مبادرة غير مدروسة

 د.رياض حسن محرم 

نحن فى ظرف سياسى لا يقبل المزايدات، ولا التقليل من أى جهد يحاول تلمس طريق الخلاص من تلك الأوضاع، ولكن بشرظ أن تكون تلك الأفكار مدروسة بعناية وخلاصة لجهد مشترك وليست مجرد مجهود فردى أو أوهام طارئة، فى نظرى أن هذا النوع الأخير هو حصيلة بيان السفير معصوم مرزوق.

الرجل كان عضوا قياديا فى تيار أو حزب الكرامة اليسارى “الذى أسسه المناضل الناصرى حمدين صباحى” وذلك قبل أن يعلن إنسحابه منه “أو تجميد نشاطه”، وفى ذلك يقول ( إن قرارى بتجميد نشاطى الحزبي والسياسى كان رسالة لإبداء الاعتراض على الأوضاع الحالية، مشيراً إلى أنه كان لديه رغبة فى استكمال الطريق إلا أن أعضاء التيار الشعبى أعلنوا رفضهم بالإجماع لهذا القرار)، ويبدو من بيانه هذا أنه مزايدة منه على الحزب مع كلمات تسرد تاريخه الوطنى فى حرب 73 أو فى وزارة الخارجية على السواء ( مقدمه إليكم ، مواطن مصري متواضع ، أتاح له الله أن يقاتل ذات يوم دفاعاً عن شرف الأرض المصرية عام 1973 ضمن قوات الصاعقة ، وحصل علي نوط الشجاعة من الطبقة الأولي، ثم نال شرف خدمة الوطن بعد أن نجح في إختبارات وزارة الخارجية كدبلوماسي، حيث دافع بشراسة مرة أخري عن مصالح الشعب المصري في كل موقع خدم فيه ، وحول موائد المفاوضات في مختلف بقاع الأرض)، (اعتمدت علي الله ، وقررت أن أتقدم لكم بخلاصة خبرتي العسكرية والسياسية والدبلوماسية لمدة تجاوزت الأربعين عاماً)، وفيما يبدو فقد تمت صياغة البيان على عجالة فلم يتضمن أى تحليل للواقع أو طبيعة السلطة الحاكمة ولا يعدو كونه بيان تحريضى زاعق ذو نبرة معارضة متشنجة.

وبالرغم من كون السفير يدعو الى أوسع تحالف ممكن بين القوى الوطنية ( إن نظام دولة الفساد الذي عقد كل أنواع الصفقات مع كل أنواع الشياطين هو الذي يخوفنا من التوافق والمصالحة الشاملة، لأن من مصلحته أن نظل منقسمين يحارب كل منا الآخر.. ويجب أن تكون أذكي وأكثر تسامحًا وأشد تصميمًا على تحقيق التوافق الوطني الشامل من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تتيح حياة أفضل لكل مصري بلا تفرقة او تمييز أو عزل وإقصاء.. اللهم بلغت، اللهم فاشهد”)، ويضع مرزوق خطوات تنفيذية بمراحل محددة لتنفيذ مبادرته حيث يدعو الى إجراء إستفتاء شعبى حول سؤال واحد هو هل تقبل استمرار نظام الحكم الحالي في الحكم”؟، ويحدد الخطوات التالية لهذا الإستفتاء ( إذا وافقت الأغلبية البسيطة ( 50% +1 ) علي استمرار النظام الحالي، يعد ذلك بمثابة إقرار شعبي بصلاحية هذا النظام في الإستمرار، والموافقة علي سياساته المتبعة في كل المجالات، ووجب علي الجميع احترام هذا الخيار)، أما إذا كانت النتيجة بالعكس فإن ذلك يعد بمثابة إعلان دستوري يتوقف بمقتضاه العمل بالدستور الحالي، وتنتهي ولاية الرئيس الحالي ويعتبر مجلس النواب منحلاً، وتعلن الحكومة القائمة إستقالتها، ويتولي أعمال الحكم والتشريع مجلس انتقالي يكون مسئولا عن تسيير الأعمال لمدة ثلاثة أعوام.

لم يغفل الرجل نوع الحكم خلاال تلك المرحلة الإنتقالية الجديدة حيث حدد مجلس إنتقالى للحكم (يتشكل المجلس الانتقالي من ثلاثة عشر عضوا يمثلون بشكل متوازن المحكمة الدستورية العليا، مجلس الدولة، الأحزاب السياسية غير المؤتلفة أو المتعاونة مع نظام الحكم الحالي، ويتخذ مجلس القضاء الأعلي قرار التشكيل بعد أسبوع من ظهور نتيجة الإستفتاء، بناء علي قوائم بأسماء من تلك الجهات، ويختار أعضاء المجلس الإنتقالي رئيساً ونائبين بالإنتخاب، ويتخذ القرارات بالأغلبية البسيطة، ويتولي وضع وتنفيذ إجراءات الفترة الإنتقالية، ولا يجوز لأي عضو فيه أن يشارك كمرشح في أول انتخابات عامة يتم إجراؤها بعد انتهاء المرحلة الانتقالية)، وحدد بدقة تفاصيل الحكم على الشكل التالى (يتولي المجلس الانتقالي الحكم من خلال مجلس وزراء يقوم بتعيينهم، مع إعداد الدولة لإنتخابات رئاسية وبرلمانية تبدأ في الشهر الأخير من العام الثالث لولاية المجلس، ويقوم المجلس بإجراء التعديلات اللازمة في قوانين الإنتخابات والمواد الدستورية ذات الصلة، ويجري إستفتاء علي تلك التعديلات في نهاية العام الثاني من ولاية المجلس).

تفاصيل أخرى كثيرة متعلقة بتنفيذ تلك المبادرة، الى هنا لابأس ويمكن إعتبار تلك البنود أفكارا مقدمه للقوى والأحزاب الوطنية لمناقشتها، ولكنه فجأة ينتقل الى درجة خطيرة متحدثا نيابة عن الجماهير، فى حال رفض النظام الحالى تنفيذ تلك المبادرة، حيث يقرر (ذا اختارت سلطة الحكم عدم الموافقة علي هذا النداء، فعليها أن تتحمل نتائج الانسداد الكامل في الأفق السياسي وما يمكن أن يترتب عليه، وفي هذه الحالة يتم عقد مؤتمر شعبي في ميدان التحرير لدراسة الخطوات التالية، وذلك من بعد صلاة الجمعة يوم 31 أغسطس2018  وحتي الساعة التاسعة مساء نفس اليوم، يحضره كل من يوافق علي ما تضمنه هذه النداء وتنسق له لجنة يتم تشكيلها من أحزاب المعارضة المصرية، وتكون سلطات الأمن مسؤولة عن توفير التأمين والحماية اللازمة للمؤتمر)، معبرا نفسه قائدا ملهما للجماهير الحاشدة التى تأتمر له وتحتشد لتنفيذ فكرة طارئة لم تعرف عنها شيئا ولم تشارك فيها.

أعتقد أن السفير هنا يحاول تنفيذ ما حدث فى 30 يونيو بدون إمتلاك أيا من أدواته، ففى 3 يوليو رأس السيسى إجتماعا حضره صفوة ممثلى الشعب المصرى بمن فيهم شيخ الأزهر وبابا الأقباط والبرادعى وجناح من الإسلام السياسى وغيرهم، بينما عشرات الملايين كانت تحتشد بالشوارع والملايين فى انتظار لما سيعلن عنه من خارطة للطريق، ورغم كل ذلك دفع الشعب المصرى ومازال يدفع ثمنا باهظا لتحقيق إرادته.

البعض فى جبهة المعارضة للأسف لايتخيل لمعارضة النظام الاّ شكلا واحدا يعتمد على الجماهير المحتشدة بالالآف فى الشوارع وا لإشتباك بقوات الأمن، ولم يجربوا البناء التنظيمى لأحزابهم، والإجتهاد فى وضع الخطط التكتيكية والإستراتيجية، وبناء الكادر الحزبى بعيدا عن العنتريات والمبادرات التى تعتمد على المجهول وتنحو جميعها للبدإ من جديد بمجلس إنتقالى وحل جميع ماتم إنجازه بعد 11 فبراير بما فى ذلك الدستور، فى إنتظار أن تصيب مرّة ويحدث المأمول، عموما فلا جدال أنها محاولة مشكورة للسفير معصوم مرزوق فى هذا الزمن الجدب علينا أن نحترمها، بدلا من تلك الهجمة الشرسة على الرجل وإتهامه بالتنسيق المسبق مع الإخوان والعمالة لقوى أجنبية والتحريض على إعتقاله أسوة بآخرين.

وفى إنتظار لما هو قادم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.