الدهشة الموجعة فى حياة وأفلام يوسف شاهين

فتحي سيد فرج  

عندما نطلق كلمة “سينما” أو كلمة “مخرج” فأن اسم “يوسف شاهين ” 2008 – 1926 يقفز كتعبير متميز عن هذه الكلمات ودلالتها كإنسان عاش من أجل السينما عاشقا لفنها، ومخلصا لها، ومبدعا فيها، لم يمارس في حياته سوى مهنة واحدة: الإخراج السينمائي. ربما انتج أحيانا، وربما مثل في بعض أفلامه، وربما حقق عملا أو أكثر للمسرح، ولكنه ظل الفنان السينمائى الأول فى مصر طوال مسيرة حياتة.

ورغم أن افلامة غالبا فى عروضها الأولى لم تكن تجد تعاطفا جماهيريا، وكانت تثير قدرا كبيرا من الجدل بين النقاد والمثقفين، ولكنها تتحول بأستمرار عرضها إلى أعمال فنية متميزة، وتصبح علامات فى التاريخ السينمائى المصرى والعربى بل والعالمى : فلماذا؟، لأنها لم تكن مجرد أعمال تقليدية، بل كانت دائما صادمة تتخطى اللحظات الراهنة، وترنو للمستقبل، وتكشف المستور بين خبيا الواقع المعاش، والمدهش فى أفلام شاهين، أنك فى كل مرة تشاهد فيها الفيلم تكتشف أبعادا جديدة وعوالم أخرى غير التى عرفتها من قبل، ففكرة فيلم باب الحديد الذي لم ينجح جماهيريا اثناء عرضه كانت غريبة على السينما المصرية،  ولكنه أصبح من كلاسيكيات السينما، وضمن أفضل مائة فيلم فى مصر .

 وكان يوسف شاهين مندهشا بلا حدود، ومدهشا بلا توقف، حياته مدهشة، أعماله مدهشة، علاقاته مدهشة، اختيارته مدهشة،  مشاكس ومتمرد بشكل دائم، كل من يعرفه يؤكد أنه عبقرية مجنونة، شديد الاحساس بالناس، والتعاطف مع المهمشين والغلابة،  ويهتم بتفاصيل عمله، ويسيطر على ادواته وطاقم العمل معه، وكان حضوره طاغيا ليس فقط  فى أفلامه، بل كان وجوده فى أى مكان يصاحبه صيحات الإعجاب والتصفيق، شاهين كان يأخذ العين والقلب ليس فقط بسبب إبداعاته المميزة التى تمثل تاريخا متنوعا محفورا فى السينما المصرية، ولكن لأنه «بنى آدم» فريد فى تركيبته الإنسانية يحاكى الأطفال حينا والمجانين أحيانا أخرى  .

فى الكتاب الذى أصدره الناقد إبراهيم العريس بعنوان “نظرة الطفل وقبضة المتمرد” يقول أنه كان الإنسان المتوتر دائما، يعمل طوال 18 ساعة يوميا بشكل متقد، وحيوية ونشاط عالى، قادراً على تحويل أى هزيمة إلى نصر فنى جديد، يسعى إلى تدمير الأفكار الزائفة، ونفض الغبار عما اعتدنا تسميته بالمسلمات وإلى تعرية الازدواجية الراسخة فى أعماق المجتمع .

حياته مدهشة : فقد ولد  لأب لبناني كاثوليكي، وأم من أصول يونانية هاجرت أسرتها إلى مصر في القرن التاسع عشر، وكمعظم الأسر التي عاشت في الإسكندرية فقد كان هناك عدة لغات يتم التحدث بها في منزلهم، وعلى الرغم من قلة موارد أسرته المالية إلا أن والده أصر على إلحاقه بمدرسة  أولاد الذوات بعدما رأى طموحاته التي فاقت مستواه العُمري، واستطاعت أسرته تعليمه بكلية فيكتوريا، وحصل منها على الشهادة الثانوية. وبعد اتمام دراسته في جامعة الإسكندرية، انتقل إلى الولايات المتحدة وأمضى سنتين في معهد پاسادينا  يدرس فنون المسرح، هكذا تمكنت أسرته الكادحة بقدر من الوجع الاجتماعى أن تحوله إلى شاب فى مقتبل حياته يحسن التحدث بخمس لغات، ويتنفس الحياة فى مدينة تتميز بالتنوع الثقافى والاجتماعى،  وحاصل على دراسة متقدمة اختارها لشغفة بالفن، مما مكنه من الدخول إلى الحياة العملية من أوسع نطاق .

فبعد رجوعه إلى مصر ساعده المصور السينمائي ألفيز أورفانيللي بالدخول في العمل بصناعة الأفلام، فحصل على الفرصة لإخراج أول أفلامه بعنوان «بابا أمين» عام 1949 وهو لا يزال فى الـ 23 من عمره، وفى العالم التالى قدم ثانى أفلامه تحت عنوان «ابن النيل» الذى شارك فى مهرجان كان فحقق من خلاله الشهرة والنجاح كمخرج يخلق اتجاها ولغة سينمائية مختلفة عن السائد بالسينما المصرية فى ذلك الوقت .

كما اتسم كمخرج بالدهشة فى اختيار موضوعاته ونجوم أفلامه وكان يحول ألمه النفسى إلى إبداع، ويطابق بين رؤيته الشخصية المفزعة وبين العالم المريض والفاسد من حوله فى لحظة واحدة، يبحث ويتساءل عن الحب والعدالة والخير، وأحيانا  يؤنب الوطن على ما وصل إليه من ضياع، كسر العديد من التابوهات في السينما المصرية، لذلك لم تكن ريادته مكللة بالغار، بل كلفته كثيرا، لم يبال، بل سار في طريقه متمردا مشاكسا، محللا غاضبا، لا توقفه رقابة ولا يحده اطار .

برع فى تجسد كل أشكال الصراع، الصراع الشخصى، والصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية، فالكاتب كاظم مرشد السلوم يقول فى مقال هام عن “الصراع فى أعمال يوسف شاهين” أن افلامه غنية بالمنطلقات الانسانية فهى طاغية على كل اعماله ، فهو يجعل من ابطاله بشرا يجسدون النفس البشرية في لحظات ضعفها وقوتها. النابعة من حالة الصراع مع نفسها، او مع محيطها الخارجي، ولم يكن هذا الصراع من فراغ بل نابعا من وعي والتزام مبنيين على تحليل لحركة الواقع والمجتمع والتاريخ وما تحمله من صراعات مختلفة .

ففي افلام (صراع في الوادي، صراع في الميناء، شيطان في الصحراء) جسد  لاول مرة صراع  سلطة الحكام الفاسدين فى العصر الملكى وضرورة ثورة جماهير الشعب عليهم وازاحتهم، كما جسد الصراع الاجتماعى والوطنى فى (عودة الابن الضال، جميلة الجزائرية، الارض) والصراع النفسى النفسي المرتبط ببعد اجتماعي في افلام  (باب الحديد، الاختيار، فجر يوم جديد) وكمثال للفنان الثائر حاول إيصال أفكاره الاجتماعية والسياسية من وراء الكاميرا، فقدّم فيلمين متتاليين هما (الاختيار عام 1971، العصفور عام 1972) طرح خلالهما رؤيته لأسباب الهزيمة بجرأة وعمق إلى حد منع الرقابة طرح الأخير ولم يُعرض إلا بعد عدة سنوات، حيث حمّل خلاله مسئولية هزيمة الجيش للفساد في المؤسسة السياسية المصرية  .

وقد حرص شاهين على سرعة الايقاع في تناوله للصراع في مجمل افلامه. فهي تتميز بايقاع سريع مضطرب، غالبا ما يعطي احساسا بالتوتر يتناغم مع نمو الصراع وسير الاحداث، وبهذا يعد يوسف شاهين افضل من جسد الصراع في الافلام السينمائية العربية ويعز البعض ذلك لأنه لم يكن ينشد من افلامه الربح التجاري الصرف، بل كان يريد ان يرسل رسالة الى الجميع حول مجمل الصراعات الدائرة في المجتمع .

ومنذ بدايته حاول شاهين جاهدا ان يكون متمكنا من ادواته السينمائية، وبالتالي يكون قادرا على استعمال هذه الادوات في كتابة سينمائية محكمة وباسلوب مميز، فقد كان موفقا في اختيار اماكن تصوير افلامه التي تشهد احداث الفيلم والصراع الكامن فيها، فكان يختار الاماكن الحقيقية او المفتوحة التي تخدم فكرة الفيلم بشكل جيد وتصل بالمشاهد الى حالة قناعة بالمكان الذي حدثت فيه، ففي (باب الحديد)  المكان حقيقي وكثير من الاشخاص الحقيقيون الذين يعيشون فيه هم كثيروا الشبه بابطال الفيلم، وفي (العصفور) المكان هو كل مصر لذلك كان التصوير الخارجي هو مكان حقيقي جرت فيه احداث مشابهة لاحداث الفيلم، وبالتالي فان اختيار المكان في افلام شاهين دائما ما تخلق مناخ تعبيري للافصاح عن عوامل الصراع

شاهين والموسيقي : لو لم يكن شاهين سينمائياً لكان قد أصبح موسيقيا بالتأكيد، فمنذ البداية استخدم الموسيقى والغناء كعنصرين أساسيين في أفلامه منذ فيلمه الأول بابا أمين وحتى آخر أفلامه هي فوضى، في تلك الأفلام تعامل مع عدد كبير من المؤلفين والملحنين والمطربين وكان يشارك في اختيار الأغاني والموسيقى التي تخدم فكرة،  وخلال تلك المسيرة لحن شاهين أغنيتين الأولى هي «حدوتة حتتنا» في  «اليوم السادس» ، والثانية هي «قبل ما» في فيلمه «سكوت هانصور»

فالموسيقي و الأغاني في أفلامه جزء عضوي لا يمكن فصله عن معني الفيلم وعن احساسك به، خذ عندك (عودة الإبن الضال، أو العصفور واليوم السادس) التي تلعب فيها الموسيقي دوراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه أو استبداله أو حتي حذف أو اضافة شئ هنا أو هناك، ومن المعروف أيضا أنه كان يجيد العزف علي البيانو وله بعض المحاولات التأليفية، وقد غامر في أحد أفلامه الأخيرة وهو “سكوت هنصور” بتلحين أحد استعراضات الفيلم .

وفي الستينيات حين هاجر إلي لبنان كموقف ضد نظام الاستبداد السياسى، قام بإخراج فيلم موسيقي كامل لـ فيروز هو (بياع الخواتم) والمحاولة الأكثر اكتمالا لصياغة فيلم موسيقي كانت (عودة الإبن الضال) الذي تمكن مع مؤلفه “صلاح جاهين” ان يبدعا نوعا فنيا جديد من الأفلام الموسيقية يتميز بالمزاج والميراث الموسيقي المصري، ويتعارض مع نوع الكوميديا الموسيقية الهوليوودي الذي تحول إلى هجين غريب في السينما المصرية.

والشئ المبهر هو قدرته علي استشراف مستقبل الذوق الموسيقي العام، وليس الأمر فقط أنه اختار موسيقي نشيد (راجعين) لفيلمه (العصفور) التى تحولت موسيقاه إلي النشيد الوطني لمصر (قبل أن يقوم السادات بتغييره مرة أخري بنشيد بلادي)، كما تجرأ أن يظهر “الشيخ امام” و”ماجدة الرومي” و”محمد منير” لتخرج أصواتهم لأول مرة داخل العروض  السينمائية، كما يعتبر المخرج الوحيد الذي ظهر “ألبوم” باسمه ضم أغاني (ماجدة الرومي، محمد منير،الشيخ إمام، وأداء الكورال لنشيد راجعين) والطريف أنه ضم أيضا بعض المقاطع الحوارية من فيلمي (الأرض، الناصر صلاح الدين) .

وفي كتابها «موسيقى أفلام يوسف شاهين» تقول الناقدة السينمائية الدكتورة رانيا يحيى: لقد احتل المخرج يوسف شاهين مكانة بارزة في المشهد السينمائي المصري والعربي والعالمي فموسيقى أفلامه كانت تعبير عن بعض الأفكار الفلسفية مثل الأمل والاغتراب والتشويق والجذب والترقب والتنبؤ وأيضاً التألق والتناسق في ما بين الموسيقى والصورة، وتختتم الناقدة السينمائية هذا الكتاب بقولها: كل هذا يعبر عن رؤية شاهين الجمالية داخل أفلامه والتعبير عن أحاسيسه وتوجهاته الفكرية، ما يؤكد تذوقه كل أشكال الفنون الموسيقية وتوظيفها بالشكل اللائق درامياً وهذا ما يميزه عن الآخرين .

الرقص والحركة والتشكيل عند شاهين : لم يكن اهتمام شاهين بالرقص أقل من اهتمامه بالموسيقى، فالرقص عنده هو قمة فنون الأداء التعبيرية وحتى في الأفلام التي لا تحتوي علي رقصات فإن حركة الممثلين داخل الكادر وحركة الكاميرا من حولهم ترسم خطوات راقصة مرسومة بدقة، لم يكن الرقص عنده مجرد معادلاً للفن في مقابل الحياة، ولكنه معادل للحرية في مقابل الكبت، كما كان الإيقاع المتدفق والحركة الدائبة الرشيقة بين المشاهد واللقطات، هو تكوين الكادر الذي يبدو كما لو أن هناك رغبة في تحويل كل لقطة إلى لوحة تشكيلية حية، ومن القليل جداً أن تجد في أفلام شاهين كادراً مفتوحاً أو عشوائي التكوين، وغالبا مايتم التنسيق بين حركة الممثلين وحركة الكاميرا لرسم تكوينات جديدة داخل اللقطة الواحدة، و بجانب التكوين هناك بالطبع حرص علي اختيار الألوان والإضاءة بشكل يتناسب مع احساسه بالمشهد والإحساس الذي يريد توصيله من خلاله، ويبدو أن خبرة شاهين بالمسرح التي اكتسبها من خلال دراسته في الولايات المتحدة قد خلقت لديه هذا الإحساس الشديد بالتكوين والتفكير في اللقطة باعتبارها مشهداً مسرحياً متكاملاً .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, Horus' Sons ابناء حورس, فتحي سيد فرج and tagged , . Bookmark the permalink.