محمد عبده والخلافة والاستبداد والوطن

الشيخ محمد عبده بين التنوير والإسلام السياسي – 2

مؤمن سلاّم  

بعد أن رأينا موقف الشيخ محمد عبده الرافض لفصل الدين عن الشأن العام وكيف تبنى الاسلام السياسي الاخواني والمستقل لهذا الموقف وانطلق منه وردد مقولات ومبررات محمد عبده في رفضه للعلمانية، ننظر الآن إلى فكره السياسي ومدى توافقه مع الفكر السياسي الإخواني والمستقل أو المستنير أو الحداثي.

1- الخلافة الإسلامية

هذا الجناح من الإسلام السياسي هدفه الإستراتيجي، مثل كل أجنحة التيار الإسلامي، هو إحياء الخلافة الإسلامية وسيادة العالم أو أستاذية العالم كما يسميها حسن البنا، إلا أنه يختلف عن باقي أجنحة الإسلاميين أنه يسعى إلى تحقيق ذلك من خلال التربية ونشر الثقافة الاسلامية وليس عن طريق العنف المسلح والإغراق في الجدل العقائدي وما يسمى بعلم الكلام.

ففي رسالة التعاليم لحسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين حدد لأعضاء التنظيم أركان البيعة العشرة، وجاء ركن العمل في المرتبة الثالثة من هذه الأركان وقد حدد العمل بالسعى لتحقيق 7 خطوات تنتهي بإعادة الخلافة الإسلامية وتحقيق أستاذية العالم هى:

1- إصلاح نفسه حتى يكون: قوي الجسم, متين الخلق, مثقف الفكر, قادرا على الكسب, سليم العقيدة, صحيح العبادة, مجاهدا لنفسه, حريصا على وقته, منظما في شؤونه, نافعا لغيره, وذلك واجب كل أخ على حدته.

2- وتكوين بيت مسلم, بان يحمل أهله على احترام فكرته, والمحافظة على آداب الإسلام في مظاهر الحياة المنزلية, وحسن اختيار الزوجة, وتوقيفها على حقها وواجبها, وحسن تربية الأولاد, والخدم وتنشئتهم على مبادئ الإسلام, وذلك واجب كل أخ على حدته كذلك .

3- وإرشاد المجتمع, بنشر دعوة الخير فيه, ومحاربة الرزائل والمنكرات, و تشجيع الفضائل, والأمر بالمعروف, والمبادرة إلى فعل الخير, وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية, وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما, وذلك واجب كل أخ على حدته, و واجب الجماعة كهيئة عاملة .

4- وتحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي ـ غير إسلامي ـ سياسي أو اقتصادي أو روحي .

5- وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق, وبذلك تؤدي مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها, والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان, وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه. ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع, مادام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي .

6- إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية, بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها, حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة .

7- وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) (لأنفال:39) ,  (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32).

وهذه المراتب الأربعة الأخيرة تجب على الجماعة متحدة وعلى كل أخ باعتباره عضوا في الجماعة, وما أثقلها تبعات وما أعظمها مهمات, يراها الناس خيالا ويراها الأخ المسلم حقيقة, ولن نيأس أبدا, ولنا في الله أعظم الأمل (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21).

أما الشيخ يوسف القرضاوي فلا يكتفي بتحديد الخلافة كهدف استراتيجي للاسلام السياسي ولكن يبدأ في إعطاء صورة أكثر تحديدا لشكل هذه الخلافة فيقول في حوار لوكالة الأناضول التركية “الخلافة التي يمكن أن تقوم في هذا العصر، يمكن أن تكون من خلال عدد من الدول التي تحكمها الشريعة، من قبل حكام وشعوب يرغبون بذلك، على شكل فيدرالية، أو كونفدرالية، وليس كما كان في السابق.”

ويشبه د. محمد عمارة الخلافة الإسلامية المنشودة في العصر الحديث بالاتحاد الأوروبي فيقول في حوار مع جريدة الأهرام المصرية “الخلافة الإسلامية ليست شيئا أكثر من الاتحاد الأوروبي, دول مستقلة, لكل دولة دستورها وحكومتها ورئيسها, وهناك برلمان مشترك وسياسة خارجية مشتركة, سياسة اقتصادية مشتركة وحدة سوق اقتصادية مشتركة, رغم أنها ديانات وقوميات مختلفة” ويقول في نفس الحوار مستشهدا بالمستشار عبد الرزاق السنهوري في رسالته للدكتوراة عن الخلافة “ولدينا منظمة التعاون الإسلامي لو تم تفعيلها بحق تصبح هي الخلافة الإسلامية أو تقوم بدورها, فالخلافة الإسلامية ليست نظاما محددا, فالنظم تتنوع وتختلف باختلاف الزمان, لا عاقل يحلم أن نعيد الشكل القديم للخلافة, الخلافة الإسلامية كما يقول السنهوري هي التي تحقق ثلاثة شروط, وحدة الأمة, وتكامل دار الإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية.”

أما الشيخ محمد الغزالي فقد ذهب أبعد من الشيخ القرضاوي والدكتور عمارة في تقديم تفاصيل أكثر دقه عن الحكم الإسلامي والخلافة الإسلامية في كتابة 100 سؤال عن الإسلام من السؤال 52 وحتى السؤال 61، حيث تحدث بالتفصيل عن النظام السياسي الإسلامي وضرورة وحدة المسلمين وقدم بعض التفاصيل الاقتصادية وهو تصور في مجمله يصور الدولة الإسلامية دولة ديمقراطية حديثة. أما عن الوحدة الإسلامية فيقول في ص. 245 “وما بد من كيان سياسي وثقافي موحد للمسلمين، حتى يستطيعوا أداء رسالتهم والقيام بحق الله عليهم، إلى جانب ما هو معروف من أن الإخاء الديني بين المسلمين، يسبق أخوة النسب، وأن الولاء للمعتقد فوق الولاء للنزعات العرقية والأرضية.” ويقول في نفس الصفحة بعد ترويج لنظرية المؤامرة على الإسلام “فلنقم للإسلام دولته الجامعة ولتعد إليه خلافته الضائعة، وليتعلم المسلمون من أخطائهم الماضية كيف يحترمون الصواب ويلتزمونه.”

وبهذا نستطيع القول أن الجناح الاخواني والمستقل للاسلام السياسي لا يسعى لإحياء الخلافة الاسلامية كنسخة طبق الأصل من النسخة القديمة، وذلك على خلاف الأجنحة السلفية والجهادية والداعشية من تيار الإسلام السياسي، ولكن يريد إدخال إصلاحات وتعديلات عليها تتفق وفكر وروح العصر بشرط عدم حدوث تناقض بين الفكر الحديث والنصوص الدينية الثابتة، وإلا ستكون الأولوية للنص. كما أنهم يعتمدوا فكرة أسلمة المجتمع من أسفل إلى أعلى، أكثر من اعتمادهم على العنف المسلح للاستيلاء على السلطة بشكل مباشر من أعلى. وسبيلهم إلى ذلك هو نشر أفكارهم بكل الوسائل الممكنة في المدارس والجامعات وأماكن العمل والنقابات والمساجد والجمعيات الخيرية ووسائل الاعلام، فيصبح الوصول للسلطة بعد ذلك سهلا سواء عن طريق الانتخابات كما حدث في مصر وغزة أو عن طريق الانقلاب العسكري كما حدث في السودان. وسنرى عندما نعرض لاحقا لرؤية محمد عبده للخلافة وطريقة الوصول إليها، مدى قرب أو بعد رؤيته من هذه الرؤية الإخوانية.

2- الإستبداد والحرية   

وفيم يتعلق بموقف هذا الجناح من تيار الإسلامي السياسي من الاستبداد فهو موقف يتصف بصفة عامة بالتناقض أو الإنتهازية، فهذا التيار مع الحرية والديمقراطية إذا كانت تحقق أهدافه في الوصول إلى السلطة، فإذا ما وصل إلى السلطة انقلب عليها وتحول إلى مستبد، كما نرى الأن في تركيا وغزة والسودان، إلا أن في بعض الأحيان ينحاز هذا التيار للاستبداد قبل حتى الوصول للسلطة من أجل تحقيق بعض المصالح والحصول على مكاسب من السلطة القائمة. 

فنجد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول، قد استخدم كلمة الاستبداد 5 مرات في مجموع رسائله، كانت كلها تتعلق بالعلاقات الدولية بمعنى سيطرة أمة على أمة أخرى، أى التبعية الممزوجة بالاستغلال، فلم يستخدمها أبدا بمعنى استبداد السلطة الحاكمة بالمجتمع. فيقول في رسالة إلى أى شيء ندعو الناس؟ عن أستاذية العالم والغزوات الإسلامية نافيا عنها الصفات السيئة ومنها الاستبداد ولكنه هنا استبداد أمة بأمة وليس الاستبداد السياسي داخل الأمة الواحدة “إذا لم يكن مخرجهم من ديارهم لجاه أو مال أو سلطة أو استعمار أو استبداد, و إنما كان لأداء رسالة خاصة هي رسالة نبيهم التي تركها أمانة بين أيديهم, و أمرهم أن يجاهدوا في سبيلها, حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله.” ويتحدث عن السياسية الخارجية في مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين قائلا: “ فإن أريد بالسياسة معناها الخارجي، وهو المحافظة علي استقلال الأمة وحريتها، وأشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلي الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديداً يفصل حقوقها جميعاً، ويوجه الدول كلها إلي السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي).. فإن الإسلام قد عني بذلك كل العناية وأفتي فيه بوضوح وجلاء، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب علي السواء، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه.”

فهو هنا يجعل من أهداف السياسة الخارجية المحافظة على استقلال الأمة وحريتها ووتخليصها من استبداد غيرها بها، فهو لا يتحدث عن حريات داخل الدولة واستبداد السلطة الحاكمة ولكن ما يمكن أن نقول عليه الاستقلال الوطنى، ويُكرر نفس المعنى الدولي وليس المحلي للاستبداد في رسالة دعوة للشباب بقوله “ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي فرقته السياسة الغربية وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية. ونحن لهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية ولا نسلم بهذه الاتفاقات الدولية، التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين، ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها.” ويقول في اجتماع رؤوساء المناطق ومراكز الجهاد ما يحمل نفس المعنى “ونعتمد علي هذه العهود والمواثيق التي قطعها الحلفاء علي أنفسهم ومنها ميثاق الأطلنطي، وتلك التصريحات والخطب، والكلمات والنشرات التي أعلنوا فيها شعوباً وحكومات، أنهم يحاربون في سبيل العدالة والتحرير ويريدون نصرة المظلومين وإنقاذ البشرية من العبودية والاستبداد، وإنشاء عالم جديد يقوم علي التعاون وكفالة الحريات والقانون والإنصاف.” ويردد المعنى ذاته في رسالة الجهاد قائلا “وأنت إذا قرأت وقائع الصحابة رضوان الله عليهم ومسالكهم في البلاد التي فتحوها، رأيت مبلغ عزوفهم عن المطامع والأهواء وانصرافهم لغايتهم الأساسية الأصلية، وهي إرشاد الخلق إلي الحق حتى تكون كلمة الله هي العليا ورأيت مبلغ الخطأ في اتهامهم رضوان الله عليهم بأنهم إنما كانوا يريدون الغلب علي الشعوب والاستبداد بالأمم والحصول علي الأرزاق.”

وفيما يتعلق بكلمة الحرية فقد ذكرها حسن البنا 27 مرة في مجموع رسائله، منها 5 مرات فقط بمعنى الحريات العامة والشخصية، أما باقى المرات فكانت في إطار الحديث عن التحرر من الاستعمار والسعى للاستقلال عنه. إلا أن هذه الخمس مرات لم تكن الحرية المطلقة كما يتصورها الليبراليين ولكنها حرية مقيدة بالأحكام الإسلامية، لأنه جاء على ذكر هذه الحرية في إطار أنها جزء من القيم الإسلامية وليست قيمة إنسانية في حد ذاتها وحق من حقوق الإنسان، فيقول في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان الإخوان المسلمون والدستور، “أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص في المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها, وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب و محاسبتهم على ما يعملون من أعمال, وبيان حدود كل سلطة من السلطات هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم.” ويذكر في رسالة من هم الإخوان المسلمون؟ تحت عنوان نحن والسياسية “وأما أننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل في نطاقه وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك، ونعتقد أننا لم نأت فيه بشيء جديد، فهذا المعروف عن كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة ونحن لا نعلم دعوتنا ولانتصور معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف. ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام، والإسلام لا يكتفي من المسلم بالوعظ والإرشاد ولكنه يحدوه دائما إلى الكفاح والجهاد”. ويكرر نفس المعنى في اجتماع رؤوساء المناطق ومراكز الجهاد تحت عنوان بين الوطنية والاجتماع “كل ذلك يا أخي جعلنا وقد قضينا سبعة عشر عاماً في الإعداد والاستعداد، وأفهمنا الناس فيها الأمر علي حقيقته، من أن السياسة والحرية والعزة من أوامر القرآن”، ويستمر في التأكيد على المعنى الإسلامي للحرية في رسالة قضيتنا الوطنية في ضوء التوجيه الإسلامي فيقول “والإسلام الحنيف يعلن الحرية ويزكيها، ويقررها للأفراد والأمم والجماعات بأفضل معانيها، ويدعوهم إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها”. وأخيرا يقول في رسالة اتجاه النهضة الجديدة في العالم الإسلامي “وقول المكره في الإسلام مردود عليه ولا يؤاخذ على عمله، فالدين الذي يعتبر العقل والحرية أساسا للاعتقاد والمسئولية لا يمكن أن يقال فيه إنه يقوم على السيف وينتشر به”.

أى أن الحرية عند حسن البنا هى حرية بالمعنى الإسلامي، حرية مقيدة بالقيود الإسلامية وليست مطلقة وتتطور بتطور المجتمعات. ولعل هذا ما يفسر مديح حسن البنا للملك عبد العزيز أل سعود مؤسس هذا النظام الديني المستبد في الجزيرة العربية ويعتبره أملآ للمسلمين ففي رسالة إلى أى شيء ندعو الناس؟ يقول تحت عنوان نظرة تاريخية في معرض ضرب الأمثلة على نهضة الأمم بعد ضعف “وفي التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك، فمن كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود، وقد نفيت أسرته وشرِّد أهله وسُلب ملكه، يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلاً، ثم يكون بعد ذلك أملاً من آمال العالم الإسلامي في إعادة مجده وإحياء وحدته؟”

كما دعم حسن البنا والإخوان المسلمين الملك فاروق ورجاله في مواجهة حزب الوفد الذي كان يمثل الغالبية العظمى من الأمة المصرية، وأخذوا موقف معادي من فكرة الأحزاب، فقد طالب حسن البنا على سبيل المثال بحل الأحزاب المصرية وإقامة تنظيم سياسي واحد فيقول في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان الإخوان المسلمون والأحزاب، وبعد أن هاجم الأحزاب “كما (أى الإخوان) طلبوا من جلالة الملك حل هذه الأحزاب القائمة حتى تندمج جميعا في هيئة شعبية واحدة تعمل لصالح الأمة على قواعد الإسلام” ويقول أيضا “وبهذه المناسبة أقول إن الإخوان المسلمين يعتقدون عقم فكرة الائتلاف بين الأحزاب, يعتقدون أنها مسكن لا علاج, وسرعان ما ينقض المؤتلفون بعضهم على بعض, فتعود الحرب بينهم جذعة على أشد ما كانت عليه قبل الائتلاف, والعلاج الحاسم الناجح أن تزول هذه الأحزاب مشكورة فقد أدت مهمتها وانتهت الظروف التي أوجدتها ولكل زمان دولة ورجال كما يقولون.” 

وفيما يتعلق باستخدام الملك فاروق لجماعة الاخوان المسلمين تقول د. لطيفة محمد سالم في ص.695 من كتابها فاروق وسقوط الملكية في مصر (1936 -1952) ” خضعت جماعة الإخوان المسلمين لنفس الظروف التي تعرضت لها جماعة مصر الفتاة في بداية عهد فاروق، فتمكن على ماهر من جذبها للقصر لتحقيق السياسة التي خططها للملك الجديد، وذلك بتعبئة القوى المضادة للوفد من ناحية، والإعداد للدور المنتظر بشأن إحياء الخلافة الإسلامية من ناحية أخرى، وفي الواقع فإن الإخوان المسلمين تفوقوا في أعدادهم وتنظيماتهم وسلوكهم وشخوصهم وقوتهم ومهارتهم عن أتباع مصر الفتاة، ومن ثم مثلوا عمقا اعتمد على جذور ثابتة وأصالة راسخة، وبالتالي كان الركون إليهم ثمرته المطلوبة التي تربص على ماهر لاقتطافها. ولم يتردد حسن البنا وجماعته من القيام بدورهم في التسويق للملك فتنقل د. لطيفة في كتابها مقال لحسن البنا في جريدة الإخوان المسلمين العدد 44 بتاريخ 9/2/1937 بعنوان حامي المصحف، يقصد بذلك الملك فاروق، فيحكي في المقال قصة لا نعلم مدى مصدقيتها عن الملك فاروق، فأثناء رحلة الملك للصعيد قام أحد المرافقيين للملك باخراج فص أثري وقال أنه يجلب له الحظ والخير، فقام أخر باخراج مفتاح وقال ان هذا ما يجلب له الحظ، فقام الملك فاروق باخراج المصحف وقال “إن هذا هو مفتاح كل خير عندي” ثم يخرج حسن البنا بنظرية عن الملك لكى يسوق له كخليفة للمسلمين “إذا كان قد ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه ، فإنه لا يخدم نفسه في الدنيا والأخرة فحسب ولكن يضمن لمصر حسن التوجيه ويحول بينها وبين العناد ويقيمها على أفضل المناهج ويسلك بها أقرب الطرق إلى الخير، وهو في الوقت نفسه يضمن ولاء 400 مليون من المسلمين في آفاق الأرض تشرئب أعناقهم وتهفوا أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حامي المصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنودا للمصحف، وأكبر الظن أن الأمنية الفاضلة ستصير حقيقة مائلة، وأن الله قد اختار لهذه الهادية العامة الفاروق، فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك”. 

ولم يكتفي الإخوان المسلمين بقياده حسن البنا في دعم الملك ضد حزب الوفد وباقي القوى الوطنية الممثلة لأغلبية الأمة المصرية بالمقالات والكلمات بل بالمظاهرات والدعم العملي أيضا. فكما يذكر الأستاذ فتحي سيد فرج في مقالة بالحوار المتمدن في 26/1/2016 بعنوان حتى لا ننسى: موقف الاخوان من القوى الوطنية “تصاعدت الحركة الوطنية خاصة بعد تكليف إسماعيل صدقى بتشكيل الوزارة فى 16 فبراير 1946، وفورا تشكلت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة فى 17 فبراير 1947 ودعت إلي اضراب عام يوم الخميس 21 فبراير للمطالبة بـ “الاستقلال التام أو الموت الزؤام” ولكن “الاخوان المسلمون” إتخذوا موقفا ضد الإضراب وطالبوا الجماهير بالانفضاض عنه، وخطب زعيمهم فى الجامعة، مصطفى مؤمن، داعما اسماعيل صدقى بقوله “وأذكر في الكتاب اسماعيل، انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا” ونهض الطلبة ردا عليه ” يسقط الاستعمار وعملاء الاستعمار”. هكذا لم يكن عند الإخوان المسلمين أى مشكلة في دعم الملك وإسماعيل صدقي الذي ألغى دستور 1923 أفضل دستور مصري حتى الآن، وكان شديد القمع حتى سماه المصريون “عدو الشعب”. ويذكر أيضا أ/فتحي فرج كيف عمل الاخوان بأوامر من الملك وإسماعيل صدقي على تفتيت جبهة الأحزاب الوطنية وهو المشهد الذي تكرر منهم مرة أخرى عام 2011، “وحاول صدقي ضرب اللجنة الوطنية للطلبة والعمال فلجأ إلي اصدقائه الإخوان كي يكونوا لجنة أخري، فشكلوا في 28 فبراير “اللجنة القومية العامة” وشاركهم فيها جبهة مصر وجماعة مصر الفتاة وحزب الفلاح الاشتراكي والحزب الوطنى وجمعية الشبان المسلمين وبعض شباب الأحرار الدستوريين والسعديين، ما أدى إل انقسام المجتمع المصرى إلى خندقين، خندق الثورة وعلي رأسه التيارات اليسارية والطليعة الوفدية، وخندق أعداء الثورة وعلي رأسه صدقي والسراي والاستعمار ومعه الإخوان ومن سار علي دربهم من قوي رجعية ومعادية للشعب، غير أن«اللجنة القومية العامة» انهارت وأعلن حلها وإفلاسها في 22 مارس 1946.”

وقد ظل هذا سلوك الإخوان المسلمين منذ تأسيسها حتى الآن، نقد الاستبداد والمطالبة بالحرية والديمقراطية نظرياً، أما عملياً فقد كانوا ومازالوا داعمين للإستبداد طالما حقق مصالحهم إن لم يكونوا في السلطة، أو كانوا هم أصحاب السلطة، ونستطيع ببساطة العودة للدستور الذي وضعه الاخوان المسلمون في مصر أثناء حكمهم الذي استمر لمدة عام، فنجد أوضح مثال على الدولة الدينية المستبدة في المادة 219 والتي تُعتبر مفصلة ومفسرة للمادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على مرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين ونص المادة “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، فى مذاهب أهل السنة والجماعة”.

من جانبه أفرد الشيخ الغزالي كتاب خاص للحديث عن الاستبداد بعنوان “الإسلام والاستبداد السياسي” حمل فيه على الاستبداد حملة شعواء وبرأ الإسلام منه براءة تامة تكاد تصل إلى حد تكفير الاستبداد، فيقول تحت عنوان الدين والاستبداد في ص. 17 “وسترى أن الإسلام والاستبداد ضدان لا يلتقيان، فتعاليم الدين تنتهي بالناس إلي عبادة ربهم وحده، أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية سياسية عمياء”. وبقول في ص.52 “وما كان يجوز للأمم الإسلامية أن تضع مقاليدها في أيدي الحاكمين بأمرهم، مهما ادعوا من مقدرة وذكاء، ذلك أنهم لن يكونوا أذكى عقولا وأنقى قلوباً من صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان سيد الزعماء يستشير من معه، وينزل عن رأيه إذا رأى الصواب مع غيره.” ويقول عن حرية العقيدة في ص. 93 “إن الإكراه لا يُكون العقائد، إنه على العكس ينفر منها ويسئ بها الظنون، وطبائع الأشياء ترسم للعقائد طريقاً يبدأ حتما من الحرية العقلية المطلقة.” إلا أنه يعود فيناقد نفسه في ص. 120 تحت عنوان الارتداد وحرية الرأى، ليدافع عن حد الردة وقتل من يترك الإسلام، ويكأنه يجعل من حرية العقيدة مثل الطريق الذي يسير في اتجاه واحد هو اتجاه اعتناق الإسلام فقط، وغير مسموح بالعودة عن هذا الطريق فيقول في ص. 122 “ويوم يتبين الهدى لرجل ثم تنزعه بواعث الهوى، ثم تسخره في حربه فلا جرم أن يقطع عنقه.”

ويسير الشيخ محمد الغزالي خلف الشيخ محمد عبده في تصوير الدولة الإسلامية بأن السيادة فيها للأمة كما فعل الشيخ محمد عبده وجعل الخليفة تابع للشعب كما بينت في الحديث عن موقف محمد عبده من العلمانية. فيقول الغزالي في كتاب 100 سؤال عن الإسلام ص.232 “والأمة الإسلامية – وقد بينا وظيفتها – مصدر السلطات التي تنشأ بين ظهرانيها، أعني أنها وحدها صاحبة الحق في اختيار الرجال الذين يلون أمرها وفي محاسبتهم على ما يقومون به من أعمال، وفي ذمهم أو الثناء عليهم، وفي معاقبتهم إن أساءوا، وفي عزلهم إذا شاءت.”

لم يكن الشيخ الغزالي أقل تناقضا من حسن البنا في الموقف من الاستبداد ففي الوقت الذي نقده بشده واعتبره نقيض الاسلام نراه في كتابته ومواقفه الفعلية يدعم الاستبداد ويؤيده طالما حمل راية الإسلام.

فنجده في كتابه الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر ص.108 يفرغ معنى “الأمة مصدر السلطات” التي جعلها من سمات الحكم الإسلامي في كتابه 100 سؤال عن الإسلام من مضمونها، فيقول “هل الأمة مصدر السلطة؟ قال بعض الناس: هذا كفر، والكلمة تعني سلب الدين حقه في التحليل والتحريم. وجعل ذلك إلى الشعوب يعني أن تضل إذا شاءت وتهتدي إذا شاءت..!! وكلمة {الأمة مصدر السلطات} عندما تعني هذا المفهوم مرفوضة جملة وتفصيلا. إن الله هو المشرع الفرد لعباده، وليس لنا أمام أمر الله ونهيه إلا السمع والطاعة”. ثم يبين في ص. 109 أن سلطة الأمة هى في حدود ما لم يرد فيه نص فيقول “والأقطار الإسلامية التي حاولت التقليد (يقصد الدساتير الأوروبية) عندما تجعل الإسلام دين الدولة، والفقه الإسلامي مصدر التشريع، فإن النقاش سيكون بعد ذلك في الشؤون الدنيوية، وفي المصالح المرسلة وفي تقويم أفعال الرجال تذكية أو بخسا، وتلك كلها لا حرج في تناولها، وكما قيل: لااجتهاد مع النص، وبعيداً عن دوائر النصوص تتفاوت الأنظار وتتعدد الآراء…”. أى أن الشيخ الغزالي يقول لنا ببساطة أن الأمة مصدر السلطات بما لا يخالف شرع الله.

كذلك، يمتدح الشيخ الغزالي في نفس الكتاب في ص. 130 الملك عبد العزيز ال سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة بينما يهاجم محمد علي باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة فيقول “عرفت أن الرجل (عبد العزيز) كان صوماً قواماً مقبلاً على ربه، راغباً في نصرة دينه، يتحرى الحق ويسأل عنه أهل الذكر… ويريد أن يُقيم دولة للإسلام تجمع ما تفرق من أمره، وتحميه من الخرافات والأباطيل.. وعرفت أنه كان متواضعا للناس، يبعثر فيهم ما يجنيه من مال، وكان المال يومئذ قليلا، لم يستكشف النفط بعد وتغزر موارده. وتأملت في مؤسسي الأسر المالكة التي ظهرت خلال القرنين الأخيرين فوجدت محمد علي باشا أقام ملكا عريضا بمساعدة فرنسا، وأنه حيث دخل بلدا كان ينقل القوانين الوضعية الفرنسية ويستبدلها بالقوانين الإسلامية. أما عبد العزيز فكان الهدف الأول والنداء الأول له إقامة الحكم الإسلامي، تطبق فيه تعاليم الكتاب والسنة.” فالغزالي هنا يفضل عبد العزيز على محمد علي ليس لأنه أكثر ديمقراطية من محمد علي باشا ولا لأنه يمنح الناس حقوقهم السياسية ولكن لأنه يطبق الحكم الإسلامي، فما كان عبد العزيز ديمقراطيا ولكن مستبدا أقام دولته على السيف ووحد الجزيرة بالقوة المسلحة بمساعدة الامبراطورية البريطانية وليس بالرغبة في العيش المشترك وحق تقرير المصير كما تقرر الديمقراطية.

ويأتي هذا الموقف متسقا مع موقفه من الرئيس السوداني جعفر النميري الذي أعلن تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية وإعلان نفسه إمام المسلمين في سبتمبر عام 1983،  ولقد ساعده في صياغتها وتنفيذها مجموعة من الإسلاميين على رأسهم الدكتور حسن الترابي  مراقب عام الإخوان المسلمين في السودان، وبسبب معارضة هذه القوانين قام نظام النميري باعدام المفكر السوداني محمود محمد طه عام 1985، وقد نقل موقف الغزالي وغيرة من قيادات الاسلام السياسي المصري ومفتي مصر الرسمي من قوانين سبتمبر الإسلامية د. فرج فودة في كتابه “قبل السقوط” وهو الكتاب الذي خصص فيه الفصل الرابع للحديث عن تجربة السودان الإسلامية في عصر النميري فيقول في ص. 116 نقلا عن الشيخ الغزالي “تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان كان الهاما جليلا من الله سبحانة وتعالي للمسئولين في السودان، وانهم بهذا المسلك الجديد احترموا عقائدهم وشعائرهم وشرائعهم وربطوا حاضرهم بماضيهم وامتدوا مع تراثهم العظيم ووقفوا أمام الغزو الثقافي وقفة صلبة وأحبطوا محاولات استعمارية خبيثة كانت تريد أن تجهز على مستقبل الأمة الإسلامية في هذه الأرض الطيبة، وأعتقد أن السودان لا يهنأ بشئ كما يهنأ بهذه المرحلة النقية الطيبة، التي جعلته يتخلص من وباء الأحكام الوضعية”.

وهكذا يتغاضى الشيخ الغزالي عن استبداد الرئيس النميري ويمتدح تجربته لأنها أعلنت القوانين الاسلامية وتخلصت من الأحكام الوضعية. وكان من ضمن المؤيدين والمباركين والمطالبين بقمع كل من يعارض هذه الخطوة، عمر التلمساني مرشد عام جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تملئ الدنيا ضجيجا للمطالبة بالحريات والديمقراطية، ولكنها عندهم حرية في اتجاه واحد، حريتهم هم وليس حرية المخالفين لهم. 

وقد تمادى الشيخ يوسف القرضاوي في نقد الاستبداد حتى جعله من علامات الساعة أو القيامة فيقول على موقعة الخاص على الانترنت تحت عنوان الاستبداد السياسي من علامات الساعة “ فإن من بين علامات الساعة الاستبداد السياسي، وأن يتولى الأمور من لا حق له فيها، ومن ليس أهلا لها، وأن يستولى على مقدرات الشعوب، وأن يكون السفلة هم أعالي الناس، وإن أخطر ما يصيب الأمة الانحراف في الحكم، فلا يُحكم بشرع الله، وأن يولي الحكام وجوههم شطر أعدائهم بدلا أن يولوها شطر ربهم، ويستتبع هذا ضياع للدين والدنيا معا، وإن كان الاستبداد السياسي ليس وليد الساعة، ولكنه سيكون بكثرة كاثرة في آخر أيام الدنيا.”

ونرى هنا بوضوح الربط بين الاستبداد وعدم الحكم بشرع الله والعمالة للدول المعادية للإسلام، ونرى أيضا خطأ تاريخي واضح يتعلق بتزايد عدد الدول المستبدة في آخر أيام الدنيا بينما المسار التاريخي للنظم السياسية يتجه نحو مزيد من الحريات والديمقراطية ويشهد العالم تزايد في عدد الدولة الديمقراطية في العالم خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. إلا أن يكون الشيخ يقصد بالدول المستبدة الدول التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية وليست الدول التي تلتزم بقيم وآليات الديمقراطية. ولعل فيما يذكره في في هذا المقال – الفتوى ما قد يشير إلى ذلك، حيث يقول:

– هذا الاستبداد خطر على الأمة في فكرها وفي أخلاقها، وفي قدرتها على الإبداع والابتكار

– الاستبداد اليوم أشد خطرا من قبل بمراحل ومراحل، مما أصبح في يد السلطة من إمكانات هائلة تستطيع بها أن تؤثر على أفكار الناس وأذواقهم وميولهم، عن طريق المؤسسات التعليمية والإعلامية والتثقيفية والترفيهية والتشريعية، وجلها ـ إن لم يكن كلها ـ في يد الدولة.

– ولكن الذي أؤكده أن الإسلام أول شيء يصيبه الأذى والضرر البالغ من جراء الاستبداد والطغيان. 

– ولولا الاستبداد الذي استخدم الحديد والنار، ما تمكنت العلمانية في تركيا من فرض سلطانها على التعليم والتشريع والإعلام والحياة الاجتماعية كلها، على الرغم من معارضة الجماهير الإسلامية الغفيرة، والتي لم يستطع الحكم العلماني بعد حكم ستين سنة أن يستأصل جذورها الإسلامية، أو يخمد جذوتها.

– إن الاستبداد ليس مفسدًا للسياسة فحسب، بل هو كذلك مفسد للإدارة، مفسد للاقتصاد، مفسد للأخلاق، مفسد للدين، مفسد للحياة كلها.

وهكذا نجد القرضاوي في حملته على الاستبداد قد ركز بشكل كبير على ضرر الاستبداد بالدين الاسلامي والدعوة الاسلامية وليس على ضرر الاستبداد بحرية الانسان وحقوقه وكرامته. كذلك تراه يربط بين الحرية وانتشار الاسلام، وكأن الهدف من الحرية هو نشر الإسلام وليس باعتبار الحرية قيمة في حد ذاتها، بل مجرد وسيلة لإنتشار الإسلام. وهنا يأتي السؤال ماذا لو انتشر الاسلام في دولة ما، هل تصبح الحرية غير ذات قيمة؟

ويدعم هذا الرأى العلاقات الوثيقة التي تربط الشيخ القرضاوي بكل من النظام القطري والنظام السوداني ونظام حكم حماس في غزة وكذلك دعمه القوي لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوجان بالرغم من عصفة بالحريات السياسية والاعلامية. كذلك، يمثل موقف الشيخ من الشيوعية موقف فاشي يقوم على وجهة نظر دينية إقصائية وليست وجهة نظر سياسية – اقتصادية، فنجد له فتوى في تحريم زواج المسلمة من شيوعي لأنه مارق ومرتد عن الاسلام يقول فيها “ ولو صح جدلاً أن شيوعيًا أخذ من الشيوعية جانبها الاجتماعي والاقتصادي فقط، دون أساسها الفكري العقائدي – كما خيل للبعض وهو غير واقع ولا معقول – لكان هذا كافيًا في المروق من الإسلام والارتداد عنه، لأن للإسلام تعاليم محكمة واضحة في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية ينكرها النظام الشيوعي إنكارًا، كالملكية الفردية والميراث والزكاة، وعلاقة الرجل بالمرأة . . . إلخ . . وهذه الأحكام مما علم بالضرورة أنه من دين الإسلام، وإنكاره كفر بإجماع المسلمين.” ويكمل قائلا “ إن الشيوعي الذي عرفت شيوعيته يعتبر في حكم الإسلام مارقًا مرتدًا زنديقًا، فلا يجوز بحال أن يقبل أب مسلم زواجه من ابنته، ولا أن تقبل فتاة مسلمة زواجها منه وهي ترضى بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن إمامًا. وإذا كان متزوجًا من مسلمة وجب أن يفرق بينه وبينها، وأن يحال بينه وبين أولاده، حتى لا يضلهم، ويفسد عليهم دينهم وإذا مات هذا مصرًا على مذهبه فليس بجائز أن يغسل، أو يصلى عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين.” بل ويطالب بقتل الشيوعيين “وبالجملة يجب أن تطبق عليه في الدنيا أحكام المرتدين والزنادقة في شريعة الإسلام، وما ينتظره من عقاب الله في الآخرة أشد وأخزى”.

وبهذا نستطيع القول أن الديمقراطية عند الشيخ القرضاوي هى ديمقراطية الإسلاميين فقط، فكل مخالف لأفكاره وأفكار اخوانه من الإسلام السياسي، هى بمثابة كفر وارتداد عن الاسلام تستوجب القتل، وكل حاكم يحكم بالشريعة الإسلامية أو يحقق مصالح تيار الإسلام السياسي هو حكم ديمقراطي وإن قتل وعذب واعتقل وسجن واحتكر السلطة.

أما موقف د. محمد عمارة من الإستبداد والديمقراطية فلم يختلف كثيرا عن مواقف باقي الكتاب ورجال الدين من أعضاء التيار الإسلامي الإخواني، حيث أسس لرفضه للإستباد على أساس إسلامي وليس على أساس إنساني إنتصارا لحقوق الانسان وحرياته. فيقول في مقدمته لكتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي “إن لعنة الاستبداد قد مثلت {أم الكبائر} على امتداد صفحات تاريخ الأمم والشعوب والحضارات..” ولهذا عندما تناول موضوع الديمقراطية لم يتناولها من منظور فلسفي أو قانوني أو سياسي ولكن من منظور إسلامي فأفرغها من مضمونها لكى تتوافق في النهاية مع مفهوم الشوري الإسلامي، وهو مفهوم مختلف عليه بين تيار الإخوان المسلمين والتيار السلفي، حيث يقترب مفهوم التيار الإخواني والحداثي من ما يمكن ان نطلق عليه “ديمقراطية بما لا يخالف شرع الله”.

فيقول عمارة في مقالة الشورى الإسلامية .. والديمقراطية الغربية المنشور بمجلة الديمقراطية التابعة لمؤسسة الأهرام الحكومية “ وإذا كان البعض يضعالشورىالاسلامية بديلا للديمقراطية، فإن النظرة الاسلامية الموضوعية والفاحصة للعلاقة بين الشورى والديمقراطية تنفى تناقضهما بإطلاق.. أو تطابقهما بإطلاق وتزكى التمييز بينهما على النحو الذى يكشف مساحة الاتفاق ومساحة الاختلاف بينهما.” وبالرغم من أنه إدعى توافق آليات الديمقراطية الغربية مع آليات الشورى الإسلامية، وأن آليات الديمقراطية هى تطوير لآليات الشورى قائلا “ فمن حيث الآليات والسبل والنظم التى تحقق المقاصد والغايات من كل من الديمقراطية والشورى، فإنها تجارب وخبرات إنسانية ليس فيها ثوابت مقدسة.. عرفت التطور فى التجارب الديمقراطية، وتطورها وارد فى تجارب الشورى الإسلامية، وفق الزمان والمكان والملابسات .. والخبرة التى حققتها تجارب الديمقراطية فى تطور الحضارة الغربية ، والتى أفرزت النظام النيابى، والتمثيل عبر الانتخابات هى خبرة غنية وثروة إنسانية، لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إنها تطوير لما عرفته حضارتنا الاسلامية ومبكرا من آلياتالبيعة وتجاربها“. إلا أنه في جزء سابق من المقال في معرض شرحه للشورى نجده قد نسف آليات الديمقراطية، بحصره لنواب الأمة في من يعرفون الشريعة، أى ببساطة رجال الدين، وأنهم من يختار الحاكم وليس الأمة فيقول “ وهذه الأمة تختار ممثليها العارفينبالواقعو”بالشريعةمعا .. وهم أهل الاختيار، الذين يختارون رأس الدولة الإسلامية.. وكذلك أهل الحل والعقدأى أهل الشوكة والرأىالذين يحفظون اتساقالواقعمعالشريعةبتطويرالقانونفقه الفروعليواكب الواقع الجديد.. وبتطويعالواقعكى لا يخرج عن الحلال والحراماللذين هما حاكمية الله-“. أم وجه الخلاف بين الديمقراطية والشورى فقد حاول عمارة التقليل من شأنه واعتباره مجرد “جزئية” بالرغم انها تمثل فلسفة الديمقراطية وبدونها لا يمكن إلا الحديث عن اختلاف تام وربما تضاد بين الديمقراطية والشورى ألا وهى مفهوم سيادة الأمة، هذا المفهوم الذي يمثل حجر الزاوية للديمقراطية وبدونه لا يكون للديمقراطية وجود، ولكن أى شكل أخر من الحكم سواء ثيوقراطي، أو أوليجاركي، أو أتوقراطي، وعندما نقرأ ما يقوله عمارة حول هذا الفرق بين الديمقراطية والشورى، سنجد أنه في الحقيقة يؤسس لنظام ثيوقراطي باسم الشورى، فيذكر “أما الجزئية التى تفترق فيها الشورى الإسلامية عن الديمقراطية الغربية فإنها لاتكاد تعدو الخلاف حول: لمن السيادة فى التشريع ابتداء؟؟.. فالديمقراطية تجعلالسيادةفى التشريع ابتداء للشعب والأمة.. إما صراحة.. وإما فى صورة ما سماه بعض مفكريهابالقانونالطبيعى، الذى يمثل بنظرهم أصول الفطرة الانسانية“. فالسيادة، وكذلكالسلطةفى الديمقراطية هى للإنسانالأمة والشعب.. أما فى الشورى الاسلامية، فإنالسيادةفى التشريع ابتداء، هى لله، سبحانه وتعالى، تجسدت فىالشريعةالتى هىوضع إلهىوليست إفرازا بشريا ولا طبيعيا.. وما للإنسان فىالتشريعهى سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية، والتفصيل لها، والتقنين لأصولها، والتفريع لكلياتها، وكذلك لهذا الإنسان سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوى، شريطة أن تظلالسلطة البشريةمحكومة بإطار الحلال والحرام الشرعى، أى محكومة بإطار فلسفة الإسلام فى التشريع“.

3- الوطنية والمواطنة

الوطنية بمفهومها العلماني هو شعور عاطفي يربط الإنسان بأرض وأفراد ورموز الوطن، يجعله يدافع عن أمنه القومي ويسعي لتحقيق مصالحه القومية، وينشأ هذا الشعور من إحساس الفرد بأنه مواطن كامل المواطنة لا يتم التمييز ضده على أساس عقائدي أو عرقي أو جنسي أو طبقى أو أيدولوجي أو توجهات جنسية، وهو ما يولد لدى المواطنين المتساويين في الحقوق والواجبات الرغبة في العيش المشترك على أرض الوطن الواحد.

لذلك يقول أبو القومية المصرية الأستاذ أحمد لطفي السيد “أعنى أن الحقوق الوطنية في مصر هي لمن يعترف له القانون بالمصرية، دون غيره من سائر الأجناس”. ولذلك، لم ترتبط القومية المصرية في يوم من الأيام بعرق أو دين ما، بل لقد قامت نهضة مصر الحديثة على أكتاف المصريين والمتمصرين معا، سواء من كانوا من أصول أرمنية أو شامية أو عراقية أو أوروبية أو يهودية أو غيرها من الأعراق والمعتقدات، فكل من يحمل الجنسية المصرية هو مصري له كافة الحقوق وعليه كافة الواجبات.

أما عند التيارات الإسلامية فالأمر يختلف، حيث تكون العقيدة الإسلامية هى أساس الإنتماء والولاء، والمصالح هى مصالح الأمة الإسلامية بغض النظر عن أى حدود أو اختلافات في ظروف الزمان والمكان، والخطر هو ما يتهدد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وما يهدد إستقلال ووحدة الأراضي الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلي فرغانة.

فيقول حسن البنا تحت عنوان حدود وطنيتنا في رسالة دعوتنا “أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية, فكل بقعة فيها مسلم يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره, و كل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم و نحس بإحساسهم.” ويقول أيضا تحت عنوان أفق الوطن الإسلامي في رسالة إلى أي شيء ندعو الناس؟ “ أما الثمرة الثانية: فإن الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض, فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم، قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام علي كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها فكان من ذلك أن أتسع أفق الوطن الإسلامي وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المبادئ السامية والعقائد الخالصة الصحيحة، والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونوراً, والإسلام حين يشعر أبناءه بهذا المعنى ويقرره في نفوسهم يفرض عليهم فريضة لازمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين, وتخليصها من غصب الغاصبين، وتحصينها من مطامع المتعدين.”

وبهذا فعندما يذكر حسن البنا كلمة الوطن فهو لا يعني الوطن بمعنى الدولة القومية الحديثة أو الدولة-الأمة، ولكن يقصد كل أرض يقطنها المسلمون حتى لو كان مسلم واحد، ولهذا ليس من المستغرب أن يصرح بعد ذلك مرشد الإخوان محمد مهدي عاكف تصريحه الشهير لصحيفة روزاليوسف في 9 إبريل 2006، «طز في مصر.. وأبو مصر.. واللي في مصر…» والذي صرح فيه أيضا عندما سأله محرر «روز اليوسف» قائلاً: «لو أن الذي يحتل فلسطين مسلمون من آسيا مثلاً وليسوا يهود صهاينة فما هو موقفكم؟ (يقصد الجماعة)»، رد عليه «عاكف: «مفيش حاجة اسمها مسلمين يحتلون مسلمين»، وأردف: «الاحتلال له معنى آخر غير ما تقوله، أنت تعتبر الخلافة احتلالاً، لو خليفة من ماليزيا حكم مصر لا يكون محتلاً، المسلمون لا يحتلون بعضهم البعض، لأن يدهم واحدة في العالم كله». ولعل في هذه الرؤية للوطن والوطنية والاحتلال ما يفسر لنا صمت جماعة الإخوان المسلمين على الاعتداءات التركية على الأكراد، أو السعودية على اليمن، بينما يقيموا الدنيا ولا يقعدوها إذا اعتدت إسرائيل على الفلسطينيين. 

أما الشيخ محمد الغزالي فقد ذهب في موقفه المناهض للوطن والوطنية إلى حد التكفير. فيقول في ص.87 و88 من كتاب حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي “ولكن العصور الحديثة طورت هذا المعنى الساذج، وجعلت الوطنية ولاء للتراب، وعبادة له، وقياما بحقوقه، وتفانيا فيه، والعمل به. أى جعلت الوطنية إلها والتعلق به عبادة، وضخمت المشاعر الإنسانية حول هذا المحور المسحور بحيث ابتعلت علاقات الناس بدينهم، فإذا لم تفلح في إزالتها افلحت في تأخير رتبها، وإخفاء الكلام عنها، وإماتة أحاكمها ووصاياها. وهذا الضرب من الوثنية ينكره الإسلام أشد الإنكار، إن ارتفاق (انتفاع) البشر من مكان لا يطوع لهم عبادة هذا المكان، وقد كان قدماء المصريين غافلين عندما عبدوا نهر النيل لطول ما ينتفعون منه.” ثم يربط الغزالي مفهوم الوطنية بالدين والولاء للوطن بالولاء للعقيدة وتطبيق شرائعها فيقول “والمعروف عند أولى الألباب أن الأرض ملك الإنسان وليس الإنسان ملك الأرض، وأن المرء قد يخسر هذه الأرض التي يعيش عليها في ظروف الحرب، وساعات الهزيمة، ولكنه يستعيدها ليحيا فوقها كما تشاء له مثله العليا، لا كما تشاء له الصخور والرمال، أو المياه والأزهار. في أى بلد نوجد، وعلى أى أرض نحيا، ليس لنا إلا رب واحد هو الله جل شأنه،….. وولاؤنا النفسي، وسلوكنا العام، ينبجسان من هذا الايمان السماوي المحض.”

حاول الشيخ يوسف القرضاوي في كثير من كتاباته التوفيق بين مفهوم الوطن الحديث حيث الانتماء للأرض والمجتمع دون تمييز على أساس العقيدة أو أى أساس أخر، وبين مفهوم الوطن الإسلامي حيث الولاء والإنتماء للعقيدة، إلا أنه فشل في الوصول لهذا الهدف، فالانتماء لدوائر كثيرة لابد أن يؤدي إلى تعارض فيما بين بعض هذه الدوائر عند لحظة ما، وهنا يصبح السؤال لأى الدوائر سينحاز الفرد، للأرض والمجتمع الذي ولد ونشأ واستفاد منه، أم للعقيدة التي ورثها عن عائلته لحظة الميلاد أو اعتنقها في لحظة ما؟ وكانت إجابة القرضاوي واضحة وصريحة “للإسلام”، فالانتماء للدين مقدم على الانتماء للوطن أو العرق أو أى إنتماء أخر، وبهذا ينتهي القرضاوي إلى ما انتهى إليه حسن البنا والغزالي من أن الوطن هو أرض الإسلام والأمة هى الأمة الإسلامية فيقول في بحثه الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشرعية ص. 24 “هذا الإنتماء وهذا الولاء الآخر، هو لله ولرسوله وللأمة التي تشاركه هذه العقيدة. فبعد أن رضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا: أصبح الإسلام مصدر اعتزازه، ومحور ولائه، وأساس انتمائه، وغدت أمة الإسلام أهله وإخوانه.” ويكمل في ص. 25 “وأمست (دار الإسلام) هى وطن كل مسلم، وإن تباعدت داره، وقد عبر الإسلام عنها بهذا اللفظ (دار الإسلام)، وإن كانت هى في الحقيقة ديارا وأوطانا، ليشعر المسلم بوحدة الدار. وأصبح ولاء المسلم لهذه الأمة الكبرى: أمرا مسلما، وهو يعتبر من مقتضيات الإيمان” ثم يكمل “وولاء المسلم لأمته الكبرى يفرض عليه أن يذود عن حماها، ولا يسمح لأحد أن يعتدي عليها، أو يستولي على شيء من أرضها، أو ينتهك حرمة من حرماتها، أو يهين كرامة بعض أبناءها.”

ويؤكد الشيخ القرضاوي على هذا المعنى في مقالة له على موقعه الرسمي بعنوان إشكالية الوطن والوطنية والمواطنة “وبهذا تحلُّ هذه الإشكالية من داخل الفقه الإسلامي، دون الحاجة إلى استيراد مفهوم المواطنة من سوق الفكر الغربي. فإن هذا المفهوم المستورد قد يحلُّ مشكلة الأقليَّات الدينية من مسيحية ويهودية ومجوسية ونحوها، ولكنه ينشئ مشكلة عند المسلم، إذ يفرض عليه الانفصال عن انتمائه الديني، وولائه الديني. وهو أمر يدخل في الفرائض، بل ربما في العقائد.” ويؤكد مرة أخرى على  التمسك بالفقه الإسلامي والتمييز بين المواطنين على أساس ديني فيطالب بالتخلص من كلمة جزية وذمة مع الاحتفاظ بمضمونها، قائلا: “ولهذا يلزمنا فقها: أن نقرِّر فكرة المساواة بين أبناء دار الإسلام على أساس مبدأ: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. ولا تمييز إلا فيما تقتضيه طبيعة الخلاف الديني. ولا بد من حذف كلمات ومصطلحات تاريخية من قاموس التعامل المعاصر، مثل كلمة (ذمَّة) و(أهل ذمَّة) التي لم يعُد يقبلها غير المسلمين. فلم يتعبَّدنا الله بهذه الكلمات، وقد حذف عمر ما هو أهم منها، حين اقتضت المصلحة العليا ذلك، فحذف كلمة (جزية) حين طلب منه ذلك نصارى بني تغلب، وقالوا: إننا قوم عرب، ونأنف من كلمة (جزية)، ونريد أن نأخذ ما تأخذ منا باسم (الصدقة). ورضي منهم ذلك، معتبرا أن العبرة بالمسمَّيات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين.”

ويتسق موقف د. محمد عمارة من الوطن والمواطنة مع موقف باقي تيار الاخوان المسلمين، ففي كتابه الدولة الاسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية، يخصص عمارة فصل للحديث عن الحروب الوطنية، يبدأه بتمجيد الوطن والوطنية ويعتبرها من صميم الدين وأن القتال دفاعا عن الوطن هو قتال في سبيل الله، إلا أنه عندما يبدأ في تأصيل هذه الفكرية إسلاميا يحول الوطن إلى وطن المسلمين، والأرض إلى أرض المسلمين، والمواطنين هم المسلمين. فيقول في ص. 125 “فالذين يخرجون المسلمين من أرضهم وينتزعونهم من ديارهم ويقتلعونهم من أوطانهم هم أعداء الله، كما هم أعداء لهؤلاء المسلمين أصحاب القضية الوطنية، بل إن تكافل الأمة الإسلامية ووحدتها العضوية حول المعتقد، ومن ثم حول المنطلقات والمقاصد والغايات، إن هذا التكافل يفرض على كل أبنائهاأن يقفوا موقف العداء من أية قوة تخرج أى جماعة مسلمة من وطنها.. والإخراج من الوطن هنا لا يعني التهجير الاضطراري فحسب، بل يشمل عزل المسلمين عن أن تكون لهم السيادة الفعلية والفعالة في أوطانهم، لأنه إخراج لهم من ديارهم حتى ولو كانوا بأجسادهم فيها يعيشون..إن أى قوة تصنع ذلك بأة جماعة مسلمة، بل بأى مسلم ولو انفرد، هى عدوة لله، لأن الإسلام قد رفع العداء في القضية الوطنية إلى مرتبة العداء لله، كما جعل القتال في سبيلها قتالا في سبيل الله. والله سبحانة قد نهانا أن نصادق أعداءنا في الوطنية، فليس لهم عندنا مودة أو موالاة أو نصر بأى حال من الأحوال.” 

نلاحظ هنا، أن رغم تكرار محمد عمارة لكلمة الوطن والقضية الوطنية، فهو في الحقيقة يتحدث عن وطن وأرض وديار المسلمين وليس وطن كل المواطنين سواء مسلمين أو غير مسلمين، ولذلك نجد أنه لم يذكر كلمة المواطنين ولو لمرة واحدة، فهو يتكلم عن اخراج المسلمين وليس المواطنين من ديارهم، وكأن اخراج غير المسلمين من ديارهم ليس عداء للوطن، ويجعل ظلم المسلمين وليس المواطنين ومنعهم من ممارسة حقوق السيادة مساوي للإخراج من الوطن، وكأن منع غير المسلمين من ممارسة السيادة على وطنهم أمر طبيعي ولا يناقض الوطنية، كما يلاحظ أيضا أن د. عمارة لم يضع احتمال أن يكون الغازى والطارد للمواطنين مسلمين وغير مسلمين هو نفسه مسلم، وهو ما يؤكد على وحدة فكر هذا التيار على أن استيلاء مسلمين على أى بلد ذات أغلبية مسلمة لا يعد احتلالا، ولهذا لم يضعه د. عمارة كسيناريو محتمل، فالاحتلال الذي يستوجب المقاومة هو غير الاسلامي فقط.

وبهذا نرى أن موقف هذا الجناح من تيار الإسلام السياسي من الخلافة والاستبداد والوطن والمواطنة يتفق في الرؤية والهدف بإحياء الخلافة وان كانت بشكل أكثر حداثة، وأنهم ضد الاستبداد العلماني فقط وليس في المطلق ومع الديمقراطية الإسلامية فقط، كما أنهم يتفقوا على أن الوطن هو كل أرض يسكنها مسلمين وأن المواطنة هى مواطنة المسلمين فقط. ويلاحظ أن هذا الموقف لا يختلف كثيرا عن موقف الجناح السلفي أو الجهادي من الاسلام السياسي اللهم الا في بعض التفاصيل تتعلق بالنقل الحرفي أو المعدل من التاريخ الاسلامي، والتمسك أو عدم التمسك ببعض المصطلحات.

والآن ننتقل للتعرف على موقف الشيخ محمد عبده من هذه القضايا الثلاثة الخلافة والاستبداد والوطن، ومدى توافق أو عدم توافق رؤيته مع التيار الإخواني والحداثي والوسطي داخل الاسلام السياسي

محمد عبده والخلافة الإسلامية 

وجه الشيخ محمد عبده الكثير من الانتقادات للدولة العثمانية وللأتراك والشركس، حتى أنه جعلهم أحد أسباب تأخر المسلمين في مناظرته لفرح أنطون حول العلمانية، ما جعل البعض يستنتج من ذلك أن الشيخ قد تخلى عن فكرة الجامعة الإسلامية بعد انفصاله عن جمال الدين الأفغاني بعد الخلاف بينهما حول الاختيار بين سلوك طريق الثورة كما يرى الأفغاني أم سلوك طريق الإصلاح التدريجي كما يرى محمد عبده وصولا لتحقيق النهضة الاسلامية، وهو الطريق الذي تبناه حسن البنا لاحقا.

إلا أن المدقق في كلام الشيخ محمد عبده سيرى بوضوح أن عبده كان ينقد طريقة حكم العثمانيين من أجل تحسين أحوال الخلافة الاسلامية وتجديد شبابها وليس من أجل التخلص منها أو القضاء عليها.

فيقول في الجزء الأول من الأعمال الكاملة متحدثا لتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا حول الحرب بين الدولة العثمانية واليونان عام 1897 في ص. 864 بعد أن تحدث عن تمنى كثير من وجهاء المصريين لهزيمة العثمانيين أمام اليونانيين “وأنا أيضا أكره أعمال السلطان، فإن جبنه الخالع وهؤلاء المشايخ الذين قربهم وسلطهم، ولاسيما الشيخ أبي الهدى فإن شأنهم وشأنهم كذا وكذا. لكن لا يوجد مسلم يريد بالدولة (العثمانية) سوءاً، فإنها سياج في الجملة، وإذا سقطت نبقى نحن المسلمين كاليهود، بل أقل من اليهود، فإن اليهود عندهم شيء يخافون عليه ويحفظون به مصالحهم وجامعتهم، وهو المال، ونحن لم يبقى عندنا شيء، فقدنا كل شيء”. فالشيخ يرى هنا أن لا وجود للمسلمين بدون دولة الخلافة وأنها ان ذهبت ذهبوا، وأصبحوا في شتات مثل الشتات اليهودي.

وينقل عنه تلميذه في هامش نفس الصفحة تعليقة على محاولات السلطان عبد الحميد الإصلاحية في مواجهة أوروبا “لا يرجى منه أدنى فائدة للمسلمين لجهل السلطان وجهل رجاله بمعنى الخلافة وبالوسائل التي يمكن بها إحياء منصبها والإنتفاع به.” ويقول الشيخ رشيد رضا عن موقف أستاذه محمد عبده من العثمانيين “أنه [الأستاذ الإمام] كان يرى السكوت عنه (أى الخليفة) وعنهم (أى المحيطين بالخليفة)، وأن مشايعتهم غش للمسلمين وجناية على الإسلام، ومقاومتهم فتنة وتفريق بين المسلمين.”

يتبنى هنا الشيخ محمد عبده منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الخليفة الظالم الفاسد وهو عدم الركون إليه والتعاون معه، ولكن في نفس الوقت عدم الاصطدام به، فمعارضة الحاكم في الفكر السُنى هى مصدر فتنة وفرقة وليست طريقة رقابة ومحاسبة للحاكم كما في الفكر الحديث.  

أما في صفحة 867 من الجزء الأول، فيربط الشيخ محمد عبده بين الإصلاح الديني وإصلاح نظام الخلافة قائلا “إن ما يحتاجه الكيان السياسي الإسلامي ليس مجرد الإصلاحات، وإنما الإصلاح الديني الصحيح. أما الخلافة فلابد من إعادة إقامتها على أساس روحي أكبر. إن الممارسة الشرعية لسلطة الخلافة تتيح حافزا للتقدم الثقافي. وإن قليلين ممن حملوا لقب الخليفة على مدى قرون كانوا يستحقون القيادة الروحية للمؤمنين. فبيت آل عثمان لم يعن بالدين طوال مئتى سنة، ولم يعد يطالب بأى ولاء خارج السيف. وقد كانوا ومايزالوا أقوى أمراء المسلمين، وأقدرهم على خدمة الصالح العام، ولكن ما لم يتحمسوا لأخذ وضعهم بجدية فسوف يسعى الناس شرعاُ إلى أمير مؤمنين جديد. ولا شك أن الأمر يتطلب أساسا سياسيا جديدا على وجه الاستعجال، من أجل الحاجات الروحية للمسلمين.”

وهذا النص يعبر بقوة عن الأساس الذي يقوم عليه فكر محمد عبده السياسي وهو رفض فصل الدين عن السياسة، ففى هذا النص يربط عبده بين إصلاح الخلافة والحاجات الروحية للمسلمين، وهى الفكرة التى مازالت تجد صداها في فكر جماعة الاخوان المسلمين والإسلاميين المستنيريين الذين يروا في الممارسة السياسية أحد العبادات، فالذهاب لصندوق الانتخابات هو إدلاء بالشهادة التي حث عليها القرآن وحرم كتمانها، وغياب الحكم الإسلامي هو المنكر الأكبر الذي يجب تغييره، في خلط واضح بين ما هو روحي وما هو سياسي. كذلك، نرى محمد عبده في هذا المقطع يعيب على الخلافة العثمانية أخر مئتى سنة فقط وهى الدولة التى تولت الخلافة على مدار 600 عام، فهو ينقد 200 سنة من 600 سنة.

وهذه الرؤية للخلافة العثمانية هى ما جعلت محمد عبده يرفض تأسيس دولة عربية تنافس الدولة العثمانية رغم كراهيته للأتراك وانحيازه للعرب، ولكن خوفه من الفتنة جعلته يرفض الفكرة. فيقول في الجزء الأول من الأعمال الكاملة ص. 869 “وجد رجل مستشرق (ألفريد سكاون بلنت) أحب العرب وساح في بلادهم وأختبر حالهم، فظهر له أن أخلاقهم في بلاد نجد شريفة لم تفسد، واستعدادهم عظيم، فتوجهت رغبته إلى السعى لمساعدتهم على تاليف دولة عزيزة تجدد الحضارة العربية، وأراد جمع المال الذي يمهد السبيل ويهيء الوسائل لذلك. واستشاراني في هذا الأمر، فقلت له: إن العرب أهل ذلك، ولكن الترك لا يمكنونهم منه، وعندهم من القوة العسكرية المنظمة ما ليس عندهم، فإذا شعروا بذلك أو رأوا بوادره قاتلهم، حتى إذا وهنت قوة الفريقين وثبت دول أوروبا الواقفة لهما بالمرصاد، فاستولوا على الفريقين أو على أضعفهما، وهذان السعبان هما أقوى شعوب الإسلام، فتكون العاقبة إضعاف الإسلام وقطع الطريق على حياته. فقنع الرجل وترك ما كان عزم عليه.” فهنا محمد عبده يعلن عن أولويته الأولى وهى وحدة وقوة المسلمين أولاً، وأنه على استعداد لتقبل فساد واستبداد الأتراك الذي نقده كثيرا، إذا كانت معارضة ومقاومة هذا الاستبداد والفساد تؤدي إلى صدام مسلح بين العرب والترك يؤدي إلى ضعف المسلمين.

إذاً، كان محمد عبده من أخلص الناس لفكرة “الخلافة الإسلامية” ولم يكن نقده لسلوك الأتراك العثمانيين إلا حباً في أن تصل هذه الخلافة إلى الإقتراب من الشكل المثالي في القرون الثلاثة الأولى التي كان كان محمد عبده يعتبرها النموذج الأمثل للإسلام، وبالتالي فهو في الحقيقة المؤسس الفعلي لفكر جناح الاخوان المسلمين والإسلاميين المستقليين من التيار الإسلامي المؤمن بالخلافة الإسلامية ولكن بعد إدخال إصلاحات على نظامها تتوافق مع العصر الحديث.

وهذا ما يأخذنا إلى موفقه من الديمقراطية والحرية والاستبداد، وهو ما يجعلنا نعرض لفكرته التى اعتنقها ودافع عنها كثيرا وهى المستبد العادل.

محمد عبده والمستبد العادل

فقد كتب محمد عبده مقاله بعنوان “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل” والمنشور في الجزء الأول من الأعمال الكاملة ص. 845، وهو مقال يطالب فيه برجل مستبد يقوم بمهمة تربية وإعداد الناس وإجبارهم على ما هو خير لهم، لمدة 15 عام يمنح بعدها الحرية للمجتمع بالتدريج فيقول “يكفي لإبلاغهم غاية لا يسقطون بعدها خمسة عشر سنة، وهى سن مولود لم يبلغ الحلم، يولد فيها الفكر الصالح وينمو تحت رعاية الولي الصالح، ويشتد حتى يصرع من يصارعه، خمسة عشرة سنة يثني فيها أعناق الكبار إلى ما هو خير لهم ولأعقابهم، ويعالج ما اعتل من طباعهم بأنجح أنواع العلاج، ومنها البتر والكى إذا اقتضت الحال، وينشئ فيها نفوس الصغار على ما وجه العزيمة نحوه، ويسدد نياتهم بالتثقيف، يتعهدها كما يتعهد الغارس شجرة بضم أعواد مستقيمة إلى سوقها لتنمو على الاستقامة. خمس عشرة سنة تحشد له جمهورا عظيما من أعوان الإصلاح، من صالحين كانوا ينتظرونه، وناشئين شبوا وهم ينظرونه، وآخرين رهبوه فاتبعوه، وغيرهم رغبوا في فضله فجاروه.” ويختم المقال بقوله “هل يعدم الشرق كله مستبداً من أهله، عادلاً في قومه، يتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرناً؟”

وفي مقال أخر بعنوان “السلطة للصفوة المستنيرة” ص 343 يقول فيه “ليس من الحكمة أن تعطى الرعية ما لم تستعد له، فذلك بمثابة تمكين القاصر من التصرف بماله قبل بلوغ سن الرشد، وكمال التربية المؤهلة والمعدة للتصرف المفيد.” ويضيف “إن المعهود في سير الأمم وسنن الاجتماع أن القيام على الحكومات الاستبدادية وتقييد سلطتها وإلزامها الشورى، والمساواة بين الرعية إنما يكون من الطبقات الوسطى والدنيا، إذا فشا فيهم التعليم الصحيح والتربية النافعة وصار لهم رأى عام… إنه لم يعهد في أمة من أمم الأرض أن الخواص والأغنياء ورجال الحكومة يطالبون مساواة أنفسهم بسائر الناس وإزالة امتيازاتهم واستئثارهم بالحباة والوظائف بمشاركة الطبقات الدنيا لهم في ذلك، فكيف حصل في هذه المرة، ومن أهل هذا المجتمع؟” ثم ينتقد بشده قيادات الثورة العرابية بسبب كونهم من الخواص والأغنياء بينما يطالبوا بالحريات والمساواة قائلا “هل تغيرت سنة الله في الخلق، وانقلب سير المجتمع الإنساني؟! أم بلغت فيكم الفضيلة حداً لم يبلغ إليه أحمد من العالمين حتى رضيتم واخترتم عن روية وبصيرة أن تشاركوا سائر أمتكم في جاهكم ومجدكم؟! وتساووا الصعاليك حباً بالعدالة والإنسانية؟! أم تسيرون إلى حيث لا تدرون، وتعملون بما لا تلعمون؟!”

وهنا نجد محمد عبده يطالب بكل وضوح وصراحة بحاكم مستبد على أن يكون عادلا، يقود الأمة نحو النهضة والاصلاح أولا والحريات لاحقا وبالتدريج، معتبرا أن الأمة مثل الطفل القاصر الذي يحتاج إلى وصي على شؤونه، يقوم بتربيته وتعليمه حتى إذا ما بلغ سن الرشد استطاع أن يدير شؤونه بنفسه. إلا أن محمد عبده لم يحدد بشكل واضح مواصفات هذا المستبد العادل، فقط ما نستطيع أن نستشفه من مقال “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل” أنه يرى فيه صفتين هما القوة حتى يستطيع الأخذ باعناق الناس نحو النهضة، وأنه عادل وقد فسر العدل بأنه الاهتمام بمصالح الشعب العامة وليس مصلحته الذاتية، كما وصفه بالصلاح، إلا أن الشيخ لم يفسر معنى الصلاح هنا، هل الصلاح الديني؟ أم الصلاح بمعني الكفاءة؟ أم بالمعنين الديني والدنياوي؟

ونجد الإجابة على هذا السؤال تحت عنوان في الشورى والاستبداد ص. 381 من الجزء الأولى من أعماله الكاملة وهو يفرق بين الاستبداد المذموم والاستبداد المحمود فيقول “إن الإستبداد يقال على معنيين: أحدهما: تصرف الواحد في الكل، على وجه الاطلاق في الارداة، إن شاء وافق الشرع والقانون وإن شاء خالفهما، فيكون اتباع النظام مفوض إليه وحده، إن أراد قام به وإن لم يرد لا يؤخذ عليه، وهو الاستبداد المطلق. وثانيهما: استقلال الحاكم في تنفيذ القانون المرسوم والشرع المسنون، بعد التحقق من موافقتهما على قدر الإمكان، وهذا بالحقيقة لا يسمى استبداداً إلا على ضرب التساهل وإنما يسمى في عرف السياسيين توحيد السلطة المنفذة.”  وبعد أن يقر رفض الإسلام والشريعة للنوع الأول من الاستبداد يقول عن النوع الثاني “أما المعني الثاني، وهو أن يرجع الأمر في تنفيذ الشريعة إلى فرد واحد، فهو غير ممنوع في الشرع ولا في العقل، بل هما على وجوبه، أما الشريعة فنصوصها متضافرة على وجوب نصب إمام ينفذ الشرع القويم، ويحفظ الدين المستقيم، ويجري أحكامه العادلة على الرعية، وأما العقل فلما في قصر التنفيذ على الواحد الفرد – أى إجراء الأحكام باسمه المخصوص – من الهيبة والرهبة، اللتين تلزمان لتنفيذ الأحكام وإذعان الرعية لها، وانقيادها لما قضت به، ثم ان هذا لا يسمى في العرف استبداداً – كما أسلفنا – إذ صاحبه يكون مقيداً بالمرسوم، محصوراً في دائرة المشروع، بحيث لا يجوز له الخروج عنها، ولا تجاوز حدها.” وهذا النص من كلام محمد عبده يؤكد أن المستبد لابد أن يكون ملتزم بأحكام الشريعة الإسلامية، وبذلك لا يكون مستبدا أصلا.

ويلاحظ أن محمد عبده كان أكثر وضوحا وصراحة في اعلان دعمه للمستبد العادل الصالح الملتزم بالشريعة الإسلامية، على عكس من حملوا فكره لاحقا الشيخ الغزالي ويوسف القرضاوي ومحمد عمارة الذين لجأوا إلى المراوغة وإدعاء تبني النهج الديمقراطي حتى يتمكنوا من السلطة ثم ينقلبوا على الديمقراطية بقيمها وآليتها، وذلك بخلاف دعمهم للمستبديين من الاسلاميين في السودان وغزة والسعودية وايران. ولعل ذلك يرجع إلى اختلاف العصر، ففي نهايات القرن 19 وبدايات القرن الـ 20 وهو العصر الذي عاش فيه محمد عبده لم تكن قيم وآليات الديمقراطية قد ترسخت وكان العالم في منتصف الموجه الأولى من الديمقراطية، ما سمح لمحمد عبده بالجهر بموقفه الموالي للاستبداد والرافض للديمقراطية، على عكس أتباعه الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن الـ 20 وبدايات القرن الـ21، بعد أن ترسخت وانتشرت الديمقراطية بعد الموجة الثالثة للتحول الديمقراطي التي شهدتها تسعينات القرن الـ20، ما أجبرهم على التلون والمراوغة حتى يستطيعوا الوصول للسلطة والسيطرة عليها.

محمد عبده والوطن والمواطنة

تتسم كتابات الشيخ محمد عبده السياسية عن الوطنية والوطن والمواطنة بالجزء الأول من الأعمال الكاملة تحت عنوان “الوطنية” ص.317، بالمراوغة، فالكلام لا يحدد معنى الوطن هل هو الوطن القومي؟ أى مصر أو غيرها، أم الوطن الإسلامي والأراضي الخاضعة للخلافة الاسلامية هى وطن كل مسلم؟ ولعل هذه اللغة المبهمة هى ما دفعت بعض الكتاب إلى اعتبار محمد عبده من المؤمنين بالدولة القومية ومن دعاة الوطنية، بالرغم من عدم اتساق هذه الفكرة مع تمسكه ودفاعه عن فكرة الخلافة الإسلامية.

وإذا كانت كتابته السياسية مراوغة إلا أن فتاويه الدينية قاطعة في أن الوطن والمواطنة تقومان على أساس ديني، وبهذا يصبح كل ما قاله محمد عبده عن الوطن والوطنية هو بالمعني الديني حيث الوطن أراضي المسلمين والوطنية هى الولاء وخدمة وحب أراضي المسلمين والمواطنة هى على أساس الدين أو كما عبر تلاميذته لاحقا “جنسية المسلم هى عقيدته”.

فيقول الشيخ محمد عبده في الجزء الثاني من مجموعة أعماله الكاملة ص. 464 تحت عنوان الهجرة من دار الحرب “فلا يجوز لمسلم أن يقيم في بلاد حرب على المسلمين، ولا يقبل سلطان غير المسلم، بل تجب عليه الهجرة إلا إذا تعذر عليه لمرض أو عدم نفقة، فيكون من المستضعفين المعفو عنهم.” نلاحظ هنا انه لم يقل لا يجوز لمصري أن يقيم في بلاد حرب على المصريين، ولكن الخطاب موجه للمسلمين والمعيار هو معيار العداء للمسلمين وليس للوطن أو المجتمع، كما أنه يؤكد على قاعدة “لا ولاية لكافر على مسلم”، بقوله “لا يقبل سلطان غير المسلم”، وهى قاعدة  تنسف مفهوم المواطنة نسفا، فيصبح غير المسلم من أبناء الوطن ممنوع من تولي المناصب القيادية لأنه سيصبح صاحب سلطان على المسلمين. وهذه الفتوى تجعل ولاء المسلمين الذين يعيشوا في دول لا تخضع لحكام مسلمين، ليس إلى وطنهم ولكن للدولة الإسلامية أى الخلافة، وان لم تكن الخلافة قائمة تجعل ولائهم لدولهم الأصلية ان كانوا مهاجرين أو لأى دولة ذات أغلبية مسلمة إن كانوا من أبناء الدولة الأصليين. وربما في حالة الحرب سيكون على المسلم أن يحارب مع الدولة الاسلامية ضد وطنه ومواطنيه.

ويكرر الشيخ محمد عبده نفس المعني في ص. 505 في فتوى صادرة بتاريخ 9 رمضان 1322 وهو ما يوافق 17 نوفمبر 1904، وأهمية التاريح هنا أنها فتوى صادره منه قبل وفاته بعدة أشهر أى أنها تمثل رأيه النهائي والأخير في موضوع الوطن والمواطنة. والفتوى رد على سؤال حول الجنسية والقومية ونص السؤال هو:

سأل الشيخ عبد الحكيم المزوغي: في المسلم إذا دخل بمملكة إسلامية، هل يعد من رعيتها؟ له ما لهم وعليه ما عليهم، على الوجه المطلق؟ وهل يكون تحت شرعها فيما له وعليه، عموما وخصوصاً؟ وما هى الجنسية عندنا؟ وهل حقوق الامتيازات، المعبر عنها عند غير المسلمين بالكبيتولاسيون (الامتيازات) موجودة بين ممالك افسلام مع بعضهم بعضاً؟؟ أفيدونا مأجورين.

فجاء في رد الشيخ محمد عبده ما يلي:

– من المعلوم أن الشريعة الإسلامية قامت على أصل واحد، وهو وجوب الانقياد لها على كل مسلم، في أى محل حل وإلى أى بلد ارتحل، فإذا نزل ببلد إسلامي جرت عليه أحكام الشريعة الإسلامية في ذلك البلد وصار له من الحق ما لأهله، وعليه من الحق ما عليهم، لا يميزه عنهم مميز، ولا أثر لاختلاف البلاد في اختلاف الأحكام.

أى ببساطة المسلم في أى بلد إسلامي يصبح مواطن كامل المواطنة يتمتع بكافة الحقوق ويلتزم بكل الواجبات.

– فوطن المسلم من البلاد الاسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه، ويتخذ فيه طريقة كسبة لعيشة، ويقر فيه مع أهله، إن كان له أهل، ولا سنظر إلى مولده، ولا إلي البلد الذي نشأ فيه، ولا يلتفت إلى عادات أهل بلده الأول، ولا إلى ما يتعارفون عليه في الأحكام.

– أما الجنسية فليست معروفة عند المسلمين، ولا لها أحكام تجري عليهم، لا في خاصتهم ولا عامتهم، وإنما الجنسية عند الأمم الأوروبية تشبه ما كان يسمى عند العرب عصبية.

أى أنه لا يوجد ما يسمى جنسية في الإسلام، وأن أمر الجنسية والانتماء لوطن قومي هو مثل العصبية الجاهلية التى نهى عنها الاسلام وهو ما يؤكده محمد عبده عندما أكمل الفتوى قائلا

– جاء الإسلام فألغى تلك العصبية، ومحا آثارها، وسوى بين الناس في الحقوق، فلم يبقى للنسب ولا لما يتصل به أثر في الحقوق ولا في الأحكام. فالجنسية لا أثر لها عند المسلمين قاطبة.

ثم يقوم الشيخ بالغاء كل الفروق القومية بين المسلمين قائلا

– وبالجملة، فالاختلاف في الأصناف البشرية، كالعربي، والهندي، والرومي، والشامي، والمصري، والتونسي، والمراكشي، مما لا دخل له في اختلاف الأحكام والمعاملات بوجه من الوجوه. ومن كان مصرياً وسكن بلاد المغرب وأقام بها جرت عليه أحكام بلاد المغرب، ولا ينظر إلى أصله المصري بوجه من الوجوه.

ثم يشبه بعد ذلك الدول الاسلامية وما بها من مجالس نيابية ومؤسسات بالبلديات التي يكون لها مجلس من أبناء المحافظة أو الحى ويمتنع على من يكون من محافظة أو حى أخر أن يكون عضو فيها إلا بشروط، أى انه ليس منع تام. فيقول

– وما قضت به بعض القوانين المصرية من أن سائر العثمانيين (وكأن المصريين جزء من العثمانيين) لا ينالون حق التوظيف في مصالح الحكومة المصرية، ولا حق الانتخاب في مجالس شوراها، إلا بقيود مخصوصة، يشبه تقرير الحقوق في انتخاب مجالس البلدية، فمجلس بلدية الاسكندرية، مثلا، لا يدخل في انتخاب أعضائه المقيم بالقاهرة، فهو من باب تفضيل سكان المكان على سكان غيرهم، وإيثارهم أولئك بالنظر في المنافع على هؤلاء لقربهم، مع استواء الكل في الانتساب إلى شريعة واحدة، واشتراكهم في الحقوق التي قررتها الشريعة، بلا امتياز.

وأخيرا يختم فتواه بالتأكيد على معنى أن جنسية المسلم عقيدته

– هذا ما تقضي به الشريعة الإسلامية، على اختلاف مذاهبها، لا جنسية في الإسلام، ولا امتياز في الحقوق بين مسلم ومسلم، والبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده، ولأحكامه عليه السلطان دون أحكام غيره. والله أعلم.

الخاتمة

من خلال هذا الاستعراض السابق لموقف رموز الجناح الإخواني والجناح المستقل أو الحداثي أو التنويري من الإسلام السياسي، مقارنة بموقف الشيخ محمد عبده، من قضايا الخلافة الإسلامية والاستبداد والديمقراطية والوطن والمواطنة، نستطيع القول أن رؤية هذا الجناح من الإسلام السياسي لهذه المفاهيم تكاد تتطابق مع رؤية الشيخ محمد عبده، ما يؤكد أن هذا الجناح ما هو إلا امتداد لأفكار محمد عبده، وأن محمد عبده هو من بذر البذور الأولى للإسلام السياسي.

المراجع

1- رسائل حسن البنا – نسخة إلكترونية

2- موقع سي أن أن – عن حوار د. يوسف القرضاوي مع وكالة الأناضول

https://arabic.cnn.com/middleeast/2014/08/26/qardawi-isis-egypt

3- حوار د. محمد عمارة مع جريدة الأهرام

http://www.ahram.org.eg/archive/Religious-thought/News/166123.aspx

4- مائة سؤال عن الإسلام – محمد الغزالي – نهضة مصر

5- فاروق وسقوط الملكية في مصر (1936 -1952) – د.لطيفة محمد سالم – مكتبة مدبولي

6- حتى لا ننسى: موقف الاخوان من القوى الوطنية – فتحي سيد فرج – الحوار المتمدن

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=502328

7- دستور مصر 2012 في عهد الإخوان المسلمين

https://ar.wikisource.org/wiki/%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1_%D9%85%D8%B5%D8%B1_2012#%D9%85%D8%A7%D8%AF%D8%A9_219

8- الإسلام والاستبداد السياسي – الشيخ محمد الغزالي – نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

9- الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر – الشيخ محمد الغزالي – مكتبة وهبة

10- قبل السقوط – د. فرج فودة – الهيئة المصرية العامة للكتاب

11- الاستبداد السياسي من علامات الساعة – الشيخ يوسف القرضاوي

https://www.al-qaradawi.net/node/3921

12- هل يجوز للمسلمة أن تتزوج من شيوعي؟ الشيخ يوسف القرضاوي

https://www.al-qaradawi.net/node/4296

13- قصة حياتي – أحمد لطفي السيد – كتاب الهلال

14- قصة حوار لـ مهدي عاكف سب فيه البلد: «طظ في مصر»- المصري اليوم

http://lite.almasryalyoum.com/extra/162985/

15- حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي – محمد الغزالي – نهضة مصر

16- الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشرعية – د. يوسف القرضاوي

https://www.al-qaradawi.net/node/5069 

17-  إشكالية الوطن والوطنية والمواطنة – د. يوسف القرضاوي

https://www.al-qaradawi.net/node/2943 

18- الشورى الإسلامية .. والديمقراطية الغربية – د. محمد عمارة – مجلة الديمقراطية

http://democracy.ahram.org.eg/News/407/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%88%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%E2%80%AE–%E2%80%AC%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9.aspx

19- الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده – تحقيق وتقديم د. محمد عمارة – دار الشروق

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, مؤمن سلاّم and tagged , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.