النجيب سرور

محمد شحاتة  

كان لولادة نجيب سرور أثرا عظيما في الحياة السياسية والثورية بشكل عام وفي الحياة الشعرية والمسرحية بشكل خاص، ترك نجيب كلية الحقوق قبل تخرجه منها بقليل، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، فبرع في دراسته، وكأن من اسماه نجيبا، كان يري المستقبل، فكان نجيبا بارعا حقا، غير مسرور علي الاطلاق، فحمل اسم ابيه، وحمل معه القهر والمذلات، وطاردت نجيب اللعنات..! 

هذا النجيب الذي درس القانون والشعر والمسرح والتاريخ، وسافر لدراسة الاخراج المسرحي في بعثة حكومية إلي الاتحاد السوفيتي وقتها عام 1958، وأعلن هناك رويدا رويدا ميله إلي أفكار كارل ماركس، حيث كان منضما في مصر إلي حركة حدتو الشيوعية، وهذا ما جعل الطلاب الوافدين معه ينفرون منه ويلفقون ضده التقارير في السفارة المصرية 

هناك، مما أثر عليه تأثيرا سلبيا،فزاد في تأكيده علي افكاره، وألقي الخطب السياسية الثورية أثناء دراسته ضد سياسات عبد الناصر التي امتلأت سجونه بالمعارضين والمناضلين حق النضال..

ذلك النجيب الذي إذا سألت الواحد عنه قال لك ببلاهة منقطعة النظير أنه صاحب الأميات، وكأن نجيب لم يكتب طيلة حياته سواها، وكأن تاريخه كله اختزل في قصيدة الأميات، وكأن ديوان لزوم ما يلزم، وبروتوكولات حكماء ريش، ورباعياته،ذهبت هباءا منثورا، وكأن مسرحية الذباب الأزرق، وملك الشحاذين، وياسين وبهية، تطايروا مع الريح..

واثناء دراسة نجيب سرور في الاتحاد السوفيتي سحبت منه الجنسية، فطار إلي المجر ومنها إلي مصر، ومع استمرار معارضته للنظام، تم اعتقاله في زنازين عبد الناصر، فمورست عليه كل انواع التعذيب وابشعها، و من يقرأ التاريخ يعرف ما هي زنازين صلاح نصر..

” أنـا ابن الشـــقاء

ربيب (الزريبــة و المصطبــة)

وفى قـريتى كلهم أشـــقياء

وفى قـريتى (عمدة) كالاله

يحيط بأعناقنــا كالقــدر بأرزاقنـــا “

 هكذا عرف نجيب سرور نفسه وأهل قريته في قصيدته الحذاء ، التي صور فيها العمدة بالاله، حيث دعا العمدة أبيه فأهانه وانهال عليه بحذائه فكتب شاعر العقل نجيب سرور قصيدته وصور هذا المشهد هكذا “

“رأيت الاله يقوم فيخلع ذاك الحـذاء

وينهــال كالســيل فوق أبى !

أهـــذا.. أبى ؟! “

وكل هذا كان له أثرا بالتأكيد في نفسية نجيب فعاش كارها للظلم حانقا علي مالكي الأراضي الاقطاعيين فكرس حياته مدافعا عن الفقراء المظلومين..

وعام 1971 كتب نجيب نصه المسرحي الذباب الأزرق احتجاجا علي أحداث أيلول الأسود لما قام به الجيش الأردني من مذابح للفلسطينيين، وهي قضية لا يسع المجال هنا لذكرها..

وعارض نجيب سياسات السادات، لما قام به من اعتقالات للمثقفين والكتاب والمعارضين، فاتهم نجيب بالجنون، وأودع بمصحة العباسية في عنبر خاص بما هم أشد مرضا وجنونا، إلي أن مات بداخلها عام 1978، فارتاحت منه كل الأنظمة..!

ولقب نجيب بشاعر العقل، نظرا لما اتسمت به كتاباته من أسلوب فلسفي وطرح قضايا فلسفية، وخاصة في ديوان لزوم ما يلزم، وظهر هذا جليا في قصيدتيه المسيح واللصوص ، وحوار مع نظام حكمت الذي كان شاعرا تركيا معارضا، وكان قريبا لأفكار نجيب، وسجن عدة مرات، ولاقي مصيرا يقرب من مصير نجيب وهذا جزءا من قصيدته هذي : في البدء كان السرقة !

قد طمسوا سر الانسان

إذ قالوا ” حيوان ناطق “

فالأوجب ” حيوان سارق !”

السرقة كانت – لا الكلمة –

في البدء، فقط ضبط الشرطة

في الجنة حوا وآدم بالتفاحة !

هبط اللصان إلى العالم

فإذا العالم

وكر اللصوص !..

رحل نجيب عن العالم وظلت كلماته، مناسبة لكل زمان حية، وظلت ممنوعة من النشر إلي يومنا هذا، فصودرت حياته حيا، وصودرت كلماته حيا وميتا..! 

وماذا لو كان هذا النجيب حيا ؟ وماذا سيكتب أكثر مما كتب وماذا كان سيعاني أكثر مما عاني ؟ لربما صعق بكهرباء أشد قوة، وصلب، وقتل، ومثل بجثته، ثم أحرقت ونثر رمادها في الريح..! 

“أنا عارف اني هموت موته مامتهاش حد،

وساعتها هيقولوا لا قبله ولا بعده،

وبطانة بتقول مات في عمر الورد، 

وعصابة بتقول خلصنا منه مين بعده ” 

في انتظار نجيب جديد..!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, محمد شحاتة and tagged , . Bookmark the permalink.