سفر الخروج  مرة أخرى (1):حزمة براهين

لميس فايد  

ليس هناك حدث ضخم وجلل قد ترك أثرا بعيدا في تاريخ الإنسانية مثل حدث خروج موسى كليم الله عليه السلام بالعبرانيين من مصر الذي ورد تفصيلياً في السفر الثاني لأسفار موسى الخمس وهو سفر الخروج..

شاهدت مؤخرا فيلما وثائقيا أثارجدلاً واسعا وحصل على 13 جائزة دولية يتناول سفر الخروج لمخرج أميركي وقد دعاني أحد الأصدقاء اليهود لرؤيته، كانت دعوة مهمة، نظرا لدراستتي الأصلية وهي المصريات واهتمامي بالدين الإبراهيمي، الفيلم هو Pattern of Evidence أي حزمة براهين، للمخرج تيموتي ماهوني.

الفيلم عالي التكلفة والتقنية خصوصا في تمثيل الضربات العشر لمصر، يتوجه فيه ماهوني إلى مصر والقدس، وبعض العواصم الغربية بحثا عن أدلة في التاريخ المصري تثبت تواجد العبرانيين وخروجهم من مصر.

يستهل الفيلم بسؤال عن حقيقة الخروج التي يقوم عليها الإيمان اليهودي-المسيحي محاولا إثبات حدوثها وانها ليست خرافة كما يدعي العلمانيون وأصحاب التفسير الرمزي العقلاني للدين، حيث تلقى الدين بشكل عام في أوروبا ضربة قاسية بعد ظهور نظريات وفلسفات متشككة في كل الأدلة حتى أن أحد الحاخامات في أمريكا ويدعى دافيد فولبه قد صرح ان الخروج ن مصر أسطورة، ولا يمكن أن يكون قد حدث مثلما أوردته التوراة، وقد تسبب هذا التصريح بجدل واسع بين اليهود والمسيحين أيضا ( لاحظ استثناء الإسلام والقرآن تماما من مناقشة موضوع الخروج) يتوجه ماهوني يسؤاله في الفيلم إلى علماء المصريات وعلماء الكتاب المقدس عن أين يجد أدلة على الخروج؟ البعض أجابوه اجابات صارمة مخيمة للآمال ومنهم مانفريد بيتاك عالم المصريات التي قضى أكثر من عشرين عاما في حفائر مدينة أواريس (تل الضبعة حاليا في الشرقية) حيث سكن الساميون في مصر. يستمر ماهوني بالبحث حتى يجد عدد من الأدلة على تواجد العبرانيين في مصر أهمهم على الإطلاق هو:

1-بيت يعقوب الذي عثر عليه في تل الضبعة حيث أظهرت الحفائر بيت يشبه بيوت الكنعانيين في التخطيط لكن سقفه سقف القصر المصري يتقدمه هنا (12 ) عامود من أعمدة البردي المصرية، وحوله في ردهة البيت 12 مقصورة للدفن ( ألا يشير رقم 12 إلى أولاد يعقوب الأسباط)؟ والغريب هنا هو مقبرة كبيرهم التي تتخذ الشكل الهرمي (الحكر على فراعنة مصر) يتوسطه تمثال ضخم –لم يعد موجود منه إلا قدمه- بحجم كبير جدا وهو أيضا امتياز ملكي مصري تحمل القدم المتبقية آثار الوان من رداء صاحبه ( ألم يهدي يعقوب يوسف رداء ملونا كما ورد في سفر التكوين)؟ لابد أن هذا الشخص قد قام بعمل جليل لمصر ولفرعونها حتى يمنحهم هذه الإمتيازات الملكية ! ألا وهي انقاذ مصر من المجاعة!

2- ثاني هذه الأدلة هو التغيير السياسي الإقتصادي الضخم الذي حدث في مصر ابان الدولة الوسطى، حيث عانت مصر من تعاظم قوة حكام الأقاليم (المحافظين) وتكدس الثروة والسلطة في ايديهم وفجأة أصبح الفرعون هو المركز وتركزت في يده الثروة والسلطة مرة أخرى ليس هناك تفسير مقنع لهذا التغيير الكبير في التاريخ المصري ويرى Brayant Rayan عالم المصريات أن التفسير في الكتاب المقدس، ان يوسف والتغيرات الإقتصادية التي أجراها لإنقاذ مصر من المجاعة هي التي أعادت للفرعون مركزيته بتخزين الغلال في مخازن تخص الدولة المصرية.

بهذا يكون قد اثبت ماهوني وجود العبرانيين في مصر حيث عاشوا في أرض “جوشن” التي وهبها فرعون يوسف (واغلب الظن هو امنمحات الثالث) لقومه ليعيشوا بها ويرعوا أغنامهم. اربعمائة عام عاش العبرانيون في مصر في بحبوحة من العيش  حتى توفى يوسف والجيل كله وصعد عرش مصر فرعون أخر قاسي القلب خشى من العبرانيين وكثرتهم في أرض مصر فانزل بهم العذاب والسخرة ألواناً، ويستمر ماهوني في البحث عن أدلة في التاريخ المصري وبالفعل وجد بعض الأدلة في :

1-بردية ايبور المعروفة في متحف ليدن بهولندا التي يتحدث كاتبها عن ابتلائات كبيرة نزلت بأرض مصر وقال ان اول هذا الخراب بدأ بجرة ماء سكبها رجل على الأرض (ألا يذكرنا هذا بجرة الماء التي سكبها موسى أما م فرعون تهديدا له لترك العبرانيين والإ سيحيل النهر إلى الدم مثل هذا وسكب من الجرة على الأرض فاستحالت دماء) يقول ايبور ان مصر عانت من تفسخات اجتماعية واقتصادية بسبب الغرباء.

2- بردية أخرى هامة تعود إلى نفس الفترة التي يعتقد ان الخروج قد وقع فيها وهي الدولة الوسطي وهي بردية بروكلين لأسماء العبيد في مصر حيث وجد أن العبيد في تلك الفترة 70% منهم أسماء عبرية، اذن قد كانت السخرة حق!

يتعاظم ايقاع الفيلم مع أدلة حفائر اواريس، وما وجده في مقابر اواريس حيث ارتفعت فيها مقابر الأطفال (هل يعود ذلك إلى أمر فرعون بقتل الأطفال الذكور للعبرانيين؟) بل الأسواء هو حال الجثث والهياكل العظمية التي عثر عليها في المقابر، حيث عثر عليها مبعثرة مكومة كأنها القيت على عجل، او ان كارثة قد حلت بساكني تلك البلدة، كما برهنت التحاليل على سوء التغذية التي تعرض لها ساكني اواريس ( اذن هناك ظروف عبودية بالغة القسوة)

يتوجه ماهوني بكاميراته أثناء حديثه عن موت أطفال العبرانيين إلى وجوه الأطفال في دلتا مصر وصعيدها الحفاة في الريف..وبين البحث يتوجه ماهوني إلى إسرائيل لسؤال كل من شمعون بيريز (الرئيس السابق لإسرائيل) عن أهمية سفر الخروج وكيف انه نواة تشكلت عليها دولة إسرائيل الحديثة، ويتوجه من بعده إلى نتنياهو (رئيس الوزراء) باعتباره مؤخ ومؤلف ما أضافه نتنياهو ان يوسف كان اول رئيس وزراء ومستشار لأكبر الإمبراطوريات التي عرفها العالم، وأن موسى كانت ثورته تحمل هدفين هدف التحرر من العبودية وتحقيق التشريع ذو الوحي الإلهي، وليس الملك المشرع أو الفرعون، لا داعي لذكر أنه قد تم اقحامهما اقحاما في الفيلم وان مداخلتهما لم تكن من صلب الموضوع.

ينتصر الفيلم لتاريخية حدوث الخروج بالآثار المصرية التي دونها لإهتز ايمان ماهوني وأخرين مثل كثيرين من اليهود والمسيحين اليوم حتى ان الحاخام الذي مثل الإيمان التقليدي بحرفية النص كان ارثودوكسيا وقد افردت له مساحة كبيرة في الفيلم. ينتهي الفيلم بالضربات العشر بمؤثرات صوتية تعكس مهابة الحدث في نزول ياهوه أرض مصر بنفسه  خاصة مع تصاعد صرخات المصريين عاليا حزنا على فقدان الإبن البكر من كل عائلة، والتي فسرها البعض على أنه كان هناك ظاهرة جوية غريبة ادت إلى تصاعد غاز استنشقه الإبن البكر في كل عائلة حيث اعتاد ان ينام الكبير في فراش عال أعلى من بقية الأطفال لذلك اختنقت أطفال المصريين البكر واصحبت مصر في حزن كبير، بكى معه موسى عليه السلام على الأرض التي تربى ونشأ فيها واحتضنته أبنة فرعون واتخذته ابنا لها.

ينتهي الفيلم ومصر اصبحت خرابا يبابا ويستكمل الفيلم رحلة بني إسرائيل في سيناء حتى دخول أرض الميعاد.

أهتم بسفر الخروج أهتماما خاصا على المستوى الشخصي، وانتهيت من الفيلم غارقة في تساؤلات كثيرة كان أهمها أن كانت مصر وفرعونها الطاغي قد استبد إلى درجة استدعت تدخل الهي (نزول ياهوه أرض مصر لمعاقبة المصريين) لينزل بهم ضربات قاسية، كيف قامت مصر بعد هذه الضربات العشر، فلقد استكملت الحضارة المصرية سيرتها وعادت أقوى مما كانت عليه مع الدولة الحديثة –هذا ان صحّت وجهة نظر الفيلم في زحزحة التاريخ المصري والأحداث معها قبل الزمن المتعارف عليه وهو زمن مرنبتاح (المعروف لوحته بلوحة إسرائيل) وأصبحت بالفعل امبراطورية واسعة.

هناك نقاط كثيرة ناقشها الفيلم لكن أكثرمالفت نظري هو قلق وذعر ورفض الأثريين المصريين الحديث عن كل ما يخص سفر الخروج في علم المصريات لينأوا بعلم المصريات بعيداً عن “التهويد” وهو ما فعله بيتاك نفسه خوفاً من أن يزج اسمه في قضية “تهويدية” ويتسبب في إيقاف حفائره في مصر أو على الأقل قلق واضطرابات معها. أتذكر جيداً خبرتي في كلية الآثار جامعة القاهرة من رفض جميع اساتذة الآثار الحديث عن هذه المواضيع الشائكة مع الـتأكيد على كذب اليهود وادعائتهم في التاريخ وغيرها من أسباب القلق التي أتفهمها طبعاُ كلما رأيت صورة “داني دانون” ممثل إسرائيل في الأمم المتحدة وهو شاهر قطعة عملة يهودية صغيرة الحجم جدا لا تكاد تُرى بين إبهامه وسباباته كحجة على جعل القدس عاصمة إسرائيل. ولكن لندع “القدس ويروشاليم” جانباً لآنها حديث آخر، ولكن ما أردت الإستدلال به هنا هو أن “الصهيونية” ، وهي المرة الأولى التي استخدم فيها هذا المصطلح الشائك، الذي اعتبره متاهة لا أحب الدخول فيها أصلاً، قد تسببت في إحداث هزة أو زلزال عنيف في التعامل مع الآثار والتاريخ جعل المحيط العربي وأخص بالذكر هنا علماء الآثار المصريين الـتأفف من ذكر كل ما يخص اليهود أو الأدق هنا العبرانيون في علم المصريات. ولكن .. هل بالفعل هناك ما يدعو لكل هذا التحفّز والتربص من الجانبين فيما يخص قضايا التاريخ القديم أو علم الكتاب المقدس العبري وعلم المصريات؟ نعم إذا كان سيتم التعامل بحرفية النصوص ولا إذا اختلف المدخل في التعامل والتفسير بكل نظريات العلوم الإنسانية الحديثة من علم الثقافة Kulturwissenschaft

وعلم تفسير النصوص الدينية، والإبيستمولوجي وحتى علم نفس وفلسفة الدين . أعلم أن هناك ملف يسمى “بملف السياحة الإسرائيلية” وان هناك من يأتوا في الأغلب لزيارة القاهرة ومحيطها، لا أعلم ما يدور في هذه الزيارات وقت زيارة المتحف المصري والأهرام على سبيل المثال ولكن أتذكر في أحد الأيام –لما عملت مرشد سياحي بالفرنسية  قبل مجيئي لألمانيا للدراسة –أن شاهدت مجموعة سياح اسرائيليين محاطين بأمن كثيف، مما دفع السائحون الأخرون للسؤال عن هويتهم..

وهذا جزء يسير من مدى شدة التوتر المحاط بكل ما يخص الطرفين، وإن كنت أرى أن السياحة مهمة للحديث عن هذه القضايا ربما في شكل محاضرات- كنت قد اعتدت على إقامة محاضرة أو اثنين لمن معي من سائحين في مركب “الكروز” إن سنح الوقت- لأني أعلم أن الضبابية والتخوف من جانب المصريين كبير وعلى الناحية الأخرى هناك نعرة غير مفهومة بالنسبة لي بتذكير الطرف الآخر بعبوديته وأعمال السخرة التي كان يقوم بها أجداده في مصر، ربما يكون مرد هذه النعرة هو التعويض النفسي عن حاضر أليم ولكن “سفر الخروج” كما يثير أزمة بين قطبيه اليهود والمصريين يثير أزمة بين المصريين أنفسهم..

وللحديث عن “سفر الخروج” بقية ..

لميس فايد-المانيا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, لميس فايد and tagged , , . Bookmark the permalink.