(إذا لم نكن نحن رسل السلام، فمن إذن؟ (2

كأني لا أعرف ما تعتبون به؟

 د.إلهام مانع  

هل تعرف عزيزي القارئ أن عدد السياح والسائحات إلى إسرائيل من دول عربية وإسلامية يتزايد بوتيرة متسارعة؟

هل تعرفين عزيزتي القارئة أن عدد من زار إسرائيل منذ عام 2009 إلى 2015 من دول إسلامية وعربية وصل إلى ربع مليون زائر وزائرة؟

واقعٌ يبدو لي أننا نتعمد تجاهله. أو لعلنا لا نعرفه؟

وكثير منهم سافروا هناك، كما تشير تقارير إحصائية وصحفية، “سراً”.

سراً.

هل تعرف هذا العدد يتزايد في إضِطراد متسارع؟ وأن أكثر الزوار يأتون من إندونيسيا، تركيا، وماليزيا؟ وأن الزيارة من سياح مسلمين من جنوب إفريقيا متواصلة. وغيرهم يأتي من مصر والأردن، ومن عدد من دول الخليج، وتحديداً من قطر، السعودية، الكويت وسلطنة عمان، وإن كانت أعداد الزوار والزائرات من دول الخليج قليلة (لا تزيد عن مئات مجتمعة). الأردن في المقابل يخرج منها الآلاف سنوياً.

وكنت قد رأيت في زيارتي مجموعة سياحية أردنية تزور الحدائق البهائية في حيفا.

وأن أغراض الزيارة بعضها ديني، لزيارة القدس، لكن كثيراً منها أيضا يتصل بالسياحة و “التسوق”.

هل تعرفين عزيزتي أن شركات سياحية تركية بدأت في تنظيم زيارات بهدف الحشد لأكثر من مائة الف تركي وتركية سنوياً إلى إسرائيل؟ كان هذا بداية من عام 2015، “دعماً للسلام”، كما أعلنت تلك الشركات، في وقت كان ولا زال السلام فيه مأزوماً. مختنقاً إن صح التعبير.

اعرف ان هدف هذه الشركات “إقتصاديا”و “ربحياً”، كي لا يتهمني البعض من جديد بالسذاجة (الجميل إن اتهامات السذاجة، السطحية وعدم المعرفة عادة ما يتم إطلاقها على “الكاتبات” عندما يخرجن عن السرب).

في كل الأحوال، فإن ما يحدث يظهر لنا واقعاً إخترنا أن نتجاهله. وربما لا نعرفه.

وكنت قد رأيت في زيارتي مجموعة سياحية تركية، من شباب وشابات، معظم الشابات محجبات، وهن يزرن يافا، ويَستمعن إلى مرشدهم السياحي، يحُدثهن وهم بالتركية.

هل تَعرفا أن النصف الأول من عام 2018 شهد زيارة 21 ألف إندونيسياً، 25 ألف تركياً، 6.7 ألف أردنيا، 5.6ألف ماليزيياً، و 5.5 ألف مصريا؟

وكثير منهم يذهب إلى إيلات للاستجمام.

وأنا لم أذهب إلى إيلات. لم أذهب للاستجمام. كما قال ذاك العزيز.

كيف أسَتجم واليمن تحترق؟

 لا أحكم على من يفعل ذلك. كلٌ وشأنه.

 لكن عن نفسي، لم أعد قادرة على هذا النوع من الإجازات.

 ذهبت إلى إسرائيل في زيارة تثقيفية. استكشافية. وتعلمت منها الكثير. ولم أندم.

ومعظم هؤلاء ممن يسافرون من دولٍ عربية يفعلون ذلك “سراً”. لا يعلنون عن سفرهم.

لأن مجتمعاتنا تُجبرنا على الكذب والنفاق. …والخوف.

الخوف من أن نقول ما نؤمن به فعلاً.

أن نقول الكلمة ونحن نعنيها.

أو نفعل ما نريد جَهراً.

وأحياناً تدفعنا إلى أن نلعن من نحب.

أكرر لكما. أنا لا أكذب.

لا أنافق.

أقول ما أؤمن به.

وعندما أتخذ قراراً لا أدُاريه.

سافرت إلى هذه الدولة.

وأعلنت عن ذلك. ولم أكذب.

فعلام العتب؟

—————

تظنون أني لاأعرف؟

 تعتقدن أني لا فهم معنى الوجع؟ الفقد والأنين؟

لا أشعر بما يشعرون؟ لا اتألم لهن؟ لا اتعاطف معهم؟

كم منكم ذهب الى المخيمات الفلسطينية في دول عربية؟

زرت بعضها خلال عملي الصحفي والأكاديمي.

واحترقت بواقع مخزٍ. يندى له الجبين.

أتعرفون من لعَنت يومها؟

لعنت الدول العربية التي جعلتهم يعيشون في بيوت هي الأقفاص والزنزانات، بدعوى أن استقرارهم سيؤدي إلى توطين سينعكس سلباً على “حق العودة”.

في لبنان تتكرركثيراً عبارة “باستثناء الفلسطيني” في منظومتها القانونية.

عبارة معروفة.

مشهورة في الواقع.

 تستثني الفلسطيني والفلسطينية من أية حقوق أو امتيازات.

وأدري أن التكوين الديموغرافي وعوامل سياسية مشحونة، وذاك التاريخ الذي نريد أن ننساه، كلها مجتمعة هي التي حولت ملف اللاجئين الفلسطينيين إلى ملفٍ أمني.

لكن هذا لا يبرر حرمان الفلسطيني والفلسطينية من أبسط حقوق الحياة الكريمة.

الفلسطيني في لبنان يُمنع من من حق التملك، ويُحرم قانوناً من العمل ب 72 مهنة، منها الطب والهندسة وبعض المهن الحرة، والقائمة طويلة. وحتى عندما اعطى مشروع القانون اللبناني المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي حق تجنيس ابنائها، اُستثنى الفلسطيني، “منعاً للتوطين” كما ينص الدستور اللبناني. ومع الحرب السورية إنضم السوريون إلى قائمة الإستثناء من حق التجنيس.

هل تعرفون أن هناك هاشتاغ أطلقه ناشطون/ات في لبنان بالشراكة مع السفارة السويسرية والسفارة الفلسطينية في لبنان بعنوان #إنسان_من_فلسطين لدعم حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان.

كي يتم التعامل معه بكرامة.

لأن هناك عنصرية في التعامل معه.

بالطبع هناك الكثير من الناشطين والناشطات والحركات المجتمعية اللبنانية التي تسعى إلى تغيير هذا الواقع.

 لكن واقع التمييز معروف.

وهو معروف ايضاً لدينا في دول عربية كثيرة.

او هل نسَيتما كيف يتعامل بعضنا مع الفلسطيني؟

أقول هذا لأني لازلت اذكر عبارة طالبة كويتية نهرت بها فلسطينية في جامعة الكويت بالقول: ”فلسطينية وتَنظرين في عيني؟”

يومها عرفت معنى الذل.

رأيته في عينيها. واحترقت معها.

أقول هذا لأني لازلت أذكر كيف تهين السلطات العربية الفلسطيني في دخوله وخروجه من حدودها. من يسافر يعرف هذا الواقع. واقع الإهانة المتكرر.

هل خطر على بالكم ان تخرجوا للتظاهر ضد هذا الواقع؟

أن تطالبن بتغيير هذا التمييز العنصري.

فهذا يحدث في بلدان بعضُكم يعيش أو يعمل فيها اليوم.

أم أن التركيز على إسرائيل اسهل؟

أعود إلى لبنان ألفت انتباهَكما إلى أن هناك الآن محاولات حثيثة لتغيير هذا الوضع في لبنان رغم صعوبته. وأن “مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان” الإستشارية حاولت أن تضع مقترحات لتغيير هذا الوضع.

وأحد هذه المقترحات قد يثير دهشتكم.

يقول أن تعريف “توطين الفلسطينيين في لبنان” يعني: «إعطاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الجنسية اللبنانية بشكل جماعي، بعضهم أو كلهم، من خارج السياق القانوني بموجب قرار سياسي مفروض في سياق تسوية إقليمية أو دولية، خلافاً للدستور، سواء تمّ ذلك دفعة واحدة أو بالتدرج».

ـ————-

بكلمات أخرى، تلك اللجنة وضعت مقترحاً يتعامل من منطقٍ يدركه كثير من العاملين على هذا الملف في صمت.

حق العودة، افهمه واحترمه. لكن العارفين يدركون أنه عندما يحدث، أي العودة إلى إسرائيل فلعله سَيشمل من بقي على قيد الحياة ممن هُّجُروا أوخَرجوا من قراهم وأراضيهم في عام 48. هؤلاء كان عددهم حينها نحو 750 ألف فلسطيني وفلسطينية. من بقي منهم على قيد الحياة اليوم هم نحو خمسين الف.

لكن أولادهم وأحفادهم يبلغ عددهم اليوم نحو خمسة ملايين.

ومصير هؤلاء هو المحك.

وهنا تبلورت قناعة لدى الكثيرين تقول إما بعودتهم إلى الدولة الفلسطينية الجديدة، التي سيتم إنشائها بموجب إتفاقية سلام شاملة، أو يتم تعويضهم وتوطينهم في داخل الدول العربية التي يعيشون فيها، أو خارج هذه الدول، في العالم الجديد.

وقبل أن تَشحذوا سهامكم لتلَعنوني، رّجوتكما التمهل، فكل من يعمل في هذا الملف يعرف ما أقوله.

ام هل فاتكم انتقاد وزير الخارجية السويسري كاسيس لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، الأنروا؟

عندما عاد من زيارة رسمية إلى الأردن في شهر مايو الماضي قال إن الأنروا أصبحت جزءا من المشكلة (في المنطقة) من خلال حفاظها على مخيمات اللاجئين. وأردف بأنه يجب بذل المزيد من الجهود في إدماج اللاجئين في دول أخرى بدلاً من منحهم الأمل في عودة إلى الأراضي الفلسطينية.

سويسرا معروفة بحيادها الصارم وإصرارها على السلام طريقاً لحل النزاع. وهي الراعية الأممية لمعاهدات جنيف. وهي بالتأكيد لن تسع لفرض أي حل لا يقبل به طرفي النزاع. ورغم ذلك عندما يأتي مثل هذا التصريح من جانب وزير خارجيتها فإنه يستحق التوقف.

ووزير الخارجية كاسيس أصر على تصريحاته بعد ذلك. وأكد على ثباته عليها في مقابلة اخرى قائلاً: “ما قلتُهُ، صرحتُ به بعد مناقشة طويلة مع المدير العام للأونروا، لذلك تحدثتُ مع معرفة كاملة بالوقائع“.

إذن أعود إلى من انتقدني.

ذاك النبيل الشاعر الذي سماني “ساذجة”.

وتلك الناشطة التي أحترمها، التي اقترحت علي أن أقرأ كُتباً اُدرّسها.

وصاحبتَنا التي سَقطت من نظرها. لعلها كبوة.

وذاك العزيز الذي يبدو لي أنه احترق بسبب كلماتي. صدمته او فقعت مرارته. ولو بيدي لَخففت عنه بكلماتٍ تهُديء من روعه. أنا لم أنسى الألم اوالظلم أو التيه ايها العزيز. لكني وددت لو تحريت الدقة في بعض مصادر معلوماتك.

وذاك المثقف الذي اُجُّله. وتعامل بأسلوب حضاري أسَرني.

وغيرهم هدد بمحاكمتي.

وأخر سلط علي لعنات السماء بأسرها.

وذاك الذي اراد ان يشتمني فقال “أنتي اصلاً يهودية”.

 وودت ان اسأله بلطف، “هل هي شتيمة؟ ان اكون يهودية؟

هي ديانة. هل تعتبر أن قولي لك “أنت اصلاً مسلم” شتيمة؟ فعلام تعتبر اليهودية شتيمة إذن؟ إذا اردت ان تشتمني رجوتك ان تستخدم شتيمة افهمها.”

تعتقدون أني “الُمع إسرائيل”.

هي لا تحتاج إلى تلميع.

فيها جوانب مضيئة، وفيها جوانب مظلمة.

والجَانبان اعرفهما جيداً.

تقولون أن علي أن أقول إني سافرت إلى فلسطين لا إسرائيل.

بل سافرت إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

انا اصر على حل الدولتين رغم أن الدعوة إلى ذلك اليوم تبدو للجميع سراباً.

وعندما تتأسس الدولة الفلسطينية سأسميها بالدولة الفلسطينية.

إسرائيل موجودة.

لها الحق في الوجود.

تماماً كما أن للدولة الفلسطينية التي أطالب بها الحق في الوجود.

 لا أقول ذلك بأريحية.

كل محادثات السلام تتحدث عن مفاوضات بين الدولة الإسرائيلية والجانب الفلسطيني، وهي تدعو إلى العودة إلى حدود ما قبل حرب سبعة وستين. لا أحد يتحدث عن ثمانية واربعين.

القول بإن إسرائيل غير موجودة قد يُريحكم. لكنه بالنسبة لي غير منطقي.

لن يغير من واقعٍ، تحترمه القوانين الدولية، وُيقر به المجتمع الدولي.

ما يجب أن نصر عليه هو تأسيس دولة فلسطينية قادرة على البقاء بحدود تحترم المواثيق الدولية الأممية. ما يجب أن نصر عليه هو أن تكف عملية الاستيطان المستمرة، التي تنتهك ابسط قواعد القانون الدولي. ما يجب أن نصر عليه أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليس له الحق في تغيير الوضع القانوني للقدس. والأهم، ما يجب أن نصر عليه أن يتم التعامل مع المواطنين الإسرائيليين العرب على قدم المساواة مع المواطنين الإسرائيليين اليهود.

لكننا ونحن نفعل ذلك علينا أيضاً ان نفهم النفسية الإسرائيلية. تلك التي يسكنها الخوف على أمنها. وذاك الخوف ليس مبالغاً فيه. كيف يكون مبالغاً فيه ومن حولها من العرب يعتبرون “اليهودية” شتيمة.

 إسرائيل تشبهنا في أشياء، ليست جميلة ـ في قوانين العائلة التي وَرثتها من الدولة العثمانية، وفي طابع الدولة الديني، وفي التطرف الديني الذي زاد بين شيوخها.

لكنها تتفرد عنا في ديمقراطيتها، وفي دور المحكمة الدستورية في لجم النزعة الدينية للدولة، وفي حرية الصحافة التي تتمتع بها.

أتحدث عن إسرائيل.

لا عما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وهي أيضا تتميز عنا في أشياء.

وعن هذه الجوانب جميعها المضيء والمظلم اردت أن احُدثكن.

عن ما رأيته.

لا تزايدوا على أيها الأحباء.

فلعلي أكثر رفقا بمن تدافعون عنهم/ن.

و الوقت، الوقت فقط، هو الذي سيظهر أن كان فيما اقوله وجاهة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, إلهام مانع and tagged , , , , . Bookmark the permalink.