السُنة التاريخية والسُنة الطبيعية

آية الله الشيخ إياد الركابي  

 لم يحدد لنا المعجم اللغوي معنى السُنة على نحو دقيق، ولكنه أطلق لنا معناً يمكننا توظيفه بين ما هو لساني وبين ماهو إصطلاحي، وأقرب التعاريف التي وجدناها هو القول بأنها – [ طريق ] -، أي السُنة هي طريق وهي في هذه الحالة لا تكون فاعلاً، ولفظ – طريق – حين يكون مُنكراً يكون عاماً، ولكن يمكن الإستفادة من معناه لمن يشتغل فيه أو عليه في الإجتماعي كما في الطبيعي، والسُنة التاريخية متعلقة موضوعاً بفعل الفاعل الذي أنتجها، ولهذا يكون الحكم عليها وفقاً لذلك، و هي دائماً من صنع الإنسان سواء ( في الخير أو في الشر )، والفاعل بحسب موضوعها المتقدم و كما نرى هو – العدل أو الظلم -، ولكن في السُنة الطبيعية فالذي يتحكم فيها قوانينها الخاصة، ويكون الفاعل في صنعها هو قانونها الخاص بها [ هي الطبيعة نفسها ]، وقانون الطبيعة هو عينه القانون السببي [ العلة والمعلول ] الموضوعي.

ولهذا فالتمييز بين ماهو تاريخي وبين ماهو طبيعي يكون من خلال القانون المنتج لهما، وفي المنطق العلمي: يكون مجال البحث عن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فالسُنة التاريخية: كما قلنا مجال بحثها يكون في – علم الإجتماع ومشتقاته -، ولكن كيف يكون ذلك ؟، قالوا : بما إن السنن هنا هي من إنتاج فعل الإنسان، وهي لم تكن بالفعل لولا حاجات الإنسان إليها، الحاجات الإقتصادية والسياسية والدينية وغيرها [ لذلك فمجال البحث عنها وفيها علم الإجتماع ومشتقاته ]، والترابط بين علمي الإجتماع والتاريخ مصيري لحدود قصوى قال أبن خلدون، 

 لكن السُنة الطبيعية: في المنطق العلمي مجال بحثها علم الفيزياء والفلك وغيرها من علوم الطبيعة، لهذا هما متمايزان مختلفان من حيث الماهية والجوهر.

 بيد إننا هنا نبحث عن – صلة وصل – بينهما و ذلك نجده جلياً في – موضوعة الخصوص والعموم -، ولكن كيف يكون ذلك ؟،

نقول: حسب المنطق العلمي فإن أصل الحركة واحدة ومجالها ــ ممكن الوجود ــ أعني الطبيعة، والإفتراق يكون في الفاعل المنتج لهما، ففي السُنة التاريخية: [ يكون الفاعل هو الإنسان، وفي السُنة الطبيعية يكون الفاعل هو الطبيعة نفسها ]، وموضوعياً قوانين الطبيعة تختلف عن قوانين فعل الإنسان وإرادته، ولو أفترضنا جدلاً صحة نظرية الوحدة التي ذهب إليها غير واحد من المثاليين، فسيكون علينا لزاماً إلغاء حالة الإختلال في النظم والبناء العام، وهذا غير ممكن بحسب النظرية العلمية للتطور، [ يقول ألبرت أنشتاين إن الطبيعة ( الكون ) حدثت نتيجة للإنفجار العظيم، وهو نفسه ( أي الإنفجار ) هو من أسس قوانين الطبيعة ونظامها، ونفس الشيء قاله القرآن المجيد ولكن بصيغة ثانية سماها ( النفخ في الصور ) ]، ومفهوم النفخ في الصور هو مفهوم نظري تجريدي يتحدث عن خلق الكون من شيء ما غير محسوس [ وهكذا قال ستيف هوكنز تعليقاً على نظرية الإنفجار العظيم ]، وعندنا لم يكن الإنفجار هذا عبثياً إنما جرى بصورة منتظمة، أدى إلى جعل – قانون التطور – صيرورة دائمة متقنة ومتوازنه وليس فيها خلل يؤدي إلى طغيان البعض على البعض الأخر.

وفي القديم مال إلى هذا الرأي – ملا صدرا الشيرازي – معتبراً الطبيعة بما فيها من خلق وتكوين ونظم، إنما كانت بفعل الموجد الأول قال أبن سينا، ولذلك فقوانين الطبيعة لم تكن بهذه الدقة لولا طبيعة الخلق من الموجد الأول ( وهكذا الإرادة منه منذ البدء كذلك قالت الأشاعرة )، وما يحدث في عالم الطبيعة هو نتيجة لذلك، فالعلل الطبيعية التي وجدت في هذا الكون وفي داخله إنما كانت بفعله، ولذلك قالوا بالتبعية: أي إن فعل الإنسان يدخل ضمن هذه النظرة سواء أكان فعله في الخير أم في الشر، أنظر النص التالي: – [ إنا هديناه السبيل (وفي نص أخر النجدين ) إما شاكراً وإما كفورا ] – الإنسان 3، إذن فهذه النظرة لا تعترف بالقوانين الذاتية المنفصلة.

 فالعدل: عندهم ليس فعلاً ذاتياً في الطبيعة أو إنه تطور مع الزمن، بل إنه وجد مع الإرادة في ذلك لتكون الطبيعة متوازنة ومعتدلة وممكنة الحياة فيها، ولذلك قالوا: لم يكن الأمر بالعدل إلاّ ليكون سُنة يستقر على أساسها النظام والقانون في الطبيعة، وما التاريخ إلاّ راصد ومشير وشاهد على ذلك، قال تعالى: [ وما خلقنا السماوات والأرض ومابينهما إلاّ بالحق ] – الأحقاف 3 -،

فطبيعة الخلق من جهة و حتمية الخلق من جهة أخرى، ليست عبثية ولكنها كانت لسبب ما، وفي المنطق الإلهي يكون ( فعل الخلق وسببه ) من الحق، وليس كالطبيعة التي لا ترتبط بسبب في تطورها كما تقول – الداروينية -، والحديث في النص عن [ الخلق وليس عن التطور ] فالخلق هو النفخ أو هو الإنفجار، وأما التطور فهو من لوازم النظام الجيني أو البنيوي [ والذي تقول به الأحياء التطورية ]، وفي القرآن: تعتبر عملية التطور عملية دورية مستمرة، لكن كيف وأين بدأت ولماذا ؟، وهنا الجواب يكون: عن معنى الطبيعة عن ماهيتها وعن صلتها بالإنسان، وهل هي حقل لتجاربه أو هي وعاء لذلك ؟، [ وبالمناسبة نحن نتكلم هنا عن الإنسان وليس عن البشر ]، وبين الإنسان والبشر جدُ فارق، أي بين الحيوان الأول وبين هذا الذي تطور في وعيه وعقله ليكون – خليفة لله -، وبحدود علمي: إن القرآن المجيد لم يعط صورة تفصيلية لهذا التطور من البشر إلى الإنسان، ولكنه نوه إلى ذلك ببعض الإشارات، في إعتبار البشرر سابق للإنسان كما نقرأ ذلك بقوله: – [ إني جاعل في الأرض خليفة….قالوا: ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ )… ] البقرة 30 -، السؤال كما تقول لغتنا العربية، إنه من فئة الأسئلة الإستنكارية، أي إن الملائكة أستنكرت على الله أن يجعل خليفته من هو قاتل وشرير، ولو تتبعنا نظرية التطور لوجدنا إن الأصل في البشر هو الشر، ولكن ماهو المضمر هنا و الذي لم نلاحظه في الكتاب المجيد ؟، إن المضمر هو ذلك الزمن الذي لم يُحكى عنه في عملية التطور والتحول، وكم من الوقت أستغرق هذا التحول الجيني والعقلي معاً – أنظر رينيه ديكارت -، أعني إن الكتاب لم يعطنا تفصيلاً عن الزمن الذي أستغرقه فعل التحول بين [ فعل خلق وفعل جعل ]، ولكن وحسب نظرية الأحياء التطورية: فإن هذا الزمن حدث بعد التدمير للعالم الأول، حدث هذا من خلال التناقض والصراع من أجل البقاء قبل ملايين السنيين وقيل بسبب فعل الطبيعة نفسها.

ولنناقش الفكرة تجزئياً ونقول: هل أرتبط خلق الطبيعة والكون والإنسان بحاجة مقدرة عند الله في التخطيط المنطقي لما تكون عليه صورة الطبيعة ؟، والجواب عند عامة الإلهيين نعم: أن صورة الخلق مرتبطة بضرورة حتمية متعلقة بنظام كلي مسبق في العقل الإلهي !!، وهي لا ترتبط بنظام ذاتي للتطور الغير مسبوق بسبب !!.

وبما إننا نبحث هنا في نظام السنن في القرآن المجيد، لذلك نقول: إن القرآن يطرح موضوعة السببية في الخلق، أي إن الخلق ليس عبثيا أو جاء بلا سبب وليس الأمر فيه متروكاً لنظام التطور الذاتي المرحلي، الذي ينبني على التناقض والخلل الجيني، قال تعالى: [ وما خلقت الجن والأنس إلاّ ليعبدون ]، ومفهوم الخلق كان لسبب وهو العبادة والتي هي عند الملا صدرا ليست الطقوس والشعائر، إنما هي العمل المرتبط بما يحقق للحياة غايتها وهدفها، وفي هذا المجال يكون قوله تعالى: [ ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيما ] – الفتح 4، مرتبطاً بهذه الغاية وهو محكوماً بقانون السببية، فالكائنات الغير مرئية وجدت لسبب ما وهو حفظ نظام الطبيعة في الإستقرار والتوازن، ونقول : [ إن وجود هذه الجنود أو الكائنات الغير مرئية، إنما هي حالة حمائية لحفظ نظام الطبيعة من الإختلال ]، وبعبارة منطقية: حفظ نظام الطبيعة بكائنات حية غير مرئية، يحقق للطبيعة قدرتها على حفظ نظامها وصيانته من الإنهيار، وهذا الشيء قال به الفيزيائي الفذ – دايرك – حول نظرية الأشباح التي تملئ الفراغ الكوني، هذه الصورة التي يعبرون عنها بالتجاذب الكهرومغناطيسي، والتي وجدت من أجل هذا التوازن في الطبيعة، قال تعالى: [ ولله ملك السموات والأرض ] الفتح 14،

– ومفهوم ملك – حين جاء منكراً ففيه دلالة مطلقة على معنى النظم والسيطرة على النظام الكوني، ولا تكون السيطرة والنظم من غير قدرة عاقلة واعية تضبط حركة الكون وتحافظ على وحدة النظام الكوني، وحين ينسب الله المالكية في هذا الشأن وذلك للأهمية، ولا شأنية للإنسان في ذلك إلاّ على النحو الإعتباري المجازي وهذا ليس محله هنا.

قال تعالى: [ ولله ميراث السوات والأرض ] الحديد 10

أعجبني هذا النص لأنه يتحدث عن المستقبل، فالميراث في عرف المتشرعة هو عبارة عن الأشياء المتبقية بعد فقدان المالك الإعتباري، والنص هذا يرتبط حكماً بما سبقه في قوله تعالى: { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } ( الحديد / 5).

أي إن المتبقي من الوجود المخلوق الثابت منه والمتحول هو لله في نهاية الوجود الحتمي الذي يكون ذاتياً من خلال إنعدام الكتلة في السموات و الأرض، قال تعالى: – [ يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش ] – القارعة 4 و 5، قال شيخنا الأستاذ: [ إن المتبقي هو عبارة عن شأن يختص بمالكه أصالة على نحو الحقيقة لا الإعتبار ]، بدليل إن قوله تعالى: [ ولله خزائن السموات والأرض ] – المنافقون 7، شأنية خاصة بالله وحده و لا شأنية فيها للإنسان.

وبما إن الحديث عن الميراث والمالكية فلا بأس من النظر إلى قوله تعالى: [ وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه ] الحجر 21، والخزائن جمع خزينة وهي الصندوق الذي تحفظ به الأشياء، وهي هنا كناية عن القدرة الكاملة التامة على كل ممكنات الوجود،، وهذا النص في مقام التعريف بخزائن الله، وهو تعريف يُراد به بيان السُنة الطبيعية، وجعل ذلك كله شأنية خاصة بالله وحده ولا دخل للإنسان فيه.

ونعود لنقول: مفهوم الخلق والتكوين في الفعل وعلى نحو مطلق هو من شؤونات الله، المتعلقة بقدرته للعوالم الكونية المطلقة ولا شأنية للإنسان فيها، بل إن الإنسان هو جزء من ذلك الخلق والتكوين.

قال تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم } ( التغابن / 3).

 وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون } ( الحجر / 26).

 وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون / 12).

وقال تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين } ( السجدة / 7 ).

وقال تعالى: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } ( الرحمن / 14).

وقال تعالى: { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم } (يسن / 77 ).

 وقال تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشراً.. } ( الفرقان / 54 ).

وقال تعالى: { والله خلق كل دابة من ماء..} ( النور / 45 ).

قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]

قال تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14

وكما قدمنا فالخلق أرتبط مفهوماً بالبشر وليس بالإنسان، كما في سورة الفرقان 54، والجعل كان للإنسان أي إنه بعدما أنتهى من خلق البشر عبر مراحل، جعل له صورة حسنة تتناسب ووضعه الطبيعي المخلوق من أجله، كما يظهر ذلك في قوله تعالى: [ الذي خلقك فسواك فعدلك ] – الإنفطار 7 -، وفي ذلك يكون المعنى قريب مما ذهبت إليه – الأحياء التطورية –

* * *

تنبيه:

 مما تقدم يتضح لنا: إن السُنة الطبيعية تفترق عن السُنة التاريخية في نواحي عدة، فالسُنة الطبيعية أعتبرها العلم حتمية الوقوع، والفاعل في إنتاجها هو الله أو هي قدرة الله، وهي ليست من شؤونات الإنسان وفعله، وأما السُنة التاريخية فهي فعل ناتج عن الإنسان، أي إن الفاعل في إنتاجها وصُنعها هو الإنسان، وفي متعلقات السُنن يكون الفعل آصالة بيد الله ووكالة بيد الإنسان، في قضايا المالكية والإرثية والخازنية.

 *** 

يذهب بعض المثاليين للقول بالإتحاد بالفعل، وهو قول ليس دقيق من وجهة نظر علمية ذلك لأن الكلام فيهما يتعلق دائماً بالماهية وبالكيفية، وحين يكون ذلك كذلك نفهم معنى الإفتراق في قوله تعالى: [ قل من يرزقكم من السماء والأرض ] يونس 31، وفي سورة فاطر قوله: [ هل من خالق غير الله يرزقكم ] فاطر 3 -، في هذه النصوص نلتقي مع الله حين يتحدث عن قدرته بالفعل والقوة، ويرجع كل شيء له على نحو مباشر وما يكون من الإنسان فبشكل غير مباشر، فالثروة هي منه ولكنها تكون للإنسان على نحو الفعل والمباشرية والإنتفاع، نلحظ ذلك في العبارة التالية قوله: [ ومما رزقناهم ينفقون ] البقرة 3، فالرزق هو عبارة عن كل ما ينتفع به من مال أو غيره، وهو صفة وصف و تقدير في الأموال والأشياء، لما ينتفع منه وبه أي إن إيجاده في الأساس هو شأن إلهي، ولكن حق الإنتفاع والزيادة والإستثمار فهي من فعل الإنسان، يدل على ذلك ما قاله تعالى.

 تعتبر المادة ( الثروة ) في الفلسفة الدينية ظرف لصفة التفويض في الإنتفاع، وهي تكون للإنسان وكالة إذا كان قادراً على ادائها بحدودها المعلومة، وفي هذا يكون الرزق عنوان ثانوي يكون فيه الإنفاق شرط في صحة التفويض، ولهذا جاء الوصف على نحو الأسم ـــ بالرازق ــ، ليؤكد على إنه المفوض والفاعل في ما يملك على نحو حقيقي، ويواصل الكتاب المجيد فكرته عن التفويض 

 بقوله: [ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ومما رزقناهم رزقناهم ينفقون ] إبراهيم 31 فالتوزيع العادل مرتبط بقوله ــ رزقناهم ــ والضمير المتصل هنا يعود على الرازق الحقيقي صاحب الملكية أصالة وهو ــ الله ـــ، وفعل الإنفاق يكون في الطبيعية من عمل الإنسان وعلى نحو مباشر، ولكنه في الواقع يشير إلى إن الفعل مجرد تفويض من الله، وتوزيع الثروة شرطه اللازم ليكون مؤدياً للغرض ومنفذاً لمعنى التفويض أن يكون ــ بالعدل ــ، والعدل شرط مسبق في صحة الإنفاق، قال الطبرسي: العدل ملاك صحة الإنفاق وشرطه، ومن غيره يكون الظلم والجور والتعسف، وهذا هو المنهي عنه قطعاً، لذا ورد [ التقديم للتعليل المتأخر ]، وفي أصول الفقه: يعتبر شرط الإنفاق شرط تكليفي، وهو القرينة الدالة على صحة أداء التكليف، والتلكيف تحرير للصفة بحيث يرى أثرها الواضح في الواقع الموضوعي أعني أثر الإنتفاع وكيفيته.

 وفي موضوعنا السنني إيجاد صفة التفويض متناسبة مع حاجة المنتفع، أي جعل الصفة محلاً للضبط والربط بحدود الحاجات والضرورات، ولا يتم هذا من غير [ واقع موضوعي ملائم، وشرط إعتباري صحيح ]، ولا يخرج هذا من باب [ الإيمان مع العدل ] ومن غيرهما يقول الطباطبائي يكون الخلل مترتباً أثراً في الواقع وفي الشرط، والخلل سبب مباشر في حدوث السنة التاريخية على نحوها السالب، قال شيخنا الأستاذ: [ لعل التمايز اوضح ما يكون في الصفات الإلهية عموماً، تلك الصفات المرتبطة بعالمها الخاص الذي تتحرك فيه ]، والصفات: عبارة عن عناوين كلية لمفهوم ـــ الذات ــ كما طرحت في علم الكلام، على نحو: [ ــ الصفات عين الذات ــ ]، وفي علم الكلام أيضاً: يكون المتحرك والفاعل هو المتجلي والظاهر، وبيان التجلي عند صاحب حكمة الإشراق: يتمظهر بأبرز المصاديق كما في قوله تعالى : ( ربي أرني أنظر إليك ؟ قال لن تراني، ولكن أنظر إلى الجبل ــ ميدان التجرية ومكان إختبار الظهور والتجلي ــ فسوف تراني ( في أي هيئة ؟ )، قال: [ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً ]، والتجلي في لغة العرفاء: هو مظهر الكشف عن واقع حال القدرة في الميدان، قال أبن الجنيد: [ والتجلي ظهور في القدرة لا ظهور في الذات ]، والتناسب هنا بين الذات والصفة تناسب في ميدان الرؤية العينية المشار إليها في التعبير الكلامي آنف الذكر.

وللتوضيح نقول: إن التجلي هو مظهر ظهور الذات على نحو [ صفةً ]، وذلك لتعذر ظهور الذات واقعاً لقوله: – [ ليس كمثله شيء ] – الشورى 11 -، والظاهر من هذه الصفة هو ما نطلق عليه بالطبيعي والتاريخي، والطبيعي هو المجسد بالقوانين للنظام الكلي العام، والتاريخي هو المُجسد للحركة ضمن قوانين العليّة، وجدل الله و الإنسان هو جدل دائم في الطبيعي والتاريخي، والذي نفهمه عبر السُنن سواء بالفعل الخالص أو الفعل المشترك، والفعل الخالص نشير به للطبيعي [ من جهة عموم القانون وخصوص الإرتباط ]، والفعل المشترك يكون سريانه بين ما هو طبيعي وماهو تاريخي [ من جهة خصوص القانون وعموم الإرتباط ]، يقول شيخنا الأستاذ: ( إن المشيئة والفعل في الطبيعي يكون بأمر الله، ولكن المشيئة والفعل في التاريخي ترتبطان بحركة الفاعل الإعتباري )، وقد عرفه أستاذنا رضا الصدر: – فعل الإنسان يكون في ساحة المتحول وليس الثابت -، والمتحول من لوازمه التبدل والإنتهاء ولكن بحسب الشرط الموضوعي للواقع، قال تعالى: [ ومن نعمره ننكسه في الخلق ] يس 68:، وجدلية طول العمر مع فقدان التوازن والقدرة على الحياة، لازمة من لوازم التبدل في الطاقة وإنتهاء للكتلة، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى وبنحو ما: [ فإذا جاء أجلهم لا يسأخرون ساعة ولا يستقدمون ] – الأعراف 43 – وطبعاً لا يستثنى من هذا القانون ما يحصل في الحروب، وفي الكوارث التي تحصل بفعل الطبيعة، ومنطق التقديم والتأخير المرموز له بالنص المتقدم، ليس معناه إلغاء دور الإنسان في الصنع على نحو مباشر، و لنتأمل الفكرة عينها في صراع النقائض والأضداد في الدوام والزوال والبقاء والهلاك والحق والباطل والخير والشر والحلال والحرام

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , . Bookmark the permalink.