الخطاب الديني والانفجار السكاني

 رفعت عوض الله 

الدول المتقدمة التي يعيش مواطنوها حالة الوفرة والرفاهية وينعموا بحقوق الانسان واحترام حريته، عدد السكان هناك ليس فيه زيادة منذ عقود طويلة،فهناك شبه ثبات في اعداد الناس. وهذا الثبات يساهم في استمرار حالة الوفرة والرفاهية التي هي لسان حال تلك المجتمعات.

علي العكس من ذلك في دول العالم الثالث التي تعاني من تفشي الثالوث المدمر لحياة البشر : الفقر والجهل والمرض…… فدول ومجتمعات ما يسمي بالعالم الثالث تشهد زيادة رهيبة في معدلات الولادة ومن ثم زيادة سكانية تلتهم اولا باول كل تنمية. ومهما خططت الدولة واعدت برامج تنمية، ومهما انشأت من مدن ومصانع ومدارس ومساكن فان غول الزيادة السكانية كفيل بالتهام كل ما تصنعه الدولة، فيظل الناس قابعون في كهف الفقر والمرض والجهل. وهكذا تدور تلك الدول ومجتمعاتها البائسة في دائرة مفرغة لا فكاك منها ولاخلاص. فتنحط حياة البشر و تتفشي فيها الجرائم ويعم الانحلال الخلقي،ويهرب الناس من واقعهم المر بادمان المخدرات.

مصر علي قائمة الدول التي تعاني من الانفجار السكاني الرهيب الذي يشبه الجراد الذي يأكل الاخضر واليابس، والذي يعمق بؤس وشقاء المصريين ويغرقهم اكثر فأكثر في مستنقع الفقر والمرض والجهل.

ينقسم المجتمع المصري إلي مجتمعين : مجتمع الاسر المتعلمة والتي تملك وعيا،وتريد أن تربي اولادها وبناتها تربية صحيحة متوازنة. لذا غالبا هذه الاسر تنجب عددا صغيرا من الاولاد قد لا يتعدي الاثنين حتي تتمكن من تربيتهم تربية سليمة وتضمن لهم تعليما مستمرا حتي الجامعة.

والقسم الأخر من المجتمع المصري هم الاسر التي تقيم في الريف. يعملون بالزراعة والحرف المساعدة للزراعة. غالبا رب وربة الاسرة لم يتعلموا،ويرشدهم في حياتهم أئمة ووعاظ المساجد الذين يفتقدون للإستنارة فيرددون مقولات التراث الديني ترديدا ببغاويا، فيحضون الرعية علي زيادة النسل حتي تكون الامة الاسلامية قوية،كثيرة العدد،وكأن القوة في كثرة العدد،ويرددون علي مسامع الناس البسطاء الحديث القائل : ” تناكحوا و تناسلو ا،فإني مباه بكم الامم يوم القيامة ” وايضا ينشرون ثقافة ان كل طفل يولد وله رزقه، وخليها علي الله،وان الله هو الرازق وانه لا يموت احد جوعا.

تسري هذه المقولات سريان النار في الهشيم،وتشكل وعي وسلوك سكان الريف البسطاء فينجبوا اطفالا بكثرة حتي ان عدد افراد الاسرة في القري المصرية يصل إلي ثمانية اطفال واحيانا عشرة.

ماذا يترتب علي هذه الزيادة الرهيبة في المواليد : تضيق القرية علي ساكنيها فيبنون علي الارض الزراعية التي فيها يعملون ومنها يعيشون،وتتناقص الارض الزراعية وتقل مساحتها بالتدريج حتي ياتي اليوم الذي فيه تنعدم الارض الزراعية في الوادي والدلتا.

يترتب علي هذا هجرة الفلاحين المصريين للمدن وسكناهم في حواف واطراف المدن ” العشوائيات ” التي تفتقر لأبسط شروط الحياة الصحية، بيوت صغيرة في حواري وازقة وشوارع ضيقة،لا ماء نظيف ولا صرف صحي ولا كهرباء،وقذارة وقبح ودمامة تغلف تلك العشوائيات،فتنتشر تجارة وإدمان المخدرات والسرقة وكافة انواع الجرائم، ويتفشي الانحلال الخلقي والدعارة وكافة الموبقات.

كل هذه الاوضاع البائسة شديدة الخطورة والتي تعوق تقدم وازدهار الدولة والمجتمع في مصر سببها الاول وان لم يكن الاوحد. فهناك عوامل اخري تعمل علي انتاج كل هذا البؤس والشقاء،ولكن الانفجار السكاني الرهيب ومعدلات الإنجاب المرتفعة جدا تشكل السبب الاول في بؤس وشقاء المصريين،وتبقي مصر في دائرة الضعف والاحتياج.

والخطاب الديني الموجه لبسطاء الناس والثقافة التواكلية المصاحبة له هي اهم اسباب إكثار المصريين من الانجاب، هل نفيق ونغير خطابنا الديني وننشر الوعي ؟ ان لم نفعل علي وجه السرعة لا مستقبل لنا.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in رفعت عوض الله and tagged , , . Bookmark the permalink.