في العلمانية – 2

 عبدالله خليفة  

علمانية السياسة، إسلامية المجتمع!

ليس ثمة تناقض في هذا الشعار، بل لا يمكن أن تنمو المجتمعات العربية بدونه!

إن الوهم بتناقض هذا الشعار هو نتاج الجهل السياسي، فتطبيق الإصلاح التحديثي فوق مجموعات سياسية مذهبية هو أمرٌ يفاقم مشكلات هذا المجتمع مع أنه يتصور إنه يقوم بحل مشاكله!

يؤدي هذا التطبيق الراهن للإصلاح السياسي إلى تفتيت القوى السياسية على أساس ديني، وجعلها ذرات، أي تذريتها أمام الرياح الغالبة المتحكمة في الثروة، مما يجعل هذه القوى عاجزة عن إعادة توزيع الثروة. فلا تتشكل السياسة من أجل الخطابات!

ولهذا كلما اندفعت القوى السياسية المذهبية في نشاطها كلما ازدادت ضعفاً، وكلما تعمقت في اطروحاتها ازدادت مشكلاتها!

فنتاج هذه السياسة المذهبية زيادة الانقسامات السياسية والاجتماعية وتحركها من القادة إلى الأعضاء العاديين، ومن الأعضاء العاديين إلى الجمهور، ومن المثقفين إلى العاميين، ومن قاعات الجمعيات إلى أزقة المدن والقرى والدخول في البيوت، وهو أمر يقود إلى تقسيم الأحياء والمناطق والمنازل!

ولا يفهم المذهبيون السياسيون مصطلح ( العلمانية )، فهم يعتقدون أن هذا المصطلح يشير إلى إيديولوجية كالإيديولوجية القومية والاشتراكية وغيرهما، ولا يعتقدون بأن الدينيين يمكن أن يكونوا علمانيين؟!

فالعلمانية نظام سياسي، يطبقه المسيحيون والبوذيون والهندوس وغيرهم، لكن لا يعني أنهم يتخلون عن أديانهم! وحتى بعض الدينيين لدينا الذين يتعاملون في السياسة يطبق بعضاً من جوانب العلمانية دون أن يدرك بأنه علماني جنيني!

فهم حين يجتمعون ويعملون مع تيارات قومية ويسارية يفصلون بين آرائهم المذهبية وبين قضايا الوضع السياسي، مركزين على الأهداف العامة سواءً كانت أهداف المعارضة أو الموالاة، راغبين في تحقيق أهداف سياسية معينة، وهذه هي العلمانية!

حين يعملون من أجل تغيير القوانين السياسية ويواجهون دستوراً غير مرضي عنه، أو حين يتعاونون مع بعض القوى الغربية السياسية، فإنهم يبدأون رحلة المسار السياسي العلماني، حيث يقومون بفصل مذهبيتهم الدينية عن عملهم السياسي، فيظهر شيخ الدين قائداً سياسياً يستهدف غايات سياسية محددة هي التأثير على قانون لا يرضاه.

حين يمدح كاتبٌ ديني زعيماً يسارياً فهذا يعني علمانية، لأنه فصل فكره المذهبي عن أهدافه السياسية، حيث يريد تشجيع لونٍ من المعارضة، قد يكون لحسابات انتخابية أو اجتماعية، لكنه سلوك علماني، يدخل في حسابات السياسة المفصولة عن المذهبية.

إن التيارات المذهبية السياسية تتبدل وتتنوع وتزول، لأنها آراء سياسية في ثياب دينية، لكن الإسلام لا يزول، رغم أن كل فريق مذهبي سياسي يزعم إنه يمثل التطابق المطلق مع الإسلام!

ولهذا فإن النظام العلماني يستهدف توقيف هذا الزعم، والمتاجرة بالإسلام، وأن تظهر الأحزاب والجماعات بأجسامها السياسية الغائرة المتوارية وراء الملابس، فتأتي إلى المباحثات والنضالات كقوى سياسية ذات أهداف واضحة، بدون أن تكون ذات وجهين!

لأنهم يتباحثون مع القوى اليسارية والقومية فيصيرون في هذه اللحظة علمانيين، لكن حين يذهبون إلى مقراتهم يصيرون غير علمانيين، وينددون بالعلمانية، معتقدين إن تلك القوى علمانية، في حين أنهم كانوا علمانيين مثلهم عندما عملوا معهم لأهداف سياسية غير مذهبية!

لكن وظيفة العلمانية كنظام سياسي إنه يمنع التفتيت ويوحد القوى السياسية ذات الأصول الاجتماعية المتقاربة ويجعل تداول السلطة ممكناً، لأن المعسكرات الطائفية السياسية تكون قد ذابت!

علمانية ذات جذور إسلامية

بؤرة تاريخ العرب الديني كانت الوحدة، بسبب ضخامة آثار التفكك والحروب والمآسي الصراعية الماضية، وكانت الوحدة السياسية يجب أن لا يسود فيها إنقسام على مستوى الوجود، ولهذا تجسدتْ الدولةُ الشعبية ذات الموارد الموجهة للناس أملاً في أن تبقى بلا صراعات.

التوحيديةُ ذاتُ شكلٍ علماني، بمعنى منع نشؤ الفرق والجماعات المختلفة الممزقة للصفوف، وبعدم إدخال الدين في النزاعات السياسية، وأن تحدث تلك الوحدة الصلدة التي تمنع ذلك، لكن هذا كان ممكناً إلى حين، وذلك عندما وضعتْ حروبُ الفتوحِ والانقساماتُ الاجتماعية وتباينُ الثروات وصعودُ القلة الغنية غير المؤمنة بالمساواة الاجتماعية المكرسة سابقاً، فُرئي أنها غير مؤمنة، لكنها كانت مؤمنة إنما برنامجها الاجتماعي أختلفَ عن برنامج الفقراء والعاملين والتجار الصغار.

فغدا النموذج لدى المُصرين على البرنامج القديم الشعبي المساواتي دينية صارمة حادة، شكلانية، وعند العقلاء وبين المجاهدين لحظات من التماسك وطرح ذلك البرنامج بدون تكفير وإساءة إيمانية لأحد، والقصد تطوير حياة الناس.

وبعد ذلك تهاوت هذه الوسطية الأخيرة، وظهرت المذاهبُ السياسية الدينية، تحجزُ الإيمان للبعض وتحجبهُ عن البعض الآخر، ومضت من الألوف للملايين.

قرنان مضيا بعد التأسيس بدون مذهبية سياسية متشددة فما هو مصير إيمان الراحلين؟

من يعرف مذهبهم السياسي؟ 

كلُ مذهبٍ كبيرٍ يحاول أن يوحد المسلمين فيما يقدرُ عليه من (عقلانية) سياسية، فلا يجعهلم يذوبون بين الأمم، أي يتلاشون بدون مؤسساتهم السياسية والاجتماعية والفكرية.

المذهبية السياسية الكبرى التي تنامت والتي تضمُ الملايين تشكلُ وحدةً إجتماعيةً تغذي التطورَ والصناعةَ والحداثة بمقاييس ذلك الحين.

الوحداتُ الكبرى المذهبيةُ حاولتْ أن تسايرَ أهدافَ الدين ومعالمه في خطوطِ الحضارة، وكلما إتسعتْ الوحداتُ كان فعلها الحضاري أكبر، لأن وراءها أسواقٌ وتغذيةٌ مشتركة للإنتاج.

رفعت الحداثةُ المتجسدةُ في تلك الظروف أشكالَ المذاهبِ إلى مقاربةِ العقول، وخفتتْ من الشكليةِ والحروفية ورأتْ المضامينَ والأهداف وتجميع كل هذه الشعوب في وحدةٍ واحدة أفضل من تشتيتها بإختلافاتٍ عبادية صغيرة.

نهضةُ التجارةِ والحرفِ والفقه والفلسفةِ كلٌ مترابط، وحين راحتْ التجارةُ تنهار بفعل التمزقات السياسية الضارية المتتالية، وبفعل نهوض الأوربيين وسيطرتهم على الممرات البحرية وتغيير البحر الأبيض المتوسط الحضاري المشترك، إنهار الاقتصاد وشاعتْ الأوبئةُ وإنتشرتْ الخرافات وورثنا هذه الموروث الاجتماعي.

التطابق الكلي بين (المِلة) والسياسة هو فهم التقليديين في عالم مركزية المسلمين مثل مركزة الأرض للوجود، مثل الهلال على العلامة على تاريخٍ هجري، فهو زمنُ كلِ الزمن، أي هو عالم ما فتوحه وأبقوه عليه من أراضٍ وبين السياسة حين كانت حد السيف، وحينئذٍ لا مذهبية بدون سياسة، ولا دينية بدون رؤية سياسية، ولا مسجد بدون سيف.

لكن عالم العصور الوسطى أُميد به، والأممُ كلها خرجتْ من تحت هذا التاريخ، وغدت الوحدة شأن العرب، مزقتهم المذاهب الوفيرة وآن عليهم أن يطوروها خارج مسرح الصدام، وأن يشكلوا بيئةً سياسية صرفة.

وقد قدم العربُ للغرب الناهض أسسَ الحضارة الحديثة؛ العلوم والمَلكيات المتحضرة على قرار خلافة الرشيد والمأمون كما قدموا لها النظام العلماني الأولي، الجنين الذي وُلد فيها نظراً لغياب عنصر الصناعة.  

لحظةٌ حاسمةٌ في تاريخِ العلمانية العربية

لا تريد القوى الاستغلالية الكف عن المتاجرة بالإسلام كما كان أمر الطبقات العليا في التاريخ السابق، حيث غدا الإسلام على يديها قوى طائفية متحاربة متعادية، وتهجيراً لأصحاب الديانات الأخرى وحصاراً على المسلمين من كثير من الدول والأمم!

ألم يشبعوا من إستغلال العامة؟  أم أن المستويات الفكرية والاقتصادية لهذه القوى لا تتيح لها الصعود لمستوى أعلى من الإدارة؟ لكن هذا المستوى نفسه مدمر لإمكانيات التراكم الاقتصادي السياسي، لأنه توسيع للصراعات وتفكيك للبلدان وتدمير لمواردها.

 حتى في عمق المذابح، وبين خندقين مملؤين بالجثث والدماء لا يريدون إلغاءَ صكوك الإيمان من أيديهم يمنحونها لمن شاءوا، فيما الجزارون الحكوميون في سوريا يقولون نحن علمانيون ونعطي المواطنين حرية المذاهب والأديان!

الكلمة السر، دولة الحرية، دولة المواطنين، الدولة اللامذهبية، ذات الجذور الواسعة لكل المؤمنين، دولة الأخوة والأخوات المتساويين أمام القانون، الذين قدموا التضحيات، من كل القبائل والمدن والأديان، مواطنو الوحدة والثورة العلمانية، من كل المذاهب؛ الدروز والسنة والشيعة والمسيحيين والعلويين واليهود، العرب والأكراد والترك، الذين توحدوا في دماء الثورة ونيرانها، الذين قدموا التضحيات الجسام لينتقلوا من عصر الطوائف لعصر الشعوب، والمنفيين في المخيمات الثلجية، والمقتولين في المدن الحارقة، الذين لم تفرق الصواريخُ بين أحيائهم، ولا ميزتْ السياراتُ المفخخةُ بين شهاداتهم الوفاة لهم، إنهم لا  يريدون أن ينتقلوا من دولةٍ علمانية خادعة تحديثية واهية إلى دولة مذهبية سياسية ساحقة ماحقة.

لماذا لا يريدون الأعتراف بجوانب التطور التحديثية العلمانية التي أسسها الشعبُ السوري قبل العسكر ولم يستطيعوا هدمها؟ لماذا لا يريدون الإضافة للبناء بدلاً من الرجوع للوراء؟

لم تكن الوطنية السورية نتاج أجهزة المخابرات، فأسألوا ميسلون ويوسف العظمة وخالد بكداش ورياض الترك وحنا مينه.

بين هجومٍ على علمانيةٍ خائبة إستبدادية دموية والخوف عليها من قبلِ ضحايا الاضطهاد الديني الذي إستمر لقرون، تتمزقُ سوريا الشهيدة بمعاولِ طبقاتٍ أنانية جعلت من الأديانِ أدوات هيمنة للغزو والاحتلال، لا أدوات مواطنة وتعاون وأخوة، معاولٌ تجمعُ الثروات في الخزائن وتتركُ الشعوبَ من كل الألوان والأديان في الفقر لتتشاجر على حرفٍ من لغة وجدار من بيتٍ سقط أخيراً وجعل الناس تهرب إلى الخيام وأراضي الثلج والتشرد.

من يمسك خيوطَ الثورة يمسك خيوطَ التخلف والاستبداد والتمييز بين المواطنين، يعدُّ نفسَه ليكون وريثاً في دولة المذهب والخزانة المخصصة لعلية القوم، يكررون تاريخ الاضطهاد المذهبي اللامنقطع، تاريخ العباسيين والسفاح والرؤوس المتدحرجة قرب الولائم، والتفتيش في القلوب والحفر في الرؤوس، تاريخ العثمانيين والصفويين حيث تتسع المعاركُ ويعيدون مجدَ المذابح بين المسلمين ويتعاركون على حطام الأمكنة المقدسة!

عدة ملايين من مسلمين علويين وشيعة ومسيحيين يتخوفون من مذهبية شمولية منتصرة، ولا يقرأون منها فكراً أكثر تقدماً من فكر البعث العسكري الشمولي الدموي، لكن الذي خدعهم وسيطر عليهم بعلمانيته وبخوفهم من دكتاتورية المذاهب الكاسحة المسلحة التي تريد فناءهم.

أثورةٌ بكل هذا الزخم تعجزُ عن رفع شعار العلمانية؟ وتجعلُ ملايينَ المواطنين متخوفين مترددين ومنهم من يعمل بقوة في صفوف الدكتاتورية العنيفة، تجعلهم مرةً أسرى العنف ومرة أسرى الخوف؟

حين تتمزق سوريا سوف تشتعل البلدان الأخرى، والأحزاب الدينية التي رفعت كل الشعارات الأخاذة سوف تلتهم النيران مدنها ومقراتها، والآن تبدأ القوافل الأولى للضحايا، سراً، وغداً ستعلم الأمهاتُ والآباءُ أين أخذوا الشباب وقتلوهم، وكيف تركوا حدود إسرائيل ليذهبوا إلى البيوت العربية يفخخونها، والآن يعودون نعوشاً، فلماذا يزدهر مطرُ الموت الطائفي في شوارع الأوطان العربية؟

إن الذين تاجروا بالمذاهب وجمعوا الثروات منها ها هم يستقبلون الوجبات الأولى من أولادهم، لا زغاريدَ مقاومة، بل نحيب خجول، والعارُ خنق البطولات، وبكاءٌ مشترك من القتلة والمقتولين، والكل مهزوم.

فألى متى يتصور المتاجرون بالمذاهب والأديان إن القلاع والخرافات سوف تحميهم وأن سيلَ النار لن يصل إليهم؟ لا القنابل النووية ولا الدبابات والصواريخ قادرة على قتل فكرة الوحدة بين الشعوب، والعلمانية نارٌ تسري في هشيم الجهل والتعصب توحدُ الطبقات والأمم، وتكسرُ الأسلاكَ الشائكة التي غرزوها في لحم البشر.

 فلا يتصور زعماءُ التردد السوري والتجارُ الجددُ في اللحم الشعبي إن القضية فقدان قيادة أو حكومة بل هو فقدانُ فكرة، وغيابُ شعار مصيري، وعدم السباحة في النهر الشعبي، ونقص دم عميق يضرب في العظم الوطني إلى النخاع، بأن يكونوا قادة شعب لا قادة مذاهب وأزقة مسدودة، ورثة يتوجون مسار الوطنية والعلمانية السورية يرفعونها للذرى.

لا ديمقراطيةَ بدون علمانية  

تأخر المسلمون في الدخول إلى الحداثة والديمقراطية خلال القرون الأخيرة بشكلٍ مأساوي، وحين يدخلون الآن بصعوباتٍ جمةٍ وبثورات مضحية عظيمة يقودها الشباب الديمقراطي العلماني يواصلُ المحافظون السياسيون والدينيون التشبثَ بسلطاتِهم شبه المطلقة.

تنافسٌ مجردٌ عند صناديق الاقتراع حيث تبدو الديمقراطية العربية زاهية الألوان، في حين أن الشموليات الدينية خاصة تجرها من مسامها وخلاياها إلى الماضي والاستبداد.

المؤسسات الدينية الجماهيرية مجيرة لأسماء، والجمهور البسيط يُساق عبر الشبكات الاجتماعية المذهبية التي كُونت خلال زمنية عهود الاستبداد الماضية، من أجل أن يصوت لقوى تقليدية جديدة، فبعد أن عانى الإقطاع السياسي عليه أن يعاني الإقطاع الديني وقد تحول إلى إقطاع حاكم ولكن إلى متى؟

لن تكون الديمقراطية سوى هيمنة معينة، فليس ثمة حرية مطلقة ولا ديمقراطية مطلقة، ولكن هذه الهيمنة الجديدة ما هي مقاربتها للحريات العامة وتطوير حياة الجمهور المعيشية وهل هي تمثل نقلة بإتجاه تطور هذا الجمهور السياسي بحيث يغدو قادراً على الاستقلال من شبكات الماضي القروسطية التي هيمنت عليه خلال العقود الأخيرة خاصة؟

حركت الحياة السياسية خلال العقود الأخيرة الجماهير العربية باتجاه التطور الاقتصادي الحديث نسبياً، وأنشأت أجهزة حديثة ومشروعات عامة وتطورت الحياة الاقتصادية الخاصة، لكن هيمنة الدول التي قامت على هياكل تقليدية، خاصة هيمنة العائلات والقبائل حسب مناطق معينة أغلبها بدوية وريفية وحضرية جزئية، فشكلت إقطاعات سياسية في الدول العربية لهذه العائلات والقبائل والجماعات العسكرية والسياسية المتقاربة والتي إستغلت الملكيات العامة بجزء كبير لها.

ولم يكن بإمكانِ أحدٍ منظم سياسياً أن يُعارض أو يقاوم هذه السيطرات التي كانت تفتتُ قدراته، وتجهضُ تنظيماته، بدواعٍ متعددة، ولكنها لم تقدر على التنظيمات الدينية التي لجأت للاحتماء بالموروث، وشبكاته الاجتماعية الممتدة في الأشكال التعاونية والخيرية الزائفة شكلاً والمبطنة بسيطرات عائلية وقرابية وسياسية مذهبية ودينية.

يجب الفصل هنا بين شكل السيطرة ومضمونها، فالوزارات الحكومية والمصانع والبنوك التي غدت أجزاءً إقتصادية من الدول ذات القطاعات العامة بشكل كبير، والتي تجري فيها الأشكال الحديثة المستوردة، تقوم بخدمة قوى تقليدية، فتتوجه الفوائضُ لبناء قصور أو دعم مشروعات ثقافية تقليدية، فرأينا تنامي الشعر التقليدي والأشكال العامية المتخلفة من الأدب، وإعادة الأعتبار لأشكال موروثة من العادات وجرى التعصب لها. فقام رأس المال بدعم الإقطاع الماضوي في الحكم وفي الحياة عامة.

من هنا رفضت القوى المعارضة ذات الجمهور العامي بشكلٍ خاص أي تلويح بالديمقراطية العلمانية الفاصلة لاستخدام المذاهب والأديان في الحراك السياسي، وهو الأمر الذي لم تعارضهُ بعض الدول ولا أغلبية الأحزاب الحديثة، لأن ليس لها منفعة في هذا الأساليب السياسية المندمجة بالسيطرات الدينية.

وهكذا فإن الشكلين من الإقطاع السياسي الحاكم والديني المعارض، أججا أساليبَ عتيقةً في الحياة العربية وصعدا الموروث المحافظ بأشكال سلبية.

وهذا يمكن أن نلاحظه في العودة للقبائل والمناطقية وتضخم الأرياف في مواجهة المدن، وتفكك الدول فدولة عريقة كالعراق تتحطم في بنائها السياسي الوطني، وكذا السودان وسوريا وغداً غيرها من كل الدول العربية، وهنا تقوم الديمقراطياتُ الطائفيةُ بهدم ما تبقى من الدول العربية ككياناتٍ مؤسساتية، وهذا لا يتعارض مع الثورات العربية التي قادها الشبابُ الديمقراطي العلماني غيرُ المنظمِ والذي سُرقت ثوراته منه.

لقد حدث تردٍ كبير في عقليات الجماهير العربية من الأجيال السابقة خاصة، والتي سُحبتْ من الثقافاتِ التحديثية الديمقراطية والتقدمية، وحُبستْ في الأشكال الإحيائية المحافظة الزائفةِ الانتماءِ للإسلام بغيرِ ما تقول، فهي تمثلُ الثورة المضادة للإسلام التوحيدي، هي مذهبياتُ التفككِ والتخلف واللاعقلانية.

وبهذا فمع عجزِ الإقطاع السياسي الحاكم من تحويل الاقتصاد والثقافة للديمقراطية تحدث أزمة بنيوية، لأن الإقطاعَ لم يغدُ برجوازية حرة، فتحلُ الآن أزمةٌ جديدة أكثر تعقيداً وتحللاً لأبنية الاستقلال السياسية العربية، وتبدو (بشائرها) بعمليات التفكك الواسعة في كيان الدول، وأن تغدو الدول لادول، بل كياناتٍ منفصلةً وأقاليمَ وصراع مدنٍ وقرى، وهويات أثنية وطائفية وقومية.

وإذا كانت الدولُ رفضتْ العلمانيةَ جزئياً والديمقراطية كلياً، فإن الدويلات الجديدة وطلائعها الطائفية ترفض العلمانية كلياً وتقبل الديمقراطية جزئياً، فتحدث نفس النتائج، لأن الديمقراطية تغدو أداة السيطرة الاستبدادية المموهة فيما العلمانية تمثل نقضها وإزالتها.

فهي ذاتها حولت المذاهبَ والأديان إلى أشكال خالية من مضامينها الديمقراطية الإنسانية وصيرتها أدوات لاستغلال الفقراء وإبعادهم عن الحداثة والاستنارة، فلا قدرة لأشكال محافظة على تنمية حرية وتقدم وديمقراطية. وهذه كله بسبب الوعي المتخلف للجماهير العربية وحبسها الطويل في ظلامية الأمية والجهل لعقود.

أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟

نخشى دائماً من هذه الجماعات الدينية المتاجرة بالإسلام، فهي لا تكفُ عن التجريبِ في لحم المسلمين، وكل مرة تقوم بطبخة حارقة، ثم لا تتوقف عن الالتفافِ وعن طرحِ طبعةٍ جديدة من الكارثة.

الشعوبُ العربيةُ في البلدان الثائرة أكتوت بـ(علمانية) زائفة، بأنصافِ أنظمةٍ تحديثية، ومن شقوقِ هذه الأنصافِ تتسربُ مياهُ المجاري، وأبقتْ هذه الأنظمة(العلمانية) على حكم القانون وعلى إحترام النساء وعلى التحديث الوطني وعلى التصنيع، ثم يتحول كل ذلك إلى علمانية الحزب المتدهور في علميته وعلمانيته وديمقراطيته وتحويله النساء إلى جوارٍ والفلاحين إلى خدمٍ وبوابين في عماراتِ الحرامية المدنيين.

وتحولتْ نصفُ العلمانية هذه إلى إضطهادٍ للقوميات والأديان الأخرى، فالأكرادُ يُضربون بالقنابل على ضفتي نظامي العلمانية الزائفين في سوريا وتركيا، والأفريقيون تُحرق غاباتُهم ومنازلُهم في جنوب السودان، والأمازيغ يَحاربون في لغتِهم وتراثهم في الجزائر والمغرب.

هل جاء زمنٌ تتقارب فيه قارتُنا العربية الإسلامية مع الحداثة؟ مع مواثيق أوربا العلمانية حقاً؟  

يريدون دخولَ السوق الأوربية مع إستمرار وضع رؤوس الأكراد تحت أحذية المؤسسات المركزية. يريدون دخولَ السوق وقطف ثمار الحضارة والديمقراطية والإنسانية المتقدمة دون أن يحترموا شعبهم وتظل الطائرات تغير على المناطق(المتمردة).

هم لهم طبعاتُهم الخاصة من الإسلام، إنها طبعات المحافظين الاستغلاليين، حيث يقوم الإقطاعُ المنزلي بأسرِ النساء، وحيث مكانة المرأة أدنى من الرجل، إنها المخلوق التابع، هنا تتخفى الذكوريةُ الاستبداديةُ وتموهُ نفسَها بالدين.

دائماً يجعلون الدين أو القومية المتعصبة أداتين لتمرير سلطانهم غير المتساوق مع البشرية الحديثة، وللذكور المتسلطين رغبتهم في بقاءِ سلطانِهم على النسوة، ومن هنا تغدو مدنيةُ هارون الرشيد دون مستوى علمانيةِ ملكةِ بريطانيا.

إن مدنيةَ ابنهِ المأمون الذكي المثقف لا تمنعُ من إستخدامِ الدين لتعذيبِ رجال الدين، أو طبع تفسير معين وفرضه على الجمهور بالسياط.

إن المخاطرَ التي تنشأُ من الثورات العربية الحديثة أنها تسمح للجمهور غير المثقف بالهيمنة على الأصوات الانتخابية، مع بقاء المنظمات الدينية في تسويق أفكارها المحافظة التقسيمية للمواطنين، وطبع نسخ أقل قيمة من نسخة المأمون، والتسلل للسيطرة على الحياة السياسية الاقتصادية في ظل إقتصاد الانفتاح المالي وشركات المضاربة بمال وقوت المسلمين.

(ديمقراطية حديثة) مع بقاء المنظمات الدينية السياسية تتاجر بالإسلام والمسيحية واليهودية، ومع بساطة فهم العوام للدين والسياسة والحداثة، وقد رفعتهم نشواتٌ نضالية إلى السماء السابعة، ثم ستظهر أنظمة دينية شمولية مقنعة تسلبهم آخر مدخرات العمر، ويحدث لقاءٌ فريد بين ولاية الفقيه الإيرانية وولاية الفقيه المصرية ذات طاقية الإخفاء، وربما السورية كذلك.

إحتمال ولكن المؤمنَ لا يُلدغُ من جُحرٍ طائفي مرتين، والعوام ليس هم الجمهور الثوري الحديث بعد، لم يصبحوا بعد المواطنين المثقفين ذوي التجربة السياسية العميقة بعد أن خيّمَ عليهم ظلامُ الأنظمةِ الشمولية طويلاً، هم يَنجرون للخطاباتِ الدينية الحماسية التي تدغدغُ مشاعرهم وتحومُ على رؤوسهم بالرموز لسلب عقولهم وجيوبهم.

النظام السوري نموذج للعلمانية الزائفة كلياً، حيث حكم العصابات العسكرية والمخابراتية يتجلى عن التبعية لولاية الفقيه الإيرانية، أي هو تعبير مشترك عن سحق المثقفين الديمقراطيين والحداثة والفلاحين في الأرياف من أجل عسكر ديني في سوريا كشط علمانيته بسكاكين القمع، وهناك عسكر ديني كرس تخلفه بالحديد والنار. ويظهرُ سنةٌ بسطاء ينشرون شعاراتهم الوطنية الدينية غير مدركين كذلك لسيطرة مذهبية سياسية متصاعدة. فلم يجدوا سوى صلاة الجمعة يفيضون بعدها لنقد النظام، وهكذا كأنهم الهاربون من الرمضاء للنار.

ديمقراطية غير علمانية، أهي ممنكة؟

حسمت جماهيرُ الأقطارِ العربية في مصر وتونس التوجهات الاجتماعية بالاندفاع نحو ديمقراطية علمانية بدت شفافة وغير مؤدلجة ومتسامحة دينياً ووطنية متجاوزة للتفرقة الدينية والمذهبية، وذلك لكون البلدين لهما تاريخ ثقافي تحديثي طويل، ولو أن الأخوان المسلمين قادوا الثورتين لبارتا وتمزق البلدان.

جنوحُ الجماهير تقودها الأجيالُ الجديدةُ المتعلمة الحديثة للبلد الذي لا تستغله طائفةٌ ولا يعيش تحت هيمنة ديانة واحدة، ويغدو بلداً متسامحاً، ديمقراطياً يركز على التغيير المعيشي، وهذا هو سبب الانتصار.

لكن الجماعات الدينية المغلقة لن تدعَ الناسَ تمضي للديمقراطية الحداثية، فحين يحدث ذلك ماذا ستفعل وأين تولي وكيف تحمي إستغلالها للجمهور؟ فلا بد أن تقاوم إنهيار سلطتها بقوة، كما عملَ الحزبُ اللاوطني اللاديمقراطي وصمد من أجل بقاء إستغلاله للجمهور زمناً طويلاً أستغل كافة الأدوات ليواصل عصر شرايين الشعب في خزائنه.

وما أسهل للدينيين المغلقين إثارة العواطف تجاه المسكرات وعورة المرأة والفنون وإثارة الشعب نحو قضايا جانبية قبل أن تجفَ دماءُ الضحايا من على الأرصفة وبلاط الشوارع.

رجلُ السلطة ورجلُ الدين في الشرق وجهان لعملةِ إستغلال الشعب، الأولُ يركزُ على قداسةِ العلم الوطني وخريطة البلد وقوانينه وأرضه التي تُفدى وتُحمى بالأفئدة، والحدود والرموز المقدسة، وكل هذا الكلام لكن المقدس لديه فعلاً هو الخزائن وكيفية تكديس الأموال وتجميع الثروات، وها هو كل هارب كبير تُوضع ثروته على شاشة الفضاء العالمي مُقاسة بالمليارات المكشوفة الواضحة، فأين ذهبت قداسة الوطن؟

ورجل الدين لا يختلف عنه، يحولُ رموزَ الدين المقدسة لدى المؤمنين من صلوات وكتاب ومناسبات إلى سيطرة على الناس وإستغلال موارد عيشهم وهيمنة على أرواحهم حتى لا تطير نحو العقلانية والحرية.

ألا ترى كيف يستميتون لملءِ بيوتهم بالأشياء الثمينة والأموال والأغذية؟ ألا ترى كيف يخافون أن يتحرر الناس ويغدون حداثيين يعبدون اللهَ دون وسائط ماكرة؟ ويمارسون شعائرَهم الدينية دون وكالاتٍ تجارية وسمسرة إجتماعية؟

فهل يمضي عربُ الحرية السياسية نحو سجون جديدة؟ ويستبدلون النار بالصحراء الضارية؟

لا أظن ذلك، ومهما فعلَ المجلسُ العسكري لكي يعيدَ ذات الطبقة القديمة بوجوه جديدة، وأن يواصل الإقطاعان السياسي والديني هيمنتهما على الشعب بأشكال رقيقة في البدء، فإن الشعوبَ العربية وخاصة الشعب المصري، قد أكتوى بالاثنين، ويريد بلداً حراً على الطراز الأوربي الديمقراطي الحديث، ولا يريد مواصلة العيش في زنزانات الأنظمة الدينية السياسية، يريدُ حكومةً تركزُ على تطوير عيشه ولا تفجر الخلافات بين المذاهب الإسلامية والأديان السماوية، فقد شبعتْ الشعوبُ من هذه الكوارث ومن الإدعاءات الأخلاقية المثالية، وأصحابها أكثر الناقعين في عسل المادة، وصانعي عالم الجواري، والبؤس الأخلاقي.

وها هو العراق بعد أن رسّخ سلطات الجماعات الطائفية الاستغلالية يثور مطالباً بخبزه الضائع، وأمواله الهاربة من يديه التي تتجاوز أسلاك الحدود وهي تحملُ الملايين، وينعى أعماله المتوقفة وحضارته التي هدمها السياسيون الشموليون والدينيون الطائفيون.

الديمقراطيةُ الحقيقية هي أن لا يكون حزباً واحداً مهيمناً فيها، يعيشُ أبديةَ الكراسي والخزائن، ولا أن يقبض الحزب الديني على عنقه ويمنعه من الطيران في عالم الحرية والاختيارات الأخلاقية والعقلانية.

إذا كان الحزبُ السياسي يمكن أن يتغير فإن الحزب الديني يربط نفسه إدعاءً بالذات الإلهية والسماء والمقدسات كلها، فكيف سيتبدل ويسمح لآخرين بنقده وكشف أمواله وإستغلاله؟

لقد جرب العربُ الأحزابَ السياسية الشمولية الدينية فهل يستمرون في التجريب الخائب؟

هل يعرضون بلادنهم للحرائق والخرائب في كل مكان؟

هل ينخدعون بالكلمات عن الطائفة المقدسة والحزب المقدس والجماعة التي لا يأتيها الباطل؟

(الدينُ لله والوطن للجميع)، قالها المصريون سابقاً، ولا بد أن يستعيدوها بشكل أكثر حداثةً وديمقراطية، وأن لا يجربوا الأنظمة الدينية الشمولية ومرارات الأحزاب الدينية بعد أن عانوا طويلاً من الأحزاب السياسية العسكرية.

 

في العلمانية – 1

http://www.civicegypt.org/?p=77119

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, عبدالله خليفة and tagged , , . Bookmark the permalink.