محاولة أنثروبولوجية للإجابة عن سؤال: من نحن

 مازن كم الماز 

 يفرق الأنثروبولوجيون الثقافيون ( الغربيون ) بين مجتمعات الذنب و مجتمعات العار – الخجل و تلك التي تقوم على الخوف، حسب الآلية المستخدمة للسيطرة على الأفراد و “الحفاظ على نظام أو تماسك المجتمع”.. تتحقق هذه السيطرة في مجتمعات الذنب بخلق و تكريس مشاعر الذنب و توقع العقاب سواء في هذا العالم أو بعد الموت عقابا على سلوكيات أو أفعال معينة، أما مجتمعات العار – الشرف أو الخجل فهي تعتمد على مشاعر الخجل و التهديد بالنبذ الاجتماعي.. ثقافة العار – الشرف تقوم أساسا على المظاهر و على تواطؤ الجميع على الاستسلام للقيم السائدة مهما بلغت من تفاهة و مهما كانت درجة اقتناعهم و التزامهم بها في الواقع.. يعتبر كثير من الأنثروبولوجيون الثقافيون مجتمعاتنا، المشرقية والعربية إسلامية أو مسيحية، مجتمعات قائمة على العار – الشرف و مركزية مشاعر الخجل في مقابل المجتمعات الغربية التي تستخدم آليات الذنب الشعورية و التهديد بالعقاب للسيطرة على الفرد.. و طالما أن الأفراد في مجتمعات العار – الشرف مستعدون لفعل أي شيء “للحفاظ على شرفهم” أي على المظاهر المرتبط بقيم و فكرة العار – الشرف فإن السائد بين الأنثروبولوجيين الغربيين أن هذه المجتمعات أميل للعنف..

أما النوع الثالث من المجتمعات : مجتمعات الخوف، فهي تلك التي تقوم على الخوف من العقاب و العنف المباشر.. كي نفهم الفروق بين هذه الثقافات و الجماعات يمكن أن نتصور الفرد في المجتمعات الأولى و هو يتساءل قبل أن يقوم بأي سلوك : هل سلوكي “صحيح” أم لا، بينما يتساءل الفرد في المجتمعات القائمة على ثقافة العار – الشرف : هل سأجلب العار على نفسي بتصرفي هذا و كيف سينظر إلي الناس، أما الفرد في المجتمعات القائمة على الخوف فيطرح سؤال وحيد في كل الأوقات : هل سيضربني أحدهم إذا قمت بهذا ؟.. أحد “بدع” الأنثروبولوجيا الثقافية الغربية هو مفاضلتها بين آليات سحق ذوات الأفراد و تدجينهم : أن الروبوتات، الماكينات، أو المسخ التي تنتجها آليات التهديد بالعقاب و مشاعر الذنب أقل عدوانية و عنفا من الروبوتات التي تنتجها ثقافة العار – الشرف.. يقول الأنثروبولوجيون الغربيون أن مشاعر الذنب تترك هامشا ما للفرد كي يتحاور مع المؤسسات العقابية و يقاومها أحيانا، كي يتنفس و لو بعضا من فرديته، فيما تسحق مشاعر العار – الشرف – الخجل أية قوة و استقلالية خاصة بالإنسان و تسحقه و تتركه عاريا، مهزوما من داخله.. إن الخوف من العقاب لا يمكن أن يقارن كقوة تدجين و رعب بمشاعر العار و الخجل..

لكن إذا تركنا الروبوتات في الغرب سعيدين باكتشافهم هذا و انتقلنا إلى شرقنا يمكننا القول أننا نعيش اليوم في مجتمعات يوحدها الخوف من العنف العاري، من الاستباحة المحتملة في أية لحظة.. و إذا لاحظنا أيضا أن المشروع الإسلامي يقوم على إعادة الاعتبار لثقافة العار – الشرف، كان من المنتظر من هؤلاء أن يعودوا بنا من مجتمعات الخوف القائمة إلى مجتمعات العار – الشرف – الخجل السابقة، الماضوية، على اعتبار أن مفاهيم و مشاعر العار – الخجل هي “أصيلة داخلنا”، جزء من “هويتنا” الخ، كما يقول الإسلاميون و من يلف لفهم.. لكن ما رأيناه في الممارسة أن الإسلاميين هم أيضا يلجؤون لثقافة الخوف التي زعموا أنهم يمثلون نقيضها و أنهم يعيدون تأسيس جماعاتنا “الأهلية” على أساسها.. كل ما هنالك أنهم يستخدمون ثقافة العار – الشرف – الخجل في إنتاج نوع جديد من الحرس – العسس – الجلادين ليمارسوا عن طريقهم ثقافة الخوف و الإكراه المباشر على الآخرين… و نبقى حائرين، بين ثقافات الخوف السائدة أو تبني آليات جديدة للاستلاب و القمع “أكثر عقلانية” و “أقل عنفا” أو “العودة إلى أصالتنا” المتمثلة في ثقافات العار – الشرف – الخجل و إعادة إنتاج جماعات من الروبوتات التي لا تجيد إلا السمع و الطاعة، و القتل أو الموت، إذا صدرت الأوامر...

مازن كم الماز

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مازن كم الماز and tagged , . Bookmark the permalink.