هل التاريخ يُعيد نفسه؟

 آية الله الشيخ إياد الركابي   

سؤال يواجهنا في العادة عندما تواجهنا أشياء وحوادث ومشاكل في حياتنا الإجتماعية، وقد أختلف الناس في الإجابة على هذا السؤال بين مؤيد ورافض، وذلك تبعاً لفهم كل واحد منهم في التاريخ وماذا يعني له؟، وهل إن التاريخ هو مجرد سجل رقمي للحوادث والقضايا؟، أم إنه ذلك الشيء الزمني الذي يعبر عن الماضي بكل تفاصيله؟، والتاريخ في الحالين هل يمكنه أو هل يجوز له أن يعود بحرفيته أو بشخوصه أو بأحداثه؟، ثمة أناس قالوا نعم، وثمة أخرين قالوا لا [ ونحن من هؤلاء الذين قالوا لا ]، وحجتنا في ذلك العقل وما صح من النقل المعتبر، ومع ذلك لا يزال الجدل محتدماً و قائماً، بين هؤلاء وهؤلاء حول ما إذا كان التاريخ يُعيد نفسه أم لا؟.

ونفس الجدل نلاحظه لدى المتكلمين في قضايا العقيدة والشريعة، كذلك وحتى لدى المشتغلين بحقول العلوم والفنون، وبما إننا نعرف التاريخ على إنه: عبارة عن هذا الخليط بين السجل للأحداث والقضايا، وبين كونه الماضي بكل تفاصيله وأجزائه، وهذا التعريف نظرنا إليه من وجهة معرفية خالصة..

 وهنا نقول: مفهوم السجل للماضي يعني سجل للزمان والمكان، وهذا الشيء يرتبط موضوعياً بمفهوم – الصورة والحدث -، الذي من خلاله نرى الماضي كيف كان وكيف سار وكيف تأسس؟، وصورة الماضي رأيناه بعين وعقل الذي تخيلها أو الذي رسمها في ذلك الوقت، و هذه الصورة في كثير من الأحيان هي تخيليه كما ألمحنا وليست واقعية أو دقيقة من جهة الضبط التاريخي، وفي هذه الحالة لا يمكننا إعتبارها حقيقة موضوعية، ولكي تكون كذلك لا بد منتسليط كل الأضواء المتاحة و الكاشفة لنتبين دقتها وصحتها وموافقتها لموضوعة – الزمان والمكان – المحكي عنه، وفي هذه الحالة يتجدد الطرح على نحو أخر، وهل الذي وصلنا عبر الصورة مطابق أو موافق للحقيقة؟، بحيث يمكننا إعتباره قدوة و مثل يمكننا التأسي به والإقتداء؟، بمعنى هل يمكن إعادة الصورة بشرطها الموضوعي الذي كانت عليه؟ والجواب ببساطة لا يمكننا ذلك موضوعياً، بدليل إن الماضي قد مات حسب التقرير القرآني – تلك أمة قد خلت…!!!-.

 ولو طُرح السؤال بلغة الفيلسوف: فسيكون على النحو التالي: هل يمكن تصور قوانين الوجود والقيمة في الأين والمثال واحدة في – الماضي والمستقبل-؟

وبمعنى أدق: وهل يعني ذلك إن حركة القوانين الطبيعية لا تخضع لعملية التطور ونظام الصيرورة والتبدل؟

ولو أفترضنا جدلاً… صحة القول التالي: إن الماضي بكل ما فيه قابل لكي يُعيد نفسه، فهذا الإفتراض الجدلي من لوازمه- جعل التكرار في الماهية والكيفية من لوازم الشيء، ولو سلمنا بصحة هذا الإفتراض فإن ذلك يلغي مفهوم – التطور-، الذي اشار إليه النص بقوله – كل يوم هو في شأن -، كما إن التطور بمفهومه العلمي هو سيرورة في الإرتقاء والنمو والتكامل [ وهذا ما أشار إليه دارون ]، والتطور: هو عملية داخلة في بنية الشيء وفي ماهيته، ولأنها كذلك فهي بحركة الشيء وبفعله، وعالم الوجود وعالم الإمكان من خواصه الذاتية- التطور – ولذلك يكون قابلاً للحياة وللعيش.

ولنقل إن هذه النظرة للتطور أستندت على – جدل الإنسان والطبيعة -، هذا الجدل الذي يصطدم مع فكرة ومفهوم ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ، بمعنى إنه يجعل من القابلية على التطور غير ممكنة

..

أضف إلى هذا إن ساحة رصد- ( الزمان والمكان ) ليس فقط فيما هو ذهني وعقلي بل هو مادي أيضاً، أعني إن مجال الرصد هنا في أصل الحركة للصورة المتخيلة، وكما قلنا فالضابط في رصد الحركة هو ــ الشأنية ــ، والشأنية عبارة عن توثيق وشاهدية، ولكي تكون االشأنية ممكنة القبول يلزمها الإقناع والموافقة-..

* * *

ونعود لنناقش مفهوم الإعادة التاريخية، وفعل إعاد يعني أرجع كما تقول المعاجم، ومصدر الفعل إرجاع ولكي يكون ممكننا في قضايا التاريخ، يلزمه إرجاع أدوات الفعل التاريخي وعناصره والقوى التي صنعته أو إنتجته، وإرجاع أدوات الفعل االتاريخي تخضع بالضرورة لأدوات الفعل الطبيعي أعني في الماضي، ولكن هل يكون ذلك ممكنا من الناحية المعرفية؟، من الناحية المعرفية يمكن دراسة الحدث التاريخي والتعرف على الطبيعة الموضوعية التي أنتجته، ولكن أبداً لا نستطيع الجزم بتمام الموافقة على صحة ذلك، لأن ليس لدينا تاريخا ضبطت كل عناصره وأدوات فعله.

ثم إن إعادة الفعل التاريخي ومحاولة تكرار تجربته حتى على نحو خاص غير ممكن، ولا يتولد من هذا الفعل شيء يمكننا إلزام به الفرد أو الجماعة – لأن ذلك بمثابة إلزام بما لا يلزم -، ومن الناحية العلمية يكون الإلزمام بما لا يلزم أحد مناقضات التطور.

ولنعد إلى أصل الفكرة نحن نبحث في موضوعة الماضي، ماضينا نحن الذي هو:- عبارة عن تاريخ للفرق والطبقات والطوائف والمقالات -، هذا الماضي المضطرب الذي تتداخل فيه قضايا السياسة والإجتماع كما قضايا الفقة والعقيدة، وهو تداخل صنعته أيدٍ لها علاقة بالقرار السياسي والديني الرسمي وغير الرسمي، إنه تاريخ مجزأ يسود فيه الإختلاف والتعددية والسلبية، ولكي نقرئه بحيادية وموضوعية يلزمنا ما يلي:

 أولاً: التحرر من هيمنة الماضي وأحكامه التي أنتهى أوانها، بمعنى إن الماضي بما فيه مرتبط حكماً وموضوعاً بواقعه وزمانه ومكانه.

وثانياً: نفي فكرة ومفهوم ـ التارخ يُعيد نفسه ـ، والنفي بمعناه العلمي الإيمان بالتطور الطبيعي سواء في الفهم المجرد أو في طبيعة المادة.

وثالثاً: وفي قرائتنا للتاريخ لا بد من الإيمان بأن التنازع والإختلاف يولد دائماً التناقض والكذب وعدم المصداقية، وفي أحيان كثيرة التحريف والتزييف، ولا مجال لقوانين العلم والعليَّة وسيادتهما.

ورابعاً: إن التاريخ الذي يصنع التباعيض والأجزاء والتناحر، حريّ بنا أن نضعه في ميزانه الطبيعي وضمن عالمه الخاص، وأن لا نعمل جاهدين من أجل إعادة وترتيب مواضيعه التي أنبنى عليها.

* * *

ولكن كيف لنا أن نفهم دعاة مفهوم ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ؟، يمكننا فهم ذلك من خلال تركيبهم لما هو كلامي على ما هو فقهي، ففي علم الكلام الشيعي هناك مقولة تقول بمبدأ ــ الرجعة ـ [ والتي عرفتها المدرسة الشيعية: بأنها رجوع جماعة من الأموات إلى الحياة الدنيا قبل يوم القيامة، في صورتهم التي كانوا عليها، ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية في الفساد،ثم يصيرون بعد ذلك إلى النشور وما يستحقونه من الثواب والعقاب ].

 هذه الفكرة كما يبدو مصطنعة أختلقتها أخبار كاذبة، ومعلوم إن التاريخ الإسلامي معبء بكثير من هذه الأخبار، والتي تحكمت في قسط وافر من معارفنا، وقد قام بالترويج لها والنشر وعاظ ورجال دين متخلفين، ليضللوا فيها الناس ويُبعدوهم عن التعرف على قضاياهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الملحة.

وجزء من مفهوم – الرجعة ـ عند هؤلاء تعني العودة المادية لأئمة أهل البيت!!!، أي أنها عودة أشخاص معينين لخصوص سبب معين، وجزء أخر منها عودة أناس آذوا أئمة أهل البيت، والغرض من العودة والسبب هو [ إثبات أحقية اهل البيت بالخلافة وبطلان دعوى مخالفيهم ]. 

فلو أفترضنا صحة هذا الزعم، فإنه سيرجع الإمام علي إلى الدنيا، وسيرجع معاوية كذلك والهدف من رجعتهما هو في [ إثبات إن علياً على حق ومعاوية على باطل ]، ولننظر هنا إلى أصل العودة والغاية منها وهو في إثبات أحقية علي بالخلافة!!، ولكن السؤال الذي يُطرح هنا، هو إن االعودةوالرجوع في زمن ما، ولناس ما وبالتالي فهي عودة ورجوع لا يعلم به إلاّ من شاهد ذلك و صادفه، وهي في هذه الحالة حجة على من شاهدها وحدثت في وقته، ولا حجية لها على من لم يشاهد ذلك بالدليل العملي، ثم إن هذه الفكرة قد جرى بحثها طويلاً في الكتب الكلامية، وأقر جمهور العلماء بأن علياً كان على الحق ومعاوية كان على باطل، حتى أصبح هذا الحكم هو حكم الكافة في هذه المسألة هذا أولاً. 

وثانياً: إن الإيمان بالرجعة الشخصانية على النحو الذي قدمناه يستلزم إبطال مَبِدئيْ ــ الثواب والعقاب.

وثالثاً: إن الإحتجاج بالقرآن في هذا المجال ليس على ما ينبغي، إذ القول بأن للعُزَيْر وحماره ــ رجعة ــ، قول بعيد لما نحن فيه، إذ الأمر فيه يتعلق بقدرة الله، وإذا تعلق الأمر بالقدرة فإن مجال البحث أختلف تماماً في الماهية والكيفية.

ولأنها كذلك فهي فكرة تخالف:

1 – الدين والعقل.

2 – وإنها تحتمل ظرفاً زمانياً مكانياً معيناً.

إذ الأصل الذي أنبنى عليه فكر ـ الرجعة ــ كان كذلك، وهو في المفهوم الشيعي المتداول وفي كتب الأخبار والعقائد يعود لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ في مستويي الخطاب..

 مع إن هذا الأصل من ترسبات الفكر التوراتي وتأثيره في الأدب والفكر الإسلامي، وربما كان ذلك مما قرره بولس قبل كتابة الأنجيل إلى أتباعه تحت شعار ــ عودة الأبن إلى أبيه ـ.

***

 ولكن هل إن مقولة ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ هي من السنن الطبيعية والتاريخية؟

وقد عرفت السنة: بأنها طريقة ونهج يجري أتباعها ضمن علل وأسباب طبيعية، وهذه العلل والأسباب هي نسيج حركي معين يرتبط بوعي مكاني وزماني خاص، ولهذا فهي حركة في الزمان والمكان، وحضورها في وعينا عبارة عن حضور زماني ومكاني يرتبط بعلل وقوانين منتظمة، نقرأ ذلك في قوله تعالى – سنة الله في الذين خلو من قبل ]، وهي بهذا المفهوم ضد الفوضى واللا نظام بقرينة المقابلة.

فالسنة الطبيعية تجري بتوافق مع نظام التطور في أتساق وضمن مجموعة قوانين وإرادات ناظمة، وهذا النسيج المتكامل هو الذي يتحكم بعملية التحرك فيها. قال تعالى: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون } ( يس / 40 )، فحركة الشمس ضمن دائرتها في درب التبانة منتظمة بحيث لا تكون سابقة ولا متأخرة، وجميل جداً أستخدام لفظ- سبح- يعني حركة منتظمة، لا يجوز فيها الفوضى والتراكم والتدافع المخل بوحدة النظام.

نعم في معنى السُنة الطبيعية يلزم التسلسل الطبيعي والذي جاء تبعاً – للأنفجار العظيم -، والذي لا يناقض أبداً معنى قوله: {.. إنا بنينا السماء بأيد وإنا لموسعون } ( الذاريات /47 ).

فالسعة المشار إليها هنا هي ليست ضد القانون وضد الإرادة، والصفة بل هي منها بضميمة قوله تعالى: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } ( يس / 82)، والكينونة هنا ليست ضد الحركة هناك، فهما في سير واحد يُعطي للتطور قيمته وأهميته، وفي نفس الوقت هو دحض فاعل لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ.

إذن فالسُنة هي شاهد يمكن تحليله بذاته، خاصة في عملية المراقبة الواعية للعناصر الفاعلة في السنة، والتحليل عنصر زماني يقوم على مبادئ العلة والمعلول، وهذه المبادئ هي الحصانة من التسويف والتراكمية في الزمانية المركبة من النقل والعقل.

إن إعتبار مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ جزءاً من القانون الطبيعي، أدى بنا إلى أفكار أرثوذكسية مغلقة في مطلق الزمان والمكان، وهذا الأعتبار هو نتيجة واقعية للخلط المعرفي بين التحليل التاريخي وبين الإعتماد التاريخي، ونريد بذلك: إنتاج الفكر أعتماداً على القواعد والمقدمات المنطقية العقلية، وبين إعتماد التاريخ كوعي فوق الوعي الزماني والعلمي.

وعليه فما يقوله بعض الفقهاء بصحة مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ وإعتبار ذلك حجة في قضايا الفعل الإنساني في مطلق الزمان وبتعبيرهم ــ حذو القذة بالقذة ــ إعتبار ليس على ما ينبغي، كما إن الكتاب المجيد يدحض الفكرة تحت مظلة – تلك أمة قد خلت -، ومنها أستمد الأمام زين العابدين ذلك ليقول – من تساوى يوماه فهو مغبون-، وهكذا يروى عن الشافعي قوله – أنا كل يوم رجل -، وبحسب المفهوم العلمي للتطور ضمن قانون الحذف الزمني، والمُراد به نهايات المراحل وعدم الإستفادة منها.

 ***

 ولكن هل رفض مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ هو جزء من مفهومنا عن الثقافة الحديثة التي فيها كل شئ نسبي وليس شئ مطلق؟

مفهوم النسبية ونظريتها الخاصة من مقولات العالم الفذ ألبرت أنشتاين، وهو مفهوم ضمنه النص التالي – كل شيء هالك-، ولكن في مقابل هذا تأتي مقولة – التاريخ يعيد نفسه -، لتلغي قوانين الطبيعة وما يصنعه الإنسان عبر جدلية ــ الفكر واللغة ــ، والتي هي حركية في المستقبل الذي يصنع أو هو تاريخ الإنسان، فتاريخ الإنسان متألف من جزئين ماضي ومستقبل ولا معنى للحاضر فيه مطلقاً.

* * *

 إن النظرة العقلانية للتاريخ والقائلة: إنه عبارة عن مجموعة أعمال فيها الحسن وفيها القبيح ــ الباهر والفاشل ــ، نظرة تستمد قيمتها من أنها تخدم غرضاً وتعرض حقيقة وغرضاً من الأعراض التي هي أبعد ما تكون من التاريخ نفسه.

كذلك قال جان مريتان: إنه لا يمكن أن يكون للتاريخ غاية في نفسه (1)

لقد كان بروتاغوراس محقاً حينما [ جعل الإنسان هو مقياس لكل شئ، فبه ومنه ومعه تعرف المصالح والمفاسد لأنها له أولاً وبالذات وقيمتها معلومة فيه لأنه مظهر التجربة ]، هذه الواقعية في النظر إلى الإنسان تجعله مصدر التطور المرتبط بالواقع الموضوعي، وهنا نكون قد دمجنا بين التصور المادي والتصور الميتافيزيقي للإنسان، مع أنهما عند البعض على طرفي نقيض بناءً على المعتمد من المقدمات عند كل طرف.

***

 ولكن هل هناك تمايز بين إرادة الله وإرادة الإنسان؟، والسؤال لا يتعلق بمعنى الإرادة التكوينية، بل بما نسميه إرادة الفعل الناتج عن الحاجة والمصلحة، وفي هذا هناك نوع من الإتساق بين الإرادتين، أعني إن أبداع الإنسان في شيء ما ناتج عن موهبة إلهية مكنونة في عقل الإنسان، هي هبة من الله عند الصنع الأول، وبعبارة كلامية:

ـ الأبداع في المريد الثاني ناتج عن الأبداع من المريد الأول ـ، بمعنى أن إرادة الأبداع عند الأول سابقة عن الإرادة عند الثاني، وهذه الجدلية الكلامية تخضع لجدل الإنسان والوجود منذ النشأة الأولى، وحين نطبقها نظرياً فهي جدلية بين – فكر ولغة -، والحكم على الإرادة عند الأول أعني إثباتها يحتاج إلى فكر يستدل به الثاني على ذلك، والاستدلال ظاهرة علمية فيزيائية مرتبطة بأدوات معرفية أساسها الفكر و اللغة، والذين رفضوها عند الأول [ كما هو رأي ريتشارد دوكنز ]، إنما أعتمدوا في رفضهم على مايلي:- ( إن الأفكار تأتي لعقل الإنسان قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث، وأنها تولد دون أدوات اللغة، أي دون إطار اللغة، وبعبارة أخرى إنها تولد عارية )..

 إلاّ أن هذا خطأ ووهم كبير، فمهما كانت الأفكار التي تأتي إلى عقل الإنسان، لا يمكن أن تولد أو توجد من دون لغة أو من دون أدوات اللغة، أي على أساس الألفاظ والجمل اللغوية، فليست هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة، أو متحررة من المادة الطبيعية التي هي اللغة، فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ولا يمكن أن يتحدث عن الفكر بدون لغة إلاّ المثاليون من المعتكفين وحدهم.

 ويُعلق ــ بولتزير ــ قائلاً: ( لقد لاقت هذه الأفكار تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية بفضل الأبحاث الفسيولوجية التي قام بها العالم ــ بافلوف ــ فقد أكتشف ــ با فلوف ــ أن العمليات الأساسية في النشاط المخي هي الأفعال المنعكسة الشرطية التي تكون في ظروف محددة، والتي تطلقها الإحساسات سواء الخارجية او الداخلية، وأثبت ــ با فلوف ــ أن هذه الإحساسات تقوم بدور الإشارات الموجهة بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي، وقد أكتشف من ناحية اخرى ان الكلمات بمضمونها ومعناها يمكن أن تحل محل الإحساسات التي تحدثها الأشياء التي تدل عليها، وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي نظاماً ثانوياً في العملية الإشارية، يتكون على أساس النظام الأولي ويكون خاصاً بالإنسان.

وهكذا تعتبر اللغة هي شرط النشاط الراقي في الإنسان وشرطه نشاطه الإجتماعي وركيزة الفكر المجرد، الذي يتخطى الإحساس الوقتي، وركيزة النظر العقلي. فهي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكثر درجة من الدقة، وبهذه الطريقة أثبت ــ بافلوف ــ أن ما يحدد أساساً شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، بل يحدده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان ))

فاللغة: إذن هي أساس الفكر، وحيث أن اللغة ليست إلاّ ظاهرة إجتماعية، ولكن هذه الفكرة تطرح سؤالاً على غاية من الأهمية وهو: هل أن اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكراً بصفتها ظاهرة إجتماعية كما يقرر ــ بولتزير ـ؟ أم أنها وجدت في حياة الإنسان المفكر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين؟

 ويبدو إن الإجابة على ذلك لا تكون واضحة دون الإلتفات إلى آراء ـ بافلوف ــ وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً ــ فبافلوف ــ أستطاع أن يوضح بالتجربة، على أن شيئاً معيناً إذا أرتبط بمنبه طبيعي أكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويحدث نفس الإستجابة التي يحدثها المنبه الطبيعي..

وقد أفترض ــ بافلوف ــ من أجل ذلك نظامين إشاريين:

الأول: النظام الإشاري الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية والمنبهات الشرطية التي لا تتدخل فيها الألفاظ.

الثاني: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبهات شرطية ثانوية فهي منبهات ثانوية أشترطت بمنبهات النظام الإشاري الأول، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة إستجابات شرطية معينة.

 ***

تعتبر الحركة والسكون مقولتان أساسيتان في علم إجتماع ــ أوغست كونت ــ، فالسكون عنده عبارة عن مطالعة الموضوع الذي أطلق عليه ــ كونت ــ أسم الإتفاق الإجتماعي، فالمجتمع يشبه تركيب أعضاء الكائن الحي الكلي الذي ينتمي إليه، فكذلك شؤون أجزاء المجتمع لا يمكن إحلالها إلاّ بالمجتمع الكلي خلال لحظة معينة من التاريخ..

والحركة عنده عبارة عن الوصف البسيط للمراحل المتتالية التي تطويها المجتمعات البشرية، وهذا الإتجاه في فهم التاريخ نطلق عليه ــ بفلسفة التاريخ ــ والتي هي: [ العلم بالتحولات والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى.. والقوانين المتحكمة في هذه التطورات والتحولات ].

وبعبارة أدق: [ هو العلم بصيرورة المجتمعات لا بكينونة المجتمعات، وهي كالتاريخ العلمي علم كلي لا علم جزئي وعلم عقلي لا علم نقلي، ولكنه خلافاً للتاريخ العلمي علم بصيرورة المجتمعات لا بكينونتها، وهو بالضرورة لا يعني إرتباط أحداث هذا العلم بالماضي، بل يعني تفهم تيار انطلق في الماضي ومازال مستمراً وسيبقى يواصل مسيرته في المستقبل.

والزمن ليس ظرفاً عنده بل هو بعُد من أبعاده، والظاهر أن أية نظرية للتقدم تعتبر وليدة إذا كانت ترى الحاضر أو المستقبل القريب بوصفه الغاية النهائية.

بيد أن المؤرخين البرجوازيين لا تزعجهم الإخفاقات الماضية لنظريات التقدم المختلفة وحسب، بل هم واعون للإتجاه القائم في العلم والذي قد يمتلك بعض المعايير الفعلية للتقدم التاريخي، ولكن ليس مطلقاً او ملموساً كما هي حال مادية ماركس التاريخي.

 

إن الفلسفة البرجوازية تركز في التاريخ على مكافحة الجبرية لأنها في الواقع ترفض الإتجاه الجبري في التاريخ، على أساس إنه حامل للنذر العلمية والتطورية في مجال صراع الطبقات.

وهذا الإتجاه في مكافحة النزعة الجبرية قام على الرد المعاكس في التعلق بالوجودية القائلة بأن الشرط المسبق للخلاص هو تقديم فكرة البديل فالمستقبل دائماً موضع إختيار، إذ يمكننا دائماً إن نختار بين طريق وآخر.

وبالتالي فإن الماضي ليس هو وحده موضع الدراسة العلمية، وهذا التصور قانونه التطور التاريخي إذ إن الفكر لم يكن سوى ظاهرة نشأت من اوضاع إجتماعية معينة مما يولد حالة من التفسير لمجمل الظواهر الفكرية على انها وليدة عوامل إجتماعية ساهمت في إنتاج الأفكار والظواهر، وهي لذلك جدلاً تأتي بمرتبة متأخرة من ناحية الوجود، فالتاريخ لايسجل الوجود الفكري إلاّ كونه ظاهرة ناتجة عن عوامل إجتماعية خاصة.

وهذا السبق للوجود الإجتماعي على الوجود الفكري يستتبع محاولة من التدليل السكيولوجي للتفسير المادي للمجتمع والتاريخ )

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , , . Bookmark the permalink.