الفطام الاجتماعي وخداع الوعي الجمعي

        أبانوب حفظي  

 بعد أكثر من سبع سنوات على ثورة الخامس و العشرين من يناير لم يعد لدى الشعب المصري القدرة على الاعتصام أو الرفض, ولا يبدو حتى بوادر حراك جديد في أعين الناس. منذ أكثر من أربع سنوات وأنا أرصد ردود أفعال الناس في الشوارع والمواصلات والمقاهي تجاه ما يدور من أحداث في البلد؛ بدءاً من غلاء الأسعار، والإفقار الممنهج، مروراً بتيران وصنافير، انتهاءاً بقانون كبار رجال القوات المسلحة, و يتوسط كل هذا الحبس والتنكيل بالشباب وبأي صاحب فكر أو حتى توجه جنسي مختلف دون أن ينتفض أحد!

يغضب الناس لكن إن ذكرت لهم لفظ “ثورة” يجيبوا بأن الثورات عموماً و ثورة الخامس و العشرين على وجه الخصوص هم أسباب البلاء في البلدان بما تجلب الثورة من فوضى و اضطرابات و ظهور لفئات و ظواهر جديدة ربما يصنفها المجتمع كانحرافات. حالة من الاستكانة والاستسلام تغطي الغضب الذي يغلي في الصدور. حالة من الاستكانة غير الطبيعية حتى بعد إضافة كلمات مثل “الحرية” ,”العيش الكريم” ,”العدالة” إلى القاموس المصري حتى عند العوام من الناس, خاصة بعد أن انتفض الشعب و تنفس نسمات الحرية الأولى بعد نظام حكم دام ثلاثين عاماً, وانتفض بعد عام واحد مرة أخرى من حكم الفاشية الدينية.

ما الذي اختلف داخل الناس؟

 في مرحلة الرضاعة عند الطفل يمثل ثدي الأم المصدر الرئيسي للحياة و الأمان، هو المأكل والمشرب وشريان الحياة وسر وجود الطفل في حالة من الاتزان و الاستقرار، لكن لماذا يعزف الطفل عن كل هذا بعد الفطام و يرفضه تماما إن عُرِض عليه مرة أخرى ؟ وما هي آليات الفطام؟ الأم لا تتكلف أي عناء حين ترغب في إيقاف عملية الفطام سوى وضع بعض المرّ او الفلفل او شيء يؤذي نظر الطفل مثل مسحوق احمر كلون الدم. هذا كفيل ان يشعر الطفل بالألم النفسي و المادي اللذان ينسيانه حلاوة الرضاعة وهنا تكمن عملية الفطام، وإن كان للطفل وعي كافي لكنا سمعناه يلعن أيام الرضاعة، يرفض الطفل بأي وقت لاحق يقدم له فيه الثدي، رغم أن ذكرى الرضاعة في لاوعيه ستصاحبه حتى بعد أن يصبح بالغاً. لكن في وعيه انتهى الأمر و تم الفطام نفسياً و تم تشويه وعيه بنجاح.

النظام العسكري لم يتوانى في فطم المجتمع المصري بكامل طبقاته وفئاته ومنهم من أصحاب الوعي والشباب بعد الثورة ولو للحظة، استغل كل المؤثرات الاعلامية في بث سموم في وعي الناس بضرر الثورة واستغل الاقتصاد في تجويع الناس وإلقاء اللوم على الثورة بأنها أفسدت اقتصاد مصر و استغل السياسية في تسليم جماعة الاخوان مقاليد الحكم وإرهاب الناس.

 فطم للوعي, للغضب, و للرغبة في الصراخ. فطموا التفكير، وحتى الاحساس تخدر لكثرة الألم الذي انصب على كل المجتمع. عملية الفطام تمت مع المجتمع ب”انظر ماذا انجبت الثورة من…؟” حتى أنهم اتهموا الثورة في إفساد أخلاق الشباب! وكأننا كنا في رحاب نظام تعليم هارفرد وافسدتنا الثورة!

 في عملية الفطام بالطرق الشعبية غير العلمية ترسل الأم رسالة للطفل بأن الثدي مُضِر ومؤلم، في الحقيقة هو ليس كذلك إنما خدعت الأم الطفل لأنها صاحبة السلطة ولأنها تستطيع فعل ذلك بقوتها وتحكمها في الطفل. وضعت المر والألم لطفل!  بينما طرق الفطام الحديثة تبدأ فيها الأمر بإعطاء الطفل بدائل أفضل من الرضاعة وهي انواع أخرى من المشروبات والمأكولات الخفيفة والتي تكون أكثر تنوعاً وإشباعاً من لبن الثدي حتى تتمكن من إيقاف طلبه المستمر للثدي دون أن يتأثر نفسياً أو يتألم جسدياً.

فهل كان لمصر نظام اقتصادي قوي أفسدته الثورة؟!  هل كان لمصر قوة وثقل في الإبداع الفني والثقافي والأخلاقي وأفسدته الثورة؟! هل كانت لمصر ثقافة متحررة واعية والثورة جاءت بالنظام الاسلامي؟!  

النظم الفاشية العسكرية او الدينية تخدع شعوبها وتوهمهم بأن الثورات سبب البلاء، لكن إن راجعنا انفسنا وذاكرتنا نجد الثورة قامت ضد الجهل والقمع والفقر والفساد، الثورة وشبابها كان لهم وعي أعلى وادراك للمستقبل كانوا يعلمون أن هذا ما ستؤول اليه الأقدار إن لم يثوروا على النظام ككل, كان وعيهم سابق لحاضرهم بعكس العامة الذين نكلوا بالذين ماتوا لأجل مستقبل أفضل بأثر خداع المؤسسة العسكرية التي رفعت التحية للشهداء ثم هتكت عرض أقرانهم وكل من له علاقة بهم وبالثورة، كانوا أصحاب وعي و لكن لم يكونوا بوعي كافي بمدى خسة النظام, سقط الجميع في المصيدة.

يجب على الناس أن تدرك أن ألمهم وفقرهم بسبب نفس النظام الذي قامت ضده الثورة وليس نتيجة لها؛ يجب على الناس أن تدرك أين السبب وأين النتيجة وماهية المحرك وكيفية إيقافه. وهذه الكيفية تأتي بالوعي, بمجرد ادراك ما حدث و تذكره جيدا, وأن يعودوا لنقطة البداية ثم ينطلقوا من جديد في المسار صحيح. صحيح أن الطفل لا يمكن أن يُرضع طول العمر ولكن أيضاً يجب ألا ينخدع بوسيلة محركها الخسة والخداع فحتى الحيوانات لا تفعل هذا.

 بقلم: ابانوب حفظي

مراجعة وتعديل: هبة عنتر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, Egyptian History مصرنا, أبانوب حفظي and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.