حتى لا ننسى سطوة التكفير

د. السيد نصر الدين السيد  

مشهد النهاية

منذ 26 سنة، وقبيل أيام من عيد الأضحى، انتظر شابان من الجماعة الإسلامية، هما أشرف سعيد إبراهيم وعبد الشافي أحمد رمضان، على دراجة بخارية أمام (الجمعية المصرية للتنوير) بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة حيث مكتب فرج فودة. وفي الساعة السادسة والنصف مساء، وعند خروجه من الجمعية بصحبة ابنه أحمد وصديق، وفي أثناء توجههم لركوب سيارة فرج فودة، انطلق أشرف إبراهيم بالدراجة البخارية وأطلق عبد الشافي رمضان الرصاص من رشاش آلي فأصاب فرج فودة إصابات بالغة في الكبد والأمعاء، بينما أصاب صديقه وابنه إصابات طفيفة، وانطلقا هاربين. غير أن سائق سيارة فرج فودة انطلق خلفهما وأصاب الدراجة البخارية وأسقطها قبل محاولة فرارها إلى شارع جانبي، وسقط عبد الشافي رمضان وارتطمت رأسه بالأرض وفقد وعيه فحمله السائق وأمين شرطة كان متواجدا بالمكان إلى المستشفى حيث ألقت الشرطة القبض عليه، أما أشرف إبراهيم فقد تمكن من الهرب.

وتبيّن أنّ الجريمة جاءت بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد، وعلى رأسهم الشيخ عمر عبد الرحمن. وفي شهادته التي استمرت نصف ساعة قال الشيخ محمد الغزالي: “إن فرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولي الأمر هو المسئول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التي ينبغي أن يحاسب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الافتئات على السلطة في تطبيق الحد.” ثم شهد الدكتور مزروعة لمدة ثلاث ساعات قال فيه “إن فرج فودة كان يحارب الإسلام في جبهتين … وزعم أن التمسك بنصوص القرآن الواضحة قد يؤدي إلى الفساد إلا بالخروج على هذه النصوص وتعطيلها. أعلن هذا في كتابه (الحقيقة الغائبة)، وأعلن رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية، ووضع نفسه وجندها داعية ومدافعا ضد الحكم بما أنزل الله. وكان يقول: لن أترك الشريعة تطبق ما دام فيّ عرق ينبض. وكان يقول: على جثتي. ومثل هذا مرتد بإجماع المسلمين. ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده”. وأكد المتهمون أن شهادة الشيخ الغزالي والدكتور مزروعة تكفيهم ولو وصل الأمر لإعدامهم بعد ذلك. وقد كانت “جبهة علماء الأزهر” أحد الجهات التي شنت هجوما كبيرا على فرج فودة، وطالبت لجنة شؤون الأحزاب بعدم الترخيص لحزبه، بل ونشرت تلك الجبهة في 3 يونيو 1992بجريدة النور بياناً بكفره.

وأثناء المحاكمة سئل قاتل فرج فودة:

لماذا اغتلت فرج فودة؟

القاتل: لأنه كافر

ومن أيّ من كتبه عرفت أنه كافر؟

القاتل: أنا لم أقرأ كتبه

 كيف؟

القاتل: أنا لا أقرأ ولا أكتب…!

السيرة الذاتية لضحية التكفير

وقد كان بطل الواقعة هو فرج فوده الكاتب والمفكر مصري المولود ببلدة الزرقا بمحافظة دمياط في مصر

في 20 أغسطس 1945، والذي تم اغتياله على يد الجماعة الإسلامية في 8 يونيو 1992. ولم يكن بطلنا متخصصا في الادب العربي او الدراسات الإسلامية بل كان متخصصا في العلوم الزراعية. فقد عمل فرج فودة معيدا بكلية الزراعة في جامعة عين شمس، وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي عام 1975، ثم على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة عين شمس في ديسمبر 1981، وكان عنوان رسالته: “اقتصاديات ترشيد استخدام مياه الري في مصر.”

ولم يكن تخصصه هو الشيئ الوحيد الذي يميزه عن ابطال معركة التجديد الآخرين، مثل طه حسين، علي عبد الرازقـ، محمد احمد خلف الله ، بل كانت أيضا “شعبويه” خطابه. فلقد جذب أسلوبه البسيط والقوي الذي استخدمه في عرض المفاهيم المركبة قطاعا عريضا من المتابعين. وهكذا خرج النقاش حول القضايا الشائكة من حيز “النخب” الضيق الى براح “الجمهور” الواسع.

وأصبحت مقالاته في مجلة “أكتوبر” وجريدتي “الأحرار” التابعة لحزب الأحرار الاشتراكيين و”الأهالي” التابعة لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي كـ “الطلقات الكاشفة” التي تنير الطرق وتهدي الحائرين. أما كتبه بقوة منطقها وسلاسة أسلوبها فقد كانت كـ “المدفعية الثقيلة” التي تدك قلاع فكر الظلام. هكذا كان الوفد والمستقبل (1983)، الحقيقة الغائبة (1984)، قبل السقوط (1984)، الملعوب (1985)، حوار حول العلمانية (1985)، الطائفية إلى أين؟ (1985) (بالاشتراك مع يونان لبيب رزق وخليل عبد الكريم)، الإرهاب (1988)، النذير (1989)، زواج المتعة (1990)، نكون أو لا نكون (1990)، حتى لا يكون كلاما في الهواء (1992).

وأخيرا لم يكتفي فودة بالعمل الفكري بل مارس العمل الميداني. فقد شارك فرج فودة في تأسيس حزب الوفد الجديد، لاعتقاده بأنه سيشكل، انطلاقا من تراثه التاريخي، الإطار الجامع لكل من يؤمن بالديمقراطية والوحدة الوطنية، افرادا وكيانات، وبأنه سيكون القوة المؤهلة لمواجهة الاتجاه السياسي الديني المتطرف. وخاض فودة معركة داخل حزب الوفد الجديد لمنع تحالف الحزب مع الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية في عام 1984. وأدى فشل فرج فودة في منع ذلك التحالف الى استقالته من الحزب في 26 يناير 1984. ثم حاول تأسيس حزب باسم “حزب المستقبل” غير أن لجنة شئون الأحزاب في مجلس الشورى رفضته مرتين، فخاض انتخابات برلمان 1987 مستقلا عن دائرة شبرا وخسر، حيث حصل على 2396 صوتا، بينما وصل مرشحا الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وحزب الوفد الجديد إلى جولة الإعادة بعد حصول مرشح الوفد على نحو 3000 صوت. كما أسس الجمعية المصرية للتنوير.

وقد قام مشروع فرج فودة التنويري على أربعة محاور رئيسية هي:

نقد الإسلام السياسي المعاصر والتاريخي،

نقد التاريخ المغلوط،

حتمية الاجتهاد وإعمال العقل،

الدفاع عن أسس الدولة المدنية الحديثة.

وهي المحاور التي على كل مهموم بشأن الوطن اعتبارها من الأولويات.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , . Bookmark the permalink.