ثنائية العسكر والإخوان

 د.رياض حسن محرم   

لعبة القط والفأر تاريخية بين الحكم العسكرى والإخوان، تم ذلك قبل قيام ثورة يوليو 1952 من خلال علاقات عبد الناصر بهم، وتوجت تلك العلاقات بقيام جمال عبد الناصر بتدريب عناصر مختارة منهم من ” النظام الخاص” على الرماية وضرب النار فى المقطم، وذلك بعد ان اقسم يمين الولاء على السمع والطاعة بحجرة مظلمة بحارة الصليبة بالسيدة زينب ” كما ذكر خالد محيى الدين فى ( الان اتكلم)،  يوجد خلاف بين الإخوان حول الموضوع، بعضهم يدعى أن من قام بتجنيده هو “عبد المنعم عبد الرؤوف” العضو الإخوانى البارز الذى قام بضم عبد الناصر “للتنظيم السرى” للضباط فى الجيش منذ عام 1944، وظل عبد الرؤوف مسؤولا عنه حتى مايو 1948، بينما كان رأس ذلك التنظيم السرى بالجيش هو الفريق “عزيز المصرى” الذى كان ينسق معه ويعاونه الشيخ حسن البنا” المرشد العام للإخوان، بينما يذكر آخرون أن واسطته كان صديق طفولته الشيخ ” أحمد حسن الباقورى”، على أى حال فإنهم يجمعون على أنه مع زيادة أعداد الضباط المنضمين للجماعة أنشأ لهم حسن البنا قسما مستقلا يشرف عليه الصاغ المتقاعد “محمود لبيب” وكيل الإخوان الذى أطلق على القسم إسم “الضباط الأحرار” ومن هنا جاءت التسمية”، وفى شهادة “خالد محيي الدين” فى كتابه “والآن أتكلم” يذكر الآتى ( فى عام 1944 عرفنى الضابط الإخوانى “عبدالمنعم عبدالرؤوف” بعبد الناصر ثم بمحمود لبيب كضابطين من الاخوان، وبينما كنت متشككا فى نوايا الاخوان فقد ظل عبدالناصر على ثقته فيهم، وبعدها تقرر ضمّنا معا الى النظام الخاص للاخوان فاتجهنا الى منزل بحى السيدة وقابلنا “عبدالرحمن السندى” وأقسمنا قسم البيعة للإخوان وتم تكليفنا بالمشاركة فى تدريب الاخوان تحت امرة مدربين مدنيين منهم مستواهم ضعيف مما أدى الى ابتعادنا دون إعلاننا بالإنفصال عنهم)، ويذكر ” أحمد حمروش” أن عبدالناصر وكمال الدين حسين قد ذهبوا يوم 22 يوليو 1952 لمقابله صالح أبو رقيق “عضو مكتب الإرشاد” وأبلغاه بالتحرك واتفقوا معه على دعم الاخوان للإنقلاب.

من المعلوم أن عبد الناصر أعاد تكوين تنظيم الضباط الأحرار مرة أخرى بعد عودته من حصار الفالوجا عام 1948، وأنه كان يأخذ  موافقة كتابية بتخلى أى عضو عن إنتمائه لأى حزب أو تيار قبل الإنضمام للضباط الأحرار، وهو مالم يكن ممكنا بالنسبة للإخوان لولا قرار حل الجماعة “الإخوان المسلمين وإختفاء حسن البنا بالإغتيال وموت محمود لبيب، وبعد رفض عبد المنعم عبد الرؤوف لهذا الشرط إستبعده عبد الناصر وعين بدلا منه عبد الحكيم عامر، وكما هو معروف جاء تكليف مجلس قيادة الثورة للإخوان بالدفاع عن طريق السويس القاهرة ليلة الثورة خشية تحرك الجيش الإنجليزى من قواعده فى منطقة القنال، ومما يثبت متانة العلاقة بين الإخوان والضباط الأحرار أنه بعد نجاح الثورة صدرت مجموعة من قرارات مجلس قيادة الثورة منها إعادة المحاكمات فى قضية إغتيال حسن البنا والإفراج عن الاخوان المعتقلين والمحبوسين وزيارة أعضاء المجلس مجتمعين لقبر حسن البنا لقراءة الفاتحة له، والأهم من ذلك كان قرار حل الأحزاب وإستثناء جماعة الإخوان المسلمين من قرار الحل، لكن سرعان ما دب الخلاف بين عبدالناصر والمرشد العام لرفضه الرضوخ لمطالبهم بمراجعة جميع القوانين قبل إصدارها لتحديد مدى مطابقتها للشريعة الاسلامية، ليصل الصدام بينهما الى ذروته بعد محاولة إغتيال عبدالناصر فى ميدان المنشية فى 26 اكتوبر 1954 ويصدر قرارحل الجماعة مع الزج بقيادتها فى السجون.

تتطابق شهادات قيادات الاخوان الى حد كبير مع زملاء لجمال عبدالناصر ورفقاء سلاحه حول علاقته بالاخوان، منهم “خالد محيي الدين” فى أكثر من موضع ولعل حواره فى جريدة الأهالى “لسان حال حزب التجمع” خير دليل، فى 26/7/1978 حيث ذكر أنه تعرف على جمال عبدالناصر فى أواخر عام 1949 عن طريق قائد الجناح الإخوانى عبدالمنعم عبدالرؤوف وأن علاقتهما إستمرت مع جماعة الإخوان عن طريق عضو الجماعة الصاغ بالمعاش محمود لبيب وارتبطا بعلاقة وثيقة مع الشيخ حسن البنا”، كما يذكر المفكر والمؤرخ د. عاصم الدسوقى أن علاقة عبد الناصر بالإخوان كانت علاقة خاصة ومتينة جدا لدرجة أنه أخبر قياديين كبيرين فى الجماعة بساعة الصفر للتحرك فى 23 يوليو هما عضوى مكتب الإرشاد حسن عشماوى وصالح ابو رقيق، وأن المرشد العام حينها حسن الهضيبى” قرر أن يمسك العصا من المنتصف ( كما يفعل الاخوان دائما) ورفض إعلان مكتب الإرشاد صراحة تأييد الثورة قبل إنتصارها.

لا ينكر أحد دور “حدتو” فى مساعدة ودعم الضباط الأحرار وفى التمهيد للثورة ودعمها وخاصة فى المجال الفكرى وكذلك المساعدات الفنية فى طباعة المنشورات وكتابة مادتها وتوزيعها، على أن ما ردده البعض حول إنضمام عبدالناصر الى تنظيم حدتو وإتخاذه إسما حركيا هو ” موريس” وأنه حمل رقم 17 فى التنظيم، فأعتقد أن تلك الإدعاءات لم يقم عليها دليل سوى تناقلها شفاهةعلى بعض الألسنة دون توثيق، فعلا فقد شارك عدد من الضباط اليساريين فى الثورة “بالمناسبة لم يكن عددهم كبيرا”، على رأسهم العظيم يوسف صديقالذى قرر عبد الناصر ضمه الى مجلس قيادة الثورة بعد نجاحها”، والضابط الأحمر خالد محيى الدين وآخرين.

عموما فإنه يمكن القول بلا مزايدة أن الإخوان حاولوا القفز الى السلطة بعد نجاحها باعتبار أن من قام بها هو أحد رجالهم وأنهم من صنع تنظيم الضباط الأحرار ومهدوا له الأرض حتى أطاح بالملك واستولى على الحكم، وكان محمد نجيب لا يمانع فى هذا الأمر لولا وقوف عبد الناصر لهم وهذا يفسر عداؤهم الشديد له، هو نفس ما كرروه مع المجلس العسكرى بعد ثورة 2011، سياسة إستعمال القوة أو التهديد بها.

علينا أن نفهم مياكافيلية الإخوان فى إدارة صراعاتهم، فهم لا يتركون وسيلة الا حاولوا القفز عليها، حدث هذا قبل ثورة يناير بالتسلل الى حركة كفاية” ومحاولة أخونتها كاملا، وصنعوا هذا مع الجمعية الوطنية للتغيير وشاركوا فى جمع التوقيعات للمبدئ السبع، وحاولوا ذلك بعد نجاح مرسى فى فندق فيرمونت، وما زالوا يؤملون أن يجدوا ثغرة مع النظام الحالى للعودة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, د.رياض محرم and tagged , , , . Bookmark the permalink.