ألوهية يسوع المسيح والأدلة المُختَرعَة

حوارات في اللاهوت المسيحي 34

د. جعفر الحكيم  

الجدل حول حقيقة شخصية الشاب اليهودي المصلح يسوع  الناصري, جدل قديم يمتد الى قرابة الألفين عاما, ولازال!

فمنذ منتصف القرن الميلادي الأول, ومع بروز جماعة  بشرية اعتقدت بامتلاك يسوع الناصري خصائص الهية, ومن ثم بدأ الاعتقاد يتطور تدريجيا حتى بلغ ذروته في اعتبار هذا الشاب اليهودي هو الإله الخالق بصفته اقنوما من اقانيمه الثلاثة!

منذ ذلك الحين, نشأ الجدل حول اثبات او نفي هذا الاعتقاد بين الجماعة الايمانية الجديدة(المسيحيون) من جهة, وبين الجماعات اليهودية التي كانت لا ترى في شخص يسوع الناصري سوى أنه مدع ٍٍٍٍ كاذب للمسيحانية وقد لقي جزاءه!

وبنفس الوقت كان هذا الجدل محتدم ايضا بين أقسام الجماعة المسيحية ذاتها, بين الذين اعتقدوا بالوهية يسوع وبين بقية الفرق المسيحية التي لم تكن تعتقد بالوهيته،مثل المسيحيين الابيونيين، ولازال هذا الجدل بين الفرق المسيحية قائما الى يوم الناس هذا, كما هول الحال مع فرقة المسيحيين (الموحدين الإنجيليين) ونقاشاتها حول نفي الألوهية لشخص المسيح.

ورغم اتفاق الجميع, على أنه لا يوجد أي قول صريح ليسوع الناصري, يعلن فيه بشكل واضح ومباشر انه (الله) ولا يوجد كذلك اي تصريح او تعليم صريح له يطلب فيه من الناس او من خاصته وتلاميذه, ان يتوجهوا إليه بالعبادة، ومع ذلك فإن للمسيحيين القائلين بألوهيته, مجموعة من الادلة والبراهين،التي يعتقدون انها كافية وواضحة، لإثبات الالوهية له مما يجعل الكرة في مرمى مليارات البشر, فإما ان تقتنع بهذه الأدلة وتعتقد بالوهية يسوع،وتقبل به الها مخلصا, فتنال بذلك الحياة الابدية المنعمة, والا فان مصير من لايقتنع بذلك, الخلود في بحيرة النار والكبريت, وان كان صالحا او طيبا!

يستند المسيحيون المعتقدون بالوهية المسيح الى العديد من الادلة والاثباتات, ويقدمونها كبراهين قاطعة على صحة اعتقادهم, وهذه الادلة تختلف بطبيعتها, فمنها مثلا،ما يستند إلى الأعمال الاعجازية المنسوبة للمسيح, ومنها ايضا ما يستند الى تحقق نبؤات العهد القديم في شخص المسيح, وهناك ادلة تعتمد على تأويل تصرفات او عبارات للمسيح او تلاميذه, من قبيل سجود بعضهم له, وغيرها من الادلة الاخرى.

لكن يبقى القسم الاهم والاقوى من بين براهين وادلة الوهية يسوع المسيح,هي تلك التي يقدمها المسيحيون على اساس انها اقوال وعبارات قالها يسوع بحق نفسه، وفيها اشارة واضحة على خصائصه الالهية,من قبيل :

(انا والاب واحد)

(الذي رَآني فقد رأَى الآبَ)

وغيرهما من الأقوال التي سنتطرق اليها في ما يلي من هذا المقال, والذي ليس مخصصا للمناقشة التفصيلية لادلة الوهية يسوع الناصري، ولا تفنيدها, فقد تم رد بعضها في مقالات سابقة, وانما موضوع المقال هو حول ظاهرة ترتيب الادلة وتطورها ضمن السياق الزمني الذي نشأت فيه النصوص المسيحية المقدسة.

وهنا نحتاج الى التذكير مجددا الى ان العهد الجديد لم تُكتب كل اقسامه في زمن واحد, وانما تم كتابتها في ازمنة متلاحقة, واماكن مختلفة، وعلى ايدي اشخاص مختلفين.

فاقدم اقسام العهد الجديد, هي الرسائل المنسوبة الى شاول الطرسوسي(بولس الرسول), ويأتي بعدها في الترتيب الزمني الانجيل المنسوب الى (مرقس) الذي يحتمل انه كتب بعد رحيل يسوع في فترة 30 الى 40 عام

وبعد ذلك يأتي في ترتيب الاقدمية الزمنية انجيلي (متى ولوقا) ومن بعدهما يأتي آخر الأناجيل وهو الانجيل المنسوب الى (يوحنا)  والذي يعتقد انه تمت كتابته في نهاية القرن الميلادي الاول تقريبا, اي حوالي 70 عاما بعد المسيح, ويمتاز أنه كتب بلغة يونانية راقية، وتضمن أفكارا فلسفية كانت شائعة في ارجاء الامبراطورية الرومانية وقتذاك.

وبالعودة الى العبارات والأقوال المنسوبة ليسوع الناصري, والتي يعتمدها الاخوة المسيحيون, كأدلة نصية على ألوهيته فبالاضافة الى القولين المتقدمين, هناك اقوال عديدة اخرى منسوبة ليسوع،قد يستشف منها, ايضا, انها تصريح يدل على امتلاك هذا الشاب اليهودي لخصائص إلهية،تميزه عن بقية البشر، مثل (قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) يوحنا 58/8 (وليس أحَدٌ صَعِدَ إلَى السماءِ إلا الذي نَزَلَ مِنَ السماءِ، ابنُ الإنسانِ الذي هو في السماءِ) يوحنا 13/3 (لانه كما ان الاب له حياة في ذاته كذلك اعطى الابن ايضا ان تكون له حياة في ذاته)  يوحنا 26/5 (انا هو الطريق والحق والحياة ليس احد ياتي الى الاب الا بي)  يوحنا 6/14 (اني انا في الاب و الاب في)  يوحنا 10/14

وهناك نصوص أخرى شبيهة، وسأكتفي بما أوردت مراعاة للاختصار,  و سنفترض ان تلك النصوص المنسوبة ليسوع الناصري قد قالها كما هي بالضبط، بلغته الآرامية التي كان يتحدث بها, و سنفترض ان ترجمتها من الارامية الى اليونانية كانت دقيقة جدا, وكذلك الترجمة من اليونانية القديمة الى اللغات المعاصرة, ومع افتراض دقة الترجمة, سنفترض ايضا, ان المراد من كلام يسوع المسيح هو متطابق تماما مع التفسير المسيحي لها, وان يسوع كان يصرح بحقيقة ألوهيته! 

ومع افتراض صحة نسبة هذه العبارات، وان يسوع الناصري قد قالها بشكل علني وكررها, وسمعها الناس او على الاقل تلاميذه وأتباعه ومريديه, ستواجهنا مشكلة خطيرة وجديرة بالبحث والتدقيق، وهذه المشكلة هي، اننا لا نرى اي ذكر لهذه العبارات والأقوال المهمة في جميع النصوص المسيحية المقدسة السابقة في زمن تدوينها على انجيل (يوحنا) والذي هو آخر الاناجيل, وقد تم تدوينه بعد فترة لا تقل عن سبعين عاما؟!!

وهنا يبرز سؤال مهم جدا, وهو, هل يعقل ان يهمل المدونون المتقدمون على زمن كتابة إنجيل (يوحنا) في الرسائل والأناجيل التي كتبوها, اقوال مهمة جدا قد قالها يسوع المسيح, وتتعلق بأهم ركن من أركان الإيمان المسيحي،وعليه يتوقف الخلاص والنجاة لكل اجيال البشرية والى ان يرث الله الارض ومن عليها؟!

ونحن هنا نتحدث عن عبارات وتصريحات من المفترض ان يسوع قد قالها بشكل علني, ولا نتحدث عن حادثة او جزء من قصة،قد يكون التفت اليها احد كتبة الأناجيل, ولم يهتم بها كاتب اخر, ولسنا بصدد حكاية ينقل لنا كاتب للانجيل مقطع منها, وينقل لنا كاتب إنجيل آخر مقطع ثاني!!..وانما بصدد اقوال وتصريحات للمسيح يتوقف عليها اصل الايمان وجوهره!

واذا اخذنا في الاعتبار ان غرض الاشخاص الذين كتبوا اجزاء العهد الجديد, من رسائل واناجيل, كان يتمحور حول هدف رئيسي مهم جدا, وهو تعريف الناس بشخصية المسيح وحقيقتها, وتثبيت كل ما يدعم الإيمان الجديد و يبرهن على صحته وان هذا الإيمان – حسب الادعاء المسيحي – قائم على الاعتراف بالوهية المسيح وقبول تضحيته من اجل البشرية, فكيف والحال هذه, نفهم ان الذين كتبوا الجزء الاعظم من العهد الجديد, لم يذكروا او يثبتوا في مدوناتهم, اهم واعظم, الحقائق التي قالها الاله المخلص الفادي, بشكل علني, ليعلن للناس عن حقيقته السماوية!!!

ولا نجد اي تفسير عقلائي يبرر اهمال هذه الاقوال الخطيرة, والمحورية في تأصيل المعتقد المسيحي، في اقسام العهد الجديد المتقدمة زمنيا, وظهورها بشكل مفاجئ ومكثف في آخر الأناجيل!!

وخصوصا انه لا يمكن الادعاء ان الأشخاص الذين كتبوا الرسائل والأناجيل السابقة، كانوا يعلمون انه في المستقبل(بعد حوالي خمسين عام)  سيقوم شخص او اشخاص بكتابة انجيل رابع، وسيذكر فيه أقوال المسيح حول طبيعته الالهية!!

ان التفسير الوحيد والمنطقي, لهذا الاضطراب هو ان السادة كتبة الرسائل والأناجيل السابقة لإنجيل (يوحنا) لم يسمعوا أصلا بهكذا أقوال منسوبة ليسوع المسيح, و لو ان تلك الأقوال التي تم اختراعها لاحقا، وتم وضعها على لسان يسوع، كانت معروفة وشائعة لما تردد كتبة الأناجيل المتقدمة زمنيا في تثبيتها في اناجيلهم، كما فعلوا في قصة إطعام 5000 شخص والتي نجد ذكرها قد تكرر في جميع الأناجيل الاربعة, فهل يعقل ان كتبة الاناجيل يحرصون على ذكر حادثة اعجازية ليسوع، ويهملون ايراد اهم واخطر الأقوال التي من المفروض ان يسوع قد صرح بها معلنا للبشرية ألوهيته؟!!

من الثابت في دراسة التاريخ, ان الحقائق تتعرض بمرور الزمن الى التشويه والطمس, بينما الأساطير تتميز انها تكبر وتتضخم كلما ابتعدنا عن زمن الحدث, وهذا بالضبط, ما حدث مع شخصية الشاب اليهودي يسوع الناصري, حيث أخذت شخصيته تكتسب الطابع الأسطوري, والذي من أهم خصائصه في تلك الحقبة الزمنية, اضفاء صفات و طبيعة سماوية إلهية على الشخصية, و لا بأس من وضع نصوص او عبارات على لسان الشخصية لغرض تثبيت تلك الطبيعة الالهية, ومن اجل ان يتم سد الثغرات وردم كل الفجوات في القصة والتي من الممكن ان يستفيد منها الاطراف الاخرى التي كانت ترى ان يسوع الناصري مجرد إنسان مثل بقية البشر, قام الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) بلغة يونانية و بعقلية متأثرة بالثقافة اليونانية المتشبعة بالأفكار الوثنية وتأليه البشر او تأنيس الالهة, قاموا بأختراع النصوص التي اوردناها وما يشبهها، وثبتوها في سرديتهم النصية, والتي أصبحت مع مرور الزمن كتابا مقدسا !!!

د. جعفر الحكيم

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د.جعفر الحكيم and tagged , . Bookmark the permalink.