معنى التمييز الايجابي، قبل أن ننتهكه أكثر من ذلك

 أرنست وليم  

التمييز الايجابي هو مصطلح بدا استخدامه في الغرب بمعنى فرض تغير الذهنية المجتمعية من قيود وتبعات الاعتياد الناتج عن مخلفات عصور التمييز العرقي – الديني – الجنسي… فبعد أن نجحت هذه الدول إلى حد كبير في المساواة في الحقوق والواجبات على اساس المواطنة وصار هناك من المثقفين والمتعلمين والمعلمين والنابغين ما يكفي من كل فئات المجتمع ولكن بقي اعتياد الناس على رؤية الرجل لا المرأة في مواقع القيادة، والأبيض لا الاسود على رأس”الجهات السيادية”–[ وهو مصطلح سخيف بلا معنى فالسيادة للشعب وكل الهيئات والمؤسسات هي لخدمته تستمد منه شرعيتها ووجودها وحقها في البقاء، ولكن نذكره من باب تقريب المفاهيم وإن تجاوزنا الدقة في التعبير ] – والبروتستنتي الانجيلي أو الكاثوليكي وليس الشيعي او الهندوسي كمحافظين ورؤساء احزاب…. إلخ.

فكان قانون التمييز الايجابي هو لأجل الحفاظ على”كوتة”- نسبة عددية – معقولة ممثلة لنسبة الاقليات العددية من المستبعدين من المشاركة الايجابية في بناء اوطانهم في كل موقع ووظيفة ومركز – أو عند التساوي في الكفاءة والموهبة والدرجة تكون الاولوية للأقلية العددية أو العرقية أو المرأة….

أما عندنا في مصر، فعذرا، انا لا اجد ما يجعلني ابتهج أو استبشر بل العكس هو الصحيح إذ ازداد غما على غم من انتهاك الافكار وتسطيحها وتفريغها من معناها ومضمونها، إذ نمهد الطريق ليأتي سلفي متحذلق ويقول: جربنا كل شيء فكانت النتائج فاشلة لأننا أمة خلقنا على أن لا يكون لنا من تفوق إلى بما تفوق به سلفنا الصالح في تاريخهم الذي”قيفوه”من اوهام خيالتهم الخصيبة وعقولهم العقيمة.

فعندما يُختار”جورج”لا”حسن”أو”محمد”كمحافظ على اساس الدين، يبتهج المرضى بالطائفية المضادة ويجن جنون أصحاب السطوة الغير مباركة، او امرأة شقراء في منصب محافظ، ولاسيما لو كانت بغير حجاب، لا على اساس موهبة وجدارة وتاريخ سياسي اداري يشهد لها بل لأنها في البطاقة انثى. وكم من انثى يخجل منها حتى المطبخ !!

ومن هذا المنطلق فلا عجب أن تجد”جورج”يده ثقيلة على ابناء طائفته خوفا من الاتهام بالطائفية، وعرفانا بالجميل لمن وضعه وهو العالم أنه غير اهل لما وضع فيه ولمنصب تبوءه عن غير جدارة إنما للاستغلال السياسي الطائفي الضار اكثر منه مفيد.

وكذالك تجد المرأة الشقراء، ذكورية بشكل مخيف شاذ نشاز”سرساعة”تحيط نفسها برجال”دلاديل”وتنتقص من حق بنات جنسها اكثر مما يمكن لرجل متوسط الكفاءة والمفاهيم أن يفعل، ولكم في وزيرة الصحة قدوة ومثل، تعالج مشاكل الصحة بزيارة شيخ الازهر والبابا ثم بالنشيد الوطني بالمستشفيات والله الشافي من بعد اللحن الحماسي.

فهل في هذا أي بادرة لتغيير الحال أو الابتهاج؟ – بالتأكيد لا ! فالبداية يا سادة من القاعدة في تعليم وفي تفعيل الحريات السياسية وتطبيق مفاهيم المواطنة في كل كبيرة وصغيرة في المدرسة والشارع والبيت ويقف القانون بالمرصاد لكل منتهك لها معتد عتي جبار.

أخر مرحلة من مراحل المساواة لا تتحقق إلا بتمييز ايجابي الذي لا يهدف إلى اكثر من ان يكون اداة عون تكميلية بعد ان يتساوى المواطنون في كل شيء ثم نقدم ونزكي وندفع من الاقليات والمهمشين إلى اعلى المناصب كرد فعل استثنائي في مواجهة تأخر العادات والتقاليد الميالة دائما إلى المحافظة على الموروث بحكم الاعتياد والاستئناس بالثبات المريح عن مواكبة هذا التغير، وليس استخدامه سياسيا ليشوه كما شوهنا غيره من مفاهيم ومعاني جميلة فصارت مسخ، شوهنا الوطنية فصارت شعار واتهام وتلقيح كلام، شوهنا الديمقراطية بتجهيل الشعب فصار ألعوبة في يد كل افاق يأتي بلحن وآية من كتاب، وافقرناه فصار يعطي صوته لمن اشتراه من جمعيات دينية ممولة بسخاء، وكسرنا انفه فلم يجد امامه إلا عجل يقع فيكثر من الطعن شفاء لغليل رجل مريض… ثم قلنا ارفع رأسك يا اخي بعد فصدنا العنق، وعيش حرية عدالة اجتماعية صارت إلى ما صارت إليه من انتكاسة وجبر وانعدام رؤية.   

انها ذات لعبة الديمقراطية التي صفيت من كل مضامينها العلمانية، وحرق كل المواثيق الدولية من حقوق الإنسان والمواطنة وحماية الاقليات والمستضعفين، حرق كل ذلك بجاز وسخ، ثم تدخل”جهات سيادية في العملية الانتخابية، بتمويل وأنفاق لا يُعلم عنه شيء بتبذير مخزي… ثم بعد ذلك نقول عرسا ديمقراطيا إذ ابقينا على الصندوق، الذي كان صندوق اقتراع فصار تابوت تدفن فيه كل القيم الحداثية والعلمانية التي اوجدته لتكريم الإنسان لا نصب تذكاري يشهد على انه مات ودفن من زمان.

فمن يحيي البديهيات فينا يضعنا على اول الطريق الصحيح، أما المجتزئون من كل فيلم مقطع ومن كل رواية جملة غير مكتملة فإنهم يشوهون عقولنا فتخرج الافواه اصوات تشبه ما يقوله البشر يملئون به الفراغ ضجيجا بغير طحين.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Terms عالم المصطلحات, ارنست وليم and tagged , . Bookmark the permalink.