا ذكراه ورفعوا اسمه حتى فوق جبل ورفاعة وقاسم)، (12).

بطبيعة الحال إن هذا الرفع لم يتم بل أن الأديان استعادت نفوذها بشكل أكبر في المشرق خاصة، وهذا الحلم التفاؤلي مرتبط بالنزعة العلمية التقنية التي كانت مدرسة سلامة موسى ولويس عوض تعتقد بانتصارها الوشيك، لكن محفوظ حاول أن يخلق وحدة بين الأديان والمدرسة العلمية التقنية تلك، والتي كانت ضعيفة في دراسة الــُبنى الاجتاعية العربية الإسلامية.

لقد تجاوز محفوظ تلك المدرسة بمحاولةِ تغلغلهِ في الإرثِ الديني وإقامة صلة معه، لكن من خلال منهج عدم التغلغل في جذور الأديان، ومن خلال رؤية تضاد شبه مطلق بين الأديان والعلم، وليس بإقامة صلة بين الوعي الديني الديمقراطي والوعي العلمي الديمقراطي، فهما وجهان لعملة واحدة، بشكلٍ تاريخي نسبي.

أما الوعي الديني الدكتاتوري والوعي العلمي الدكتاتوري فكل منهما يمثل إجتثاثاً للآخر بدون إمكانية لتحقيق الاجتثاث، لكن في بداية النهضة العربية الحديثة كان الوعي النخبوي العلموي يعيشُ على تلك التناقضات المطلقة بدون وعي جدلي يتعمقُ البنى والتداخلات بينها.

ولهذا فرواية (أولاد حارتنا) تمثل هذه العلموية التي تشربت روحاً ديمقراطية شعبية، فكشفت طبيعة الأديان كثورات، بعملية تحليلية فنية اختزالية، كما قرأت ثورة العلوم بذات الطريقة، وكان إنتاج هذه الرؤية داخل مبنى الرواية يمثل إشكالية بتجسيد الرموز المقدسة في مثل هذا الأطار، لكن كانت تلك خطوة على طريق نجيب محفوظ الطويل في تحليل الواقع فنياً وعبر التجريب والبحث المشروعين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش الفصل  الخامس

(1): رواية أولاد حارتنا، دار الآداب، ط 9، ص 5.

( 2)المصدر السابق، 5.

( 3) المصدر السابق ص 11.

( 4): المصدر السابق، ص 11.

(5): المصدر السابق ص 12.

(6):  المصدر السابق،  ص 115.

( 7) المصدر السابق، ص 144.

(8 ): (هذا التأريخ التوراتي عن الألوهية سوف يستبدله محفوظ بعرض آخر في رواية (العائش في الحقيقة) التي سوف تصدر بعد عقدين من السنوات.

(9) أولا حارتنا، ص 116 – 117.

(10): المصدر السابق، ص 451.

(11): المصدر السابق، ص 457.

(12): المصدر السابق، ص 552.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, عبدالله خليفة and tagged , , . Bookmark the permalink.