في العلمانية

عبدالله خليفة 

العلمانية

   لفظُ العلمانيةِ لم يكن معروفاً في اللغة العربية، فتراثُ العرب يجهله، مثل مصطلحات حداثية غربية عديدة، فالبنية العربية الاجتماعية العامة لم تعرف الحداثة كبنية، بل كأجزاءٍ مفتتة، وكمحاولاتٍ مُجهَّضة. (فالعلماني هو الشخص الذي يهتم بهذه الحياة الدنيوية ويتحركُ بمقتضى معيشته الدنيوية ولا يفكرُ في شيءٍ آخر ولا يعمل من أجل هدف آخر ولا يملك حساباً في حياته خارج هذه الدائرة. هذا هو معنى العلمانية بشكلٍ دقيق)، عبدالكريم سروش، التراث والعلمانية، ص 98، دار الانتشار العربي. (تارة تـُقرأ بفتح العين «عَلمانية» فمادتها علم)، فهي مأخوذة من عَالم، أي التمظهر بمعالم الدنيا. (أما القراءة الأخرى لهذه المفردة بكسر العين «عِلمانية» تقرأ بالكسر)، تعطي معنى العلمي.)، السابق، ص 94.

دخلت  لفظةُ (سكولاريسم) العربيةَ منقسمةً، وبالأحرى فإن مثقفي العرب في مرحلة التنوير انقسموا حولها، دخلتْ الحركاتُ العربية الإعرابيةُ فيها، فتباينتْ القراءاتُ لها. إن تباين القراءات هو جزءٌ من تباين المواقف وتحولاتها، ودائماً تأتي المصطلحاتُ الغربيةُ من بُنيةٍ غربيةِ ذاتِ تطورٍ تاريخي مختلف، تحملُ مضامينَ زمنيتها في تلك البنية، لتدخل بنيةً عربيةً ذات سيرورة مختلفة، ويتم النقلُ بدون إدراك للفروق ولبصمات التاريخ عليها. لم يكن للإسلام تلك الهوة التي وجُدت في أوربا العصور الوسطى بين الدين والدنيا، كانا مختلطين متداخلين، ولم يكن ثمة طبقة كهنوتية حسب الإسلام الأول المؤسس، كان هذا المؤسسُ يتعمدُ التباينَ عن المسيحية الرهبانية، والافتراق عنها بالبشرية الدينية الأرضية الطينية الفرحة بالعالم، كان مشروعه أمة مختلفة، شعبية، لا ملأ فيها، ولا تناقض بين صورتي العالم، صورة العيش الراهن وصورة الخلود. ولا فصل للدين عن الحياةِ، والحكمِ، والحكمُ غيرُ مفصولٍ عن صنع الناس. عبر رؤى القرون القديمة المسيرة حسب خطط الغيب المصنوعة المتداخلة في مادتها بفعل البشر. وقد جرتْ هذه الصورةُ الدينيةُ خوفاً من عودة الملأ، لكن الملأ عادَ مع هذا وصاغ الدينَ الرسمي.

والكثير من الشعوب قامت على خلاف تاريخ المسلمين اللاحق الرسمي، فصلتْ مؤسسات الدين عن الحياة الاجتماعية، لم تجعل مؤسسات الدين تتدخل بشكل يومي ودائم في حياة الناس. لكن هذا العام لم يكن كلياً فرجال الدين يتدخلون في حيوات الشعوب بأشكالٍ مختلفة، بعضها خارجي تثقيفي، وعبر منعزلات: غابات البوذيين، والرهبان في الديانات الهندية، وأديرة الرهبان المسيحيين في آسيا وأوربا وأفريقيا. وقد صعدت الكنائس في العصر الوسيط الأوربي وقامت بحكم شامل عبر كنيسة روما، بعد أن أختلف الأمراء وتفتت الدول، أي بعد إنهيار أهل السياسة. وهكذا فقد عرفت أغلبُ الشعوب العلمانيةَ كجذورٍ سياسية، وحين تحكمتْ الكنيسةُ الأوربيةُ في كلِ شيء، وظهر مثقفون وبشرٌ خارجَ سيطرتِها أطلقتْ الكنيسةُ عليهم لفظةَ علمانيين، أي أهل دنيا وليسوا أهل آخرة. بعد أن إحتكرتْ الكنيسةُ الدنيا والآخرة. وتفاقم هذا التناقضُ بين أهلِ الدنيا وأهل الدين، بين الطبقات الوسطى الجديدة التي تريد حياةً، وأصحاب الضياع الكنسيين والملوكيين المسيطرين على الحياة وخيراتها، ووصل لدى الطلائع إلى عداء هائل، وإفتراق. كان هذا هو المصدرُ الأوربي للفظةِ العلمانية. ولم يفهمْ بعضُ المثقفين العرب هذا المصطلح على هذا النحو وهو يأتي مدموغاً بالقفازاتِ الحديدية لكنيسة روما، لأنهم كانوا يزاوجون بين الدين والدنيا، لم يشعروا بوجود كنيسة متسلطة عليهم، وكانوا يرون الدولة العثمانية المحتلة والدول الغربية كعدو. وكان العديد من رجال الدين يشاركونهم الصراع الوطني.

لهذا فإن القراءة الأوربية تعدلت عندهم. لكن القراءة الأخرى راحت تنمو. كانت الديانةُ الإسلاميةُ المؤسسة لم تخلق مؤسسات دينية رسمية مسيطرة، واعتمدت على التمايز بين من يفقه الدين وعامة الناس وازدادت الهوةُ بين الفقهاء والعامة مع الفتوحات ودخول الملايين للإسلام، كما كثرت الدخولُ من ذلك. في البدء كان ثمة طوائف تدعو وتفقه، دون أن تمتلكَ سلطةً، ومنع تحولها لسلطة عملية توزيع الخيرات بشكل عام، ووجود عرب قبليين أحرار، وغياب الأسوار من بين من يَحكم ومن يُحكم، ومشاركة النساء الواسعة في الحياة السياسية، وفي الحياة الاجتماعية القبلية، وصعدتْ عقلانيةٌ جنينية تفصل الأسطرة والتخريف عن الثقافة العامة.

هذا كان من حيث الحكم مقاربة لتاريخ العرب القبليين الذين يجعلون الحكم الديني ثانوياً وهامشياً. وبعد تغير هذا الأساس الاجتماعي فإن الحكمَ السياسي ظل هو الشكل الرئيسي من جهاز الدولة، ولكنه كان محتاجاً باستمرار إلى الدين كأدة سيطرة أيديولوجية على الجمهور، الذي راح يعارضُ الأساسَ الاجتماعي لحكم الأقليات. وعلى مدى القرون التالية تحول الدين إلى شكل آخر للسيطرة السياسية، فحدثت قراءاتٌ رسمية مُقطَّعة وإنتقائية للقرآن حسب مصالح النخب الحاكمة والذكور، وإلى تدخلات واسعة وعميقة في حياة الجماعات والأفراد، فلم يعدْ ثمة شكلٌ من أشكال التجمع والتعبير والتفكير لم يتم إدخالَ الدين الرسمي فيه، وكذلك فإن الفردَ يغدو مسيطراً عليه من بدءِ ولادتهِ حتى دفنه. وكل هذه السيطرة تجري من أجل طاعة الجماعات والأفراد للمؤسستين المشاركتين في إستغلالهم. وتتوزعُ هذه السيطرةُ وتتنوعُ وتتداخل، خاصة في حالةِ الانسجام بين المؤسستين السياسية والدينية. ويرتكز التقييدُ المشترك على الحياة العقلية والحياة السياسية، فهما أداتا التحويل للمجتمع، فكانت عملياتُ إنتاج الوعي الديمقراطي محدودة جداً، وإذا جرت فهي من داخل القوالب السائدة.

لقد واجه المسلمون سيطرتين مزودجتين طويلتين وعميقتين ورهيبتين، ومن دولة كبرى إلى فسيفساء سياسية، وإلى دمج الخرافة في الحياة اليومية، وإلى تشويه البشر، بحيث جاءت الدول الغربية الاستعمارية كمنقذ في بداية الأمر وبوابات لعالم جديد! ومن هنا راح المسلمون يتفتحون وينقلون أدوات التقدم، وأحياناً يعتبرون أن تقدم الغرب هو من نتاجهم، لكن الغرب أفتتح عالماً مختلفاً ومثّل قفزة اقتصادية نوعية، وصنع ثورةً جديدة في تاريخ البشرية. وقد تم ذلك بشكلٍ إستغلالي، بطبيعةِ العلاقات التي كونته ورفعته إلى حكم العالم، ولهذا أنعكس ذلك على ترجمته للعلمانية، ففهم بعض المثقفين العلمانية كشعار علمي، وهذا كان متفقاً مع رغبتهم في نشر العلوم وكسح الجهل السائد، وإعتماد الإسلام كدين مستمر، دون أن يقرأوا بطبيعة الحال جذوره، ومشوا مع السائد من العلاقات التي فرضت خلال قرون، وإن كانوا قد وسعوا النقد للكثير من المشكلات والسلبيات. لم توجد حينئذٍ سببيات لفصل الدين عن الدولة، بل كانوا متعطشين لدولة خلافة أخرى، ولمساندة رجال الدين في النضال الوطني، حيث كانوا ينظرون بعاطفية تنويرية، تعتمد على نفس الأدلجة القديمة، ولم يعرفوا النظام السائد، وهم أنفسهم كمثقفين من الفئة الصغيرة الوسطى، يتبعون مصالحهم التي كانت بيد القوى الأجنبية – المحلية المسيطرة، وهم كأصحاب وعي ديني مثالي يشاركون رجال الدين في الرؤى المفارقة والمسيطرة والشمولية، وكرجال يشاركونهم في السيطرة على النساء والعاملين. ليست العلمانية سوى صراع سياسي لتوجيه الموارد الاقتصادية، أما القضاء على الأديان فهو هدف غير حقيقي وغير متحقق. أو خرافة تم الترويج لها لأسبابٍ سياسيةٍ كذلك.

وإذا لاحظنا نشؤ العلمانية في الغرب فإن الهجومَ الواسعَ ضد المسيحية الذي تفجر في عصر الأنوار، كان صراعاً اقتصادياً بدرجةٍ أساسية ضد ملاك الأرض الكبار، الذين كان منهم رجالُ دينٍ متنفذين وحكام، وقاوم هؤلاء صعود الملكيات الحديثة والمصانع واحتكروا الأرض وأغلبية المنتجين من الفلاحين. فلجأت الطبقة الوسطى الصاعدة الفرنسية خاصة المحتاجة لهذه الموارد والقوى العاملة الرخيصة، إلى الهجوم السابق الذكر على المسيحية، وتمت العودة لثقافة اليونان الديمقراطية والوثنية، وتصاعدت موجةُ الألحاد، وحين سيطرت الطبقات الوسطى على الحكم فإن سياساتها تجاه الدين خضعت لأهدافها الاقتصادية والاجتماعية المتبدلة في كل مرحلة، وفي كل بلد، فضخامة موارد الكنيسة الريفية الفرنسية استدعت هجوماً تنويرياً وإبعاداً للدين عن التعليم في المدارس، ثم وجدت حكومات محافظة تالية أهمية عودة تدريس الدين.

لا تستطيع أية طبقة تحديثية أن تلغي الدين، وما المناوشات التي تجري سوى عملية تشذيب معينة في الوضع الاقتصادي، تقود لسيولة الموارد وتوجيهها، فالعلاقات الاجتماعية التي يُضفى عليها طابعٌ ديني جامد بحاجة للتحول، وتعديل رؤية المرأة والفلاح والفوائد المصرفية التي تـُجمد حركتها في النصوص الدينية التقليدية، فتستدعي فهماً دينياً جديداً أو إبعاداً للدين التقليدي عن السيطرة السياسية. ولهذا فإن العلاقات بين الطبقات الوسطى الغربية والأديان تُستعاد مرة أخرى عبر تحولات سياسية وفكرية جديدة، كما أن مثقفي هذه الطبقات الطليعيين يحفرون لمستويات أبعد، فالمصانعُ بحاجةٍ لتطوير تقني مستمر، ولا بد للعلوم الطبيعية خاصة أن تنطلق بلا قيود، ولهذا فإن العوالمَ الفكرية المصاغة في الكتب المقدسة تتبدل، فلا تعود الأرض مركز الكون، ويُفهم الإنسان بصور أخرى وكذلك الفضاء والتاريخ الخ.

لكن الأديان ليست مرتبطة بالعلوم فقط بل بعلاقات الإنسان الاجتماعية للأغلبيات الشعبية كذلك، وهذه لا تتبدل بمعدلات التطور الاقتصادية، كما أن قهر الطبقة الوسطى والعلاقات الاقتصادية الرأسمالية تجعل من الأديان ضرورة وإنتماءاً مشتركاً وعزاءً في جحيم الرأسمالية. وهكذا فإن العالم الإسلامي لم يواجه مثل هذه الثورات الاقتصادية الغربية، وإلى إعادة توزيع السكان والطبقات وأشكال الوعي بصورة جذرية، وظلت الفئاتُ الوسطى مهمشَّةً، وذات تصنيع ضعيف، لا يستدعي ثورةً جذرية في الريف والتعليم، كما أنها تستخدم الدين التقليدي عموماً لتجذير مصالحها، ولهذا غدت ضعيفة علمانياً، ولم يكن رجال الدين ذوي سيطرات اقتصادية كبيرة على الموارد والعاملين، بل كانت الصراعات تتوجه للمؤسسات السياسية والحكومات. فغلب الصراع السياسي على الصراع ضد الفهم التقليدي للدين.

ولهذا فإن معركة العلمانية ظلت ذات طابع ثقافي، وظل التعريف الأول لها، باعتبارها حركة علمية عربية أكثر منها حركة دنيوية معادية للدين والأخروية، خاصة أن مسائل العيش الدنيوي المبهج وكراهية الرهبنة سائدة بين المسلمين، إلا من بعض القطاعات المتشددة. كما أن تصاعد دور الحكومات في الاقتصاد وسيطرتها على أغلبية الدخول جعل المعارك معها بصفة خاصة، وغدا التبشير السياسي هو الأكثر قوة في الحياة الفكرية.

العلمانية والعلم  

   العلمانية هي فصلُ الدينِ عن السياسة، وهذا هو تعريفها العالمي الفيصل. العلمانية لا تعني العلمية، فالعلميةُ والعلومُ هي مستوىً آخر، مرتبطٌ بتطورِ العلوم وبأهدافِها وبوسائلِها داخل المجتمعات المختلفة، في حين أن العلمانية هي مفردةٌ سياسيةٌ تتعلقُ بعالمِ السياسةِ والقوانين الإجتماعية، وتعني الفصل تحديداً بين الدين والسياسة سواءً كانت أحزاباً أم دولاً. أي أن لا يُستثمر الدينُ لمصلحةِ فريقٍ دون آخر، لا في شعاراتهِ ولا في أسمائه ولا في أهدافه. وأن تظهرَ الدولةُ أو الحزبُ بمظهرِ الكيان الوطني الذي يخدمُ المواطنين لا جماعةً من المؤمنين. فصلُ الدينِ عن السياسةِ لا يعني الإلحادَ ولا يعني العلمية، فالعلمانيةُ هي وضعٌ سياسيٌّ يقومُ على منع الدينيين أو غيرهم من العسكريين والسياسيين والحكام، من إستخدامِ الدين في عملياتهم السياسية، ولكي لا يمكنهم إستخدام هذه الأدوات المتوارثة المقدسة، من أجل أهدافهم السياسية، ولكي يمنعهم هذا الوضعُ من إستخدامِ المفرداتِ الدينية والكتب المقدسة في دعاياتهم الإنتخابية وفي أحكامهم لأجلِ مصالح حزبية وسياسية، ولكي لا يتم تجنيد الناس من خلالِ نصوصِ الكتبِ المقدسة للمؤمنين جميعاً لغاياتهم الشخصية والحزبية والحكومية.

ففي حين تتوجه الإنتخاباتُ لعرضِ برامج الطبقات المختلفة، وأيها جديرٌ بمقاعد البرلمان، يستثمرُ الدينيون النصوصَ المقدسة من أجل غاياتِهم الحزبية للوصول إلى أهدافهم عن طريق الدين والمذاهب، والدين والمذاهب لا علاقة لها بإهدافهم الحزبية، وإنما هي أدواتٌ محترمة لدى الناس، يريد الحزبيون الدينيون من خلال إستغلالها الصعود لمغانم الحكم ومكاسب الثروات وللأهداف السياسية الحزبية التي تخضع في كل فترة لتحول وظروف وغايات يحددها هؤلاء السياسيون!

يمكن أن يكون العلماني صوفياً ودرزياً وشيعياً وسنياً وبوذياً وملحداً ومسيحياً ووجودياً وحداثياً وعلمياً كارهاً للأديان وغيرها من الآراء والأفكار الدينية والعصرية، فهي حالةٌ سياسيةٌ لا علاقة لها بالمعتقد، وهي وضعٌ إنتخابي ديمقراطي، لا علاقةَ له بالإيمان وعدم الإيمان. يمكن أن يكون العلماني مجوسياً وبوذياً وهندوسياً وشيوعياً، فقد قررَ هذا الإنسانُ السياسي أن يضع عبادته وأفكاره الاعتقادية خارج العملية الإنتخابية، فيمكن للبوذي أن يصوتَ للشيوعي، ويمكن للشيوعي أن يصوتَ للهندوسي. حين أرى أن الدرزي في آرائهِ السياسية وليس في معتقداته الدينية أفضل لي ويقدم برنامجاً سياسياً مفيداً لي سوف أنتخبه، وأعرضُ عن السني الذي يرفعُ لواءَ مذهبي، لكنه لا يرفع برنامجي الاجتماعي الذي يهتمُ برفعِ أجوري وبالدفاعِ عن مصالح طبقتي. العلمانيةُ إذن هي حالةٌ سياسيةٌ تنأى بالأديان والمذاهب عن إقتحامِ الصراع الاجتماعي السياسي، وهي لا تعني القضاء على الأديان، وإبعادها عن معتقدات الناس، ولا تعني هدم دور عباداتهم، ولا منع الإهتمام بتراثهم! هي منعُ المتاجرة بالأديان في العمليات السياسية فقط، وتتشكل عبر حالة قانونية دستورية معينة. ومن هنا كان بعضُ العلماء مؤمنين، وبعضهم ملحدين، وغير هذا من الإنتماءات الفكرية، وهذا يتوقفُ على إعتقاداتِهم، ولا علاقةَ له بمواقفِهم السياسية، فالموقفُ السياسي مستوى مختلف، فالعديدُ من العلماء أتخذَ موقفاً غير علماني، أي وقفَ مع الأحزاب الدينية والدول الدينية، كما حدث العكس.

كما أن الكثيرَ من غيرِ العلماء ومن المتدينيين كما قلنا أتخذَ موقفاً علمانياً، أي رفض إستخدام الدين في السياسة. أي إنهُ رفضَ أن يتمَ الزجَ بالدين لمصلحة فريق دون فريق! وهذا في عصرنِا يتسمُ بالتوسع، فالأديانُ هي إيمانٌ الملايين، وتقومُ بعضُ الجهاتِ بإستخدامِها لمصالحِها الفئوية الضيقة لكسبِ الأصواتِ والمقاعد والثروات، في حين أن الأغلبيةَ ترى إن إستخدامَ هذه الأقليات لدينها في مثل هذا الوضع السياسي الشمولي ولخدمةِ مصالح تلك الأقليات، يتسمُ بعدمِ تحقيقِ تطوراتٍ لمعيشتِها ولحرياتها، وهو مضادٌ لمعاني الدين والتطور الديمقراطي معاً كما تفهمها. تتفككُ علاقاتُ السياسةِ بالدين، فالدنيوي المتعلقُ بالحكوماتِ وبالصراع السياسي وبالبرامج السياسية والإنتخابية، ينفصلُ عن الديني المقدس، وينفصلُ عن آيات القرآن ولضرورةِ عدم زجها وإستخدامها في مثل هذه الحلبات، وينفصلُ عن الزجِ بالرموز المقدسة عند أصحابها في صراعات دنيوية محدودة، تتعرضُ للتغيير بشكلٍ فظ في كثير من الأحيان، وتتسم بالديماغوجية وبالانتهازية وبالمبدئة في (قليل) من الأحيان!

وقد إنفصل بعضُ كبارِ علماءِ المسلمين عن مثل هذه الحالاتِ السياسيةِ التنافسية وعن الإنخراطِ في الجبهات السياسية المتصارعة التي أتخذتْ للأسف توجهات طائفية، مشكلين حالة أولية من العلمانية الوطنية التوحيدية، ولا يعني هذا إنفصالهم عن دينهم و لا عن بحثهم العلمي! كما أن هذا يعني حفاظهم على الخرائط الوطنية لبلدانهم، وبتقنيةِ المذاهبِ الإسلامية من الشوائب المريضة للفساد السياسي، مدركين طبيعةَ التطوراتِ السياسية المتقلبة وبضرورةِ عدم جرها للمذاهب الإسلامية في المزايدات والصراعات السياسية والاجتماعية التي لا تتوقف! فالحالةُ الدينيةُ لها تطورُها الخاص كذلك، مغايرةٌ عن الحالةِ العلمانية، وعن الحالة العلمية. فهذه مستوياتٌ ثلاثة مختلفة كلٌ له مساره.

العلمانيةُ منعٌ للصراعاتِ الدينية 

   تعريف العلمانية هي أنها (فصل السياسة عن الدين، أي منع استخدام الدين في السياسة). لا أكثر ولا أقل، فهي ليست حرباً ضد الدين، كما يحاول تجارُ الأديانِ تصويرَ الأمر. لا يمكنك أن تبدأ خطاباً سياسياً باسم الله الرحمن الرحيم وأنت تهاجمُ نظاماً أو جماعةً أو طائفة معطياً نفسك الحق بالتعبير عن دين والنطق باسمه والسير تحت رموزه وأنت تدعو لسياسة لا أحد يعرف مدى تطابقها مع الدين وقيمه، وما هي نتائج هذه السياسة على الناس. لا يمكنك التكلم باسم المؤمنين وباسم الدين وأنت تتكلم باسم حزب وجماعة من طائفة، فأنت تحرضُ على الحرب الدينية والاقتتال بين الطوائف وتسعّر نيرانَ الحروب بين المؤمنين! لا يمكنك وأنت مسئول وتدعو لسياسة رفع الأسعار وخدمة الشركات أو تؤيد رفع أجور العمال أن تقدم نفسك معبراً عن ديانة أو مذهب بدلاً من أن تقدم نفسك معبراً عن توجه سياسي أو دولة أو وزارة! كيف خدعوا الناسَ بأنهم معبرون عن الجماعة الكلية المؤمنة ولكنهم كانوا معبرين عن (جماعة) أصحابِ الامتيازات ورؤساء القبيلة وقادة الحزب؟ وكيف أباحوا لأنفسم جرّ الناس كلها للصراعات ضد بقية الأديان والمذاهب، وجعلوا من كياناتهم الصغيرة المغامرة صوت الأمة كلها؟ تعالوا الآن وانظروا لكوارث هذه الدعوة! طالعوا بلداً مزدهراً عامراً بالخير به طبقةٌ مهيمنةٌ استغلالية ولكنها لم تُجابه برؤيةٍ توحيدية شعبية ديمقراطية، بل جُوبهت بدعوةٍ سياسية طائفية، مضادة، بمذهب مقابل مذهب، وليس مواجهة لحكمٍ جائر طائفي مقابل شعب موحّد لا يعرف الانقسام المذهبي السياسي! انظروا إليه الآن وهو يتفتت تراباً ورملاً وعظاماً، والثائرون البسطاء في نضالهم ضد الاستغلال لم يعرفوا أنهم يُقادون من قبل جماعة طائفية تهيمن عليهم بشعارات دينية، فجعلت من الطوائف الأخرى تفزعُ وتتعصب وتقاتل بشراسة دفاعاً عن حقها في الحياة! في بدءِ المجزرة كانت الكلمة المُمزِّقة، كان استخدامُ الشعارات الدينية، كان استخدامُ رموز دينية طيبة لكن بأيدٍ طائفية سياسية تريدُ الكراسي والثروة! لو كانوا لا يريدون الكراسي ما كوّنوا هذه العصبةَ المتعصبة وسيّجوها بالكلام الديني المقدس ليمنعوا انفلاتها من سيطرتهم وعدم خضوعها لمغامراتهم وإلقائهم لها في أتون الجحيم الأرضي. ربطُ المقدسِ بالسياسةِ الجيدة أو الرديئة، تحطيمٌ له، وإضعافٌ لمعانيه السامية، ولتاريخه النضالي القديم، والذي لُوِّث فيما بعد بهيمناتِ هؤلاء الساسة الاستغلاليين، ومتاجراتهم التي أوصلت الأممَ الإسلامية الآن إلى ما وصلت إليه من تخلفٍ بل من هوةِ حربٍ كبرى بين مذهبيها الكبيرين! إنهم يجرون الشعوبَ ويسحبونها للمجازر، فبعد أن انهارَ بلدٌ كامل يوسعون دائرةَ الخراب لشعبٍ مجاور، تسيطر فيه أحزابٌ سياسية طائفية دكتاتورية استغلالية عميلة في جانب فتنتفض أحزابٌ طائفية شمولية دموية في جانب آخر، والهدف حرق خريطة البلد!

إن هذه الأحزاب الطائفية السياسية بمثابة المجرمين المطلقي السراح، الذين يعبئون العامة لذبح الشعوب ببعضها بعضاً، فهي لم تعرف الوطنية والثورية والإسلام والإنسانية، وعاشتْ على الأحقاد الطائفية والتخلف الفكري وتتصور أنها بشعارات منتزعة من الدين وجمل مستهلكة من التراث قادرة على الوصول للسلطات والثروات. لقد رأى اللصوصُ في الجانب الشرقي أقرانهم اللصوصَ في الجانب الغربي قد سرقوا الدولة والطوائف وأثروا فسال لعابُهم السياسي الطائفي واندفعوا لـ (النضال)! كيف لا وهم يرون الشعوب غافيةً على وسائد النوم الفكري الاجتماعي، لا تعرفُ دينَها وحضارتَها وثقافتها وتراثَ الإنسانية التقدمي، ويمكن لهؤلاء من قطاع طرق المذاهب والسياسة كأقرانهم الأولين من الفِرق المسلحة أن يخطفوها ويخدعوها ويجعلوها تحارب أخوتهم وأخواتهم من المسلمين؟ العلمانية سياسة فكرية تاريخية ظهرت في البلدان التي اكتوت بالتجارة بالأديان، وحين طبقت فصل السياسة عن الأديان لم تمت الأديانُ كما يزعم تجارُ الدين لدينا، فهناك مساحاتٌ شاسعة لحراك الأديان في الفقه والتاريخ والثقافة والحياة الاجتماعية، لكن في السياسة ميدان الصراع لا يمكن استخدام أداوت التفريق والتمزيق هذه. ومن لديه سياسة وبرامج فليتقدم بها ويعمل بها ويطبقها كيفما كانت جذوره وأهدافه الاجتماعية بدون أن يحتال تحت مظلة دينية ما، يتقدمُ في بخورها وغبشها ومراكزها الدينية ليسيطر على الناس، فيجعل آخرين يفعلون فعله ويقسمون المجتمع شيعاً وطوائفَ دينية متحاربة. إنقاذُ الإسلام من هؤلاء عمليةٌ تاريخية كبرى ستقوم بها أجيالٌ وأجيال، فالمهمةُ ليست سهلة، بل خطيرة صعبة، وهي تتطلبُ درايةً بالتراث الإسلامي والتراث الإنساني، ومعرفة بالسياسات المعاصرة، وهي قمة جهود التوحيد للأمم الإسلامية، وتقدمها، فالنضالُ من أجل التغيير لا ينفصل عن حماية التراث الإسلامي والإنساني، وصيانةُ الرموز جزءٌ من محاربة التلوث السياسي الاجتماعي وجماعات التسلق والتجارة بالمقدس، وتسطيح التراث، وتغريبه. هدفان لا ينفصلان هما عنوانا تجددِ هذه الأمم واستقلالها وتطورها.

علمانيةٌ لتطورِ الدين  

  قامتْ إيديولوجياتُ القوى التحديثية العربية وهي البديل المفترض على إستغلال الدين للوصول لمناصب وواجهات سياسية وثروات،  فمحو الدين أو أدلجته لمصالح الإستغلال، كلاهما تعبيرٌ عن عدم إستكمال نضال الأوائل من منتجي الدين، ووضعه في خدمة القوى المهيمنة.

إن إدراكَ العناصر الديمقراطية في الدين هو ذاته إدراكها في الزمن الراهن، حين تطورُ من فاعليةِ القوى الشعبية، لكن القوى المحافظةَ والقوى الإنتهازيةَ الملتحقة بها، تنيحان العناصرَ الشعبية النضالية في الدين وتجعلانها ديكورات وخلفيةً وقوى سلبيةً وقوى مرتشيةً ومُعَّطلةً عن الفعل الإيجابي.

بخلاف أن العملية الديمقراطية هي تطوير للعقليات السياسية والثقافية ولإكتشاف المصالح العامة المطلوب تطويرها، وتوزيع الخيرات الاقتصادية عليها حسب أوضاع الطبقات المختلفة وليس أن تتكرس في فئاتٍ معينة دائمة.

إن الديمقراطيةَ هي تبادل المنافع وليس فقط إستخدام الأصوات لتكريس منافع خاصة. هي حلٌ للمشكلات القديمة المتكلسة في تاريخ الأمة، هي رؤية مواقع قصورها وإستلابها وتجميد تطورها  ومنع تحررها من تجاوزها.

لأن (الديمقراطية) على أسس دينية محافظة هي رفض لتغيير حياة الناس والمغبونين منهم بدرجة خاصة، أو على الأقل عدم فهم من قبل المحافظين أن تخلف العامة السياسي الثقافي هو لغير صالح غنى الدين.

تغدو العمليةُ السياسيةُ إتفاقات أو صراعات بين الكبار داخل مسرح توزيع الكراسي، والجمهور (كومبارس)، يصفقُ أو يبصم أو يعتزل يائساً.

إن تنحية المحافظةِ الدينية تطويرٌ للعمليةِ الديمقراطية فهي تفرجُ عن أسرى مخدوعين يُصعَّدون إنتهازيين سياسيين، غير قادرين على فهم العملية الديمقراطية وخدمة المؤمنين العاملين الصابرين على الشقاء.

كيف يمكن أن نترك العلماء والمثقفين الكبار في المدن والريف ونختار شخصيات شابة بعدها لم تنضج للعملية السياسية المركبة المعقدة في هذا الزمن؟

وهلل يستطيع هؤلاء جعل هياكل الدول أكثر شفافية وسماعاً للأصوات الشعبية ولتغيير قوى الإنتاج الحقيقية الوطنية وإدراك خفايا عمل الحكومات؟

الديمقراطية المكلوبة من الحكومة والتي تطورها أداءها مطلوبة للمعارضة لتطور من عقليتها ومن برامجها وقياداتها!

هذه العمليةُ ليست في بلدٍ واحدٍ بل داخل المنظومات الدينية المختلفة، التي تمثلُ لحظاتٍ تاريخيةً ضرورية للشعوب والأمم، بأشكال مذاهب كبرى تتحول إلى ما يشبه الأديان المستقلة، أو على صور مذاهب متقاربة.

وهنا في لحظات الإنتكاسات والخيبات من الديمقراطيات  السريعة تظهر علمانياتٌ متعددة، فبسبب اليأس والتخلف وهيمنة المحافظين المتكلسين تحدثُ ردات فعل حادة.

فُينظر بأن الدين هو سبب التخلف ولولاه لأختلف الوضع، لكن المسألة تتعلق بسيطرات فئات إجتماعية غير قادرة على فهم العصر والتأقلم المجدد مع، وتأتي قوى البديل التحديثي وتجاملها وتريد أن تركب الموجة وتحصل على الكراسي بدون حفر في الحياة الشعبية.

والنتائج إن ذلك لا يحدث فتنتشر ردرود فعل أو ينمو فهمٌ جديد.

تظهر علمانية إلحادية حادة، وعلمانية قومية شرسة تجاه الدين، وربما أشكالٌ أخرى من ردات الفعل التي تصطدمُ الشعبَ وتجعله أكثر حذراً وخوفاً، وتلك الردود من الفعل ليست ذات وعي فكري عميق ببلدانها.

لكن العلمانية المتساوقة مع تواريخ الأديان في المنطقة تتطلب مثقفين وسياسيين من طراز رفيع، أو من الذين يقرأون النتاجات الحافرة في تواريخ هذه المنطقة العريقة التي أسست الأديان، ولا يمكن بشطحات عقلية وإنفعالية القفز على تواريخ آلاف السنين ببساطة!

كما أن العلمانية تقيم الإحترام لتواريخ هذه الأديان نفسها وتحجم من صراعاتها وتقرأها في مساراتها التاريخية المناضلة وفي دورها المضيء وتكشف جوانب القصور والتخلف.

العلمانية ورأس المال 

   ليست العلمانية نظاما سياسيا في الهواء، بل هي تعتمد في نشوئها على الأرباح ومدى تجذر رأس المال في التربة الوطنية لأي بلد. في الشرق الذي له قوانين تطور اجتماعية مغايرة للغرب، فإن ذلك يعتمد على كيفية نشوء الفئات الوسطى وعلى أي مداخيل تعتمد. فإذا كانت فئات وسطى تعتمد على مداخيلها الخاصة، وغير المرتكزة على القطاعات الحكومية المسيطرة، بشكل مباشر وغير مباشر، فإنها سوف تنحو نحو الأفكار الحرة. ولهذا فإن بروز الفئات الوسطى الحرة شيء محدود، لأن العديد من شخصيات هذه الفئات تعتمد على دخول تأتيها من دولها أو من دول أخرى. ولهذا فإن معارضتها للاقتصاد الحكومي المسيطر تكون محدودة في بلدها، وتتلفعُ بمفاهيمَ مذهبيةٍ لعدمِ الدخول في صراعٍ ضد هذه الملكية العامة التي تحدُ من تطورِ الاقتصاد ومن نشوء هذه الفئاتِ الوسطى الحرة. ولكونها مذهبية فإن نشوءها ومصدرَ تكوينِها السياسي يأتيان من دولٍ ذات حكومات شمولية، فلا تستطيع أن تنتجَ مفاهيمَ الحرية بالصورة النضالية العميقة. والمذهبياتُ الشمولية عموماً تشكلت في ركاب الدول المركزية الشمولية كذلك.

لا تأتي الحرية والحداثة والعلمانية والديمقراطية إلا من فئاتٍ اقتصاديةٍ حرة، يتشكلُ رأسمالـُها من عرق عمالها، وأين يمكن أن يجري ذلك؟ حين يتفكك القطاع العام ولا يغدو مركز الإنتاج والدخول وتظهر فئاتٌ وسطى من خارجه تعيش على مصادر دخل مستقلة، فإن أفكارها الحداثية تكون ذات جذور موضوعية، لأن الأفكار الحداثية لا تنتج وحدها، بل تريد مفكرين وقادة وسياسيين، يضعونها في مجال التداول الاجتماعي. لكن هذا لا يمكن أن يجري بصورة مطلقة، فلابد أن تتوجه أغلبية الفوائض الصادرة عن عملية التحول هذه إلى الصناعة، والتعليم المهني، وتوسعات السوق، لا أن تتوجه للخارج، أو التبذير، أو الرفاهيات الخاصة، أو عمليات التسلح الواسعة. حين يحدث ذلك تزداد الفئاتُ الحرة، سواءً على مستوى الفئات الوسطى أم على مستوى العمال، وحينئذٍ تـُطرح تصورات مختلفة عن الدين والوطن والحياة السياسية. حينئذٍ يُعاد إنتاج المذاهب الدينية، ويغير اليسار استراتيجياته، ويتم التركيز في الحريات وتبادل السلطة وإيجاد دولة علمانية ديمقراطية. هذا يفترضُ وجود سلطة خارج الصراع الديني – الديني، تتوجه لدعم الفئات الاقتصادية الوطنية في المجالات كافة، لأن تصدير السلع وترقية الإنتاج وتقدم القوى العاملة هو ما يضمنُ للبلدِ استقراره السياسي، وما يعود بالتطور على جميع طبقاته وفئاته بأشكالٍ غير متساوية بطبيعة حال اقتصاد الملكية والعمل بالأجرة. الدول المركزية الحكومية الشمولية تفترضُ رؤىً دينية تقليدية جامدة، من حيث تصور الألوهية والسببيات والقوانين الفاعلة في الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، تعيد كل شيء إلى فعل خارجي، وغيبي، وليس من داخل هذه الظاهرات. مثلها مثل النظريات الحديثة التي تقول: إن العلم وقف عندها. ومع نشوء وتطور الفئات الوسطى والعمالية الحرة، تتكرسُ الأحكامُ العقلانية، ويزدهرُ الفقهُ الحر، فتتحرر الأحكامُ الدينية من الجمود، وتخضعها لحاجات المسلمين والمواطنين للتحديث واستقلال الاقتصاد وتقدمه ولتحرر الأمم الإسلامية من التبعية، ولرقي الشخصية المواطنية المستقلة.

حين نرى تطور الأمم الإسلامية في هذا الوقت سوف نجد أن الأمم والشعوب التي توجهت بقوة أكبر للاقتصاد الحر وغير العسكري الشمولي، والتي لم تخندق الشعب في فئات متقشفة محرومة واسعة، ووسعت سبل الرزق له، وقلصت بقوة البيروقراطية الحاكمة الاستغلالية، تتوجه بقوة للحرية والتقدم ورقي الصناعة والتصدير، في حين ان الدول التي هي بخلاف ذلك تعيش أسطوانات الحروب والصراعات الخارجية والداخلية. إن الدول حين تتضخم عبر المؤسسات بحاجة إلى أيديولوجيا شمولية سواء كان ذلك بشكل قومي أو ماركسي أو ديني، فهي تجعل الفكرة السياسية دينيا. ومن هنا نرى الجماعات الدينية تحمل مثل هذه الأفكار لأنها تريد مواصلة نموذج الدولة الشاملة، ولم تهضم أفكار الحرية على مختلف المستويات. فليست العلمانية سوى التخفيف من هذا الغطاء الشمولي الذي يتحكم في الاقتصاد، والحياة الاجتماعية، وجعل القطاعات الاقتصادية حرة دون قوة عليا تهيمن عليها. إن تركيا تنمو بشكل أفضل من إيران، رأس المال في تركيا يتراكم ويتوجه للصناعات، وفي إيران يهدر جانب منه على التسلح، وفي ذات يوم سوف يصطدم هذا الرأسمال الصناعي – العسكري بالوضع الدولي، ويذهب هباءً، وقد كان نتاج تراكم طويل لعمل العمال. هيمنة الدولة أو الدين أو القومية على رأس المال تؤدي إلى ضموره وتدهوره أو هروبه. مثل الطاقات العلمية البشرية – من علماء ومهندسين وغيرهما – تهرب من الدول والمجتمعات الشمولية، ورأس المال العلمي والمادي وجهان لعملة واحدة. لا تستطيع التنظيمات من قومية ودينية وغيرهما إلا أن تعمل على الحرية إذا أرادت توسيع الحرية السياسية، فالحريات لا تتجزأ، وليست وطنية ومقصورة على قسم بشري دون آخر، بل الحرية عامة لكل الشعوب.

العلمانية والديمقراطية 

   تضعُ العلمانيةُ الشروطَ الكبرى الأولى للديمقراطية، فتفصلها عن العصر الوسيط، الذي تشكلت فيه الصراعاتُ السياسية بشكلٍ ديني، فتمهد وتؤسسُ للدول القومية والوطنية وللأسواق الكبرى لهذه الشعوب، وتفككُ الحواجزَ التي أقامتها الأشكالُ الكثيرة للطوائف والملل والقبائل التي عزلتْ الجغرافيا البشرية وقوى الإنتاج عن توحدها وتعاونها المفترض، ومن هنا يقود نفي ذلك لثورة التقينة والعلوم. العقلانية مرحلة أخرى لهذا الحراك التحويلي للبُنى المحافظة الذهنية والاجتماعية التي تكرستْ في حياة الشعوب عبر ألوف السنين الماضية. العقلانية تطلق العلوم لتحريك قوى الإنتاج، من أجل تطوير الآلات والمصانع، والطوائف هنا تلتحم في أمكنة الإنتاج وفي البلدان. حين نرى الآن الحراك الثنائي المتناقض في العالم الإسلامي بين الشيعة والسنة، ونجد أن النظام الشمولي الديني حجز كثير من الشيعة عن الانخراط في الأوطان التي ينتمون لها، فغياب العلمانية عن إيران أدى إلى حراك سياسي إنقسامي واسع النطاق، وبهذا بدلاً من أن تؤدي التطورات السياسية التحديثية إلى توسع العلاقات بين الإيرانيين والمسلمين والبشر عامة، أدت إلى سلسلة من الحواجز والانقطاعات في البلدان. نتائج الصناعة والتطورات العلمية التي تدخل في باب العقلانية تتوقف ثمارُها مع الانحباس السياسي، وتؤدي العسكرة إلى تعريض ثمار الثروة للخسائر.

في حين راحت الثورات العربية الراهنة ذات القواعد السكانية السنية المسيحية الشيعية المتحدة نحو تصعيد العلمانية إلى درجة مدنية غير محددة، بسبب ظروف الثورات التي أدت إلى ضرورة الوحدة تجاه أنظمة إستنزافية للثروات، وإلى التوجه للتركيز على السياسي، وإحتذاء التجربة التركية، لكن المسار يبقى غير محدد في المستقبل. الخطورة تكمن هنا في عدم رفع ثقافة العلمانية، ويكون للدول والجماهير ذات الأصول المذهبية السنية مخاطر في عدم التحديد هذا، وعدم التركيز على التطور السياسي الاقتصادي. ففيما أدت التجربة الإيرانية إلى مخاطر جسيمة وتمزيق عدة دول عربية في مختلف جوانب الوجود السياسي، من الخطورة أن ينتقل التمزيق إلى بؤر البلدان العربية الكبيرة المركزية. فحدوث الصراعات داخل هذه البلدان وهيمنة القوى الدينية المحافظة وصراعاتها مع بعضها البعض، ينقل ما جرى ويجري في الأطراف كباكستان وإفغانستان وغيرهما إلى القلب من وجود الأمة العربية. التجربة الإيرانية فككتْ العراقَ وبعض مناطق الخليج ولبنان فحتى السوق على الطبيعة الرأسمالية العادية تعرقله وتفتته وظهرت العقوبات وتفشى الأرهاب.

إن السياسة المذهبية هي عودة لتفكك الإسواق، ولإضعاف قوى الإنتاج البشرية بعزل النساء، وبإضعاف تقنية الإنتاج بعدم تطور العلوم التي لا يجب أن تقف أمامها محاذير دينية وإجتماعية. وجود التكوينات المذهبية المنفصلة يؤدي لضرب السوق الوطنية وقوى الإنتاج التي تعرضتْ للكثير من المشكلات في الحقبة السابقة، حقبة رأسمالية الدولة الشمولية، والتي تتطلب الآن مع ضرورة إزدهار الرأسمالية الحرة سوقاً واسعة ليست وطنية فحسب بل عربية وعالمية، إضافة لنمو الوعي العلمي لدراسة مشكلات الإنتاج. أدت هذ الأشكال المتخلفة من الوعي إلى فصل الجناح الشرقي من العالم الإسلامي عن قلبه وغربه، لعدم إمكانية خلق سوق عربية إسلامية كبرى، والمأساة حين تنتقل هذه الأشكال التمزيقية من الوعي لقلب الوطن العربي. إن ثورة سوريا تحاول ردم هذه الهوة في إحدى الجوانب الجغرافية المهمة. فيما حراك إفغانستان وطالبان تحمل رياح التفتت والقبلية والمذهبية إلى الدول المتوحدة.

لو أن الحراكَ السياسي الإيراني أخذ بالعلمانية والديمقراطية لكان الموقف مختلفاً، لأمكن ظهور تطورات إجتماعية تحديثية واسعة جداً. والشكل المتخلف المذهبي يقود إلى فقدان الثروة مرة من خلال البذخ العسكري ومرة من خلال ترحيل الرساميل للغرب، وبخلاف ذلك ومع وجود تلك السوق الكبرى من إيران حتى مصر لن تكون الأشكال العسكرية المتطرفة ممكنة كما أن الرساميل سوف تصبُ في هذه السوق الكبرى. لم توجد السوق الأوربية المشتركة دون الديمقراطية والعلمانية وبالتالي هذه ليست مفردات سياسية وعقلية بل مفردات إقتصادية في جوهرها، أي هي وضع الأساس الواسع للطبقات الوسطى، وللتجارة الحرة، والسلام وتطوير الأرياف الجامدة. في حديث وزير الخارجية التركي أحمد أوغلو حول التجربة التركية أشار إلى ما يشبه هذه المعاني بلغة عامة سياسية دقيقة. إذا لم تتبن الدول والتنظيمات هذه الأساسيات في عملها السياسي الفكري المؤسس فالحديث عن الديمقراطية كعدمه.

الخلافة الإسلامية في زمن العلمانية 

 تمثل الخلافة الإسلامية رمزاً عزيزاً على قلوب الملايين، فقد كانت حافظة الهوية ومُقاوِمة الغزاة وناشرة الثقافة، بتلاويين كثيرةٍ وباتجاهاتٍ إجتماعية لا تـُحصى. وحين انهارت الخلافة الإسلامية في تركيا في العقد الثاني من القرن العشرين في تركيا كان ذلك بلا بديل سياسي عالمي يقاوم الاستعمار ويشكل بؤرة حضارية مختلفة عن العالم القروسطي الجامد لحياة المسلمين طوال قرون، ومضت كل أمة بل كل دولة في خطها الخاص. وحين يظهر أمثال (أبي حمزة) أو (أبي قحطبة) ويعلنان الخلافة الإسلامية في بقعةٍ نائيةٍ ويقطعان الأيدي ويعودان لما يفهمانه من الشريعة، ويتكلمان بأسم أمير المؤمنين، يضحكُ الكثير من الناس رغم أن ثمة خيطاً رفيعاً من الحقيقة هنا. فأمثال قطاع الطرق هؤلاء إنما يعبرون عن حاجة هذه الأمم الإسلامية للوحدة والتعاون المشترك والتصدي للقوى المتلغلغلة الطامعة، وكذلك عن رغباتها أن تكون صانعة للحضارة والتقدم في التاريخ الإنساني كما فعلت وأعطت سابقاً بشكلٍ تاريخي مبهر.

لقد تمزقتْ هذه الأممُ كما تمزقتْ أقاليمُها الداخلية، وبقيتْ الشعوبُ والأثنيات والطائفيات المختلفة تتصارع على فتاتِ العصر، ولم تستطعْ دولٌ كبيرة من الدول العربية والإسلامية أن تقوم بدور القيادة الديمقراطية ودور القيادة الحضارية، للملمة هذه الشعوب في أعمال اقتصادية مشتركة عملاقة تعيدُ الإنتاجَ الحديث لهذه الأمم. لا تحتاج هذه الأمم لخلافة عسكرية توجه الحملات للشعوب وتستخرجُ منها الخراجَ بالقوة، وتتركها في أحوالها المتخلفة الصعبة، فتتمرد هذه الشعوب وتنزع للانفصال وتمزيق الوحدات السياسية المختلفة كما كان يجري الأمر في الخلافة الإسلامية السابقة التي بُنيت على أسسٍ استبدادية.

ولكن لا توجد قيادة للأمم الإسلامية، فالدولة الكبيرة الصناعية الديمقراطية لم تظهر بعد بشكل واسع مؤثر عالمياً. وكل الدول الحالية تسعى لمصالحها الخاصة، التي هي مصالح الأقليات الحاكمة الاستغلالية، فكيف تفكر بأمور الأغلبيات الشعبية العاملة المحرومة؟ وبدون أن تكون هذه الدولة الريادية الإسلامية المجمعة للكل الضائع، دولة صناعية كبيرة وتمد خطوط الاتصال المتنوع، وتتعاون مع الأمم الإسلامية المتخلفة في النمو والفقيرة والتي تعيش معاركها الطائفية والمناطقية الكارثية المستمرة، فإن المحيط كله يتضرر ويُجر للأزمات والصراعات. لكن ذلك يحتاج من أي دولة كبيرة عربية إسلامية أن تكون هي نفسها متوافقة مع شعبها، مطورة لقدراته الاقتصادية، والسياسية والثقافية، لا متناحرة مع شعبها ومتناحرة مع بقية الأمم الإسلامية.

إذا أرات أي دولة أن تكون قيادة إسلامية عالمية عليها أولاً أن تصلح بيتها الداخلي، وتعطي الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية حقوقها، باعتبارها جزءً من مكوناتها. فأي دولة ممزقة تقوم بكبتْ القوميات والطوائف داخلها لا تستطيع أن تصلَ إلى مستويات اقتصادية متطورة، لأن الحروب والصراعات الداخلية والصرف على الجيوش تخرب الأسواق. لكن أين تجد نموذجاً مثل ذلك؟ وتمزيق الداخل لا يقود لزعامة الخارج مهما اصطنعت هذه الدول من الصرف على الجماعات المؤيدة لها خارجها، فالأصل الأممي الإسلامي يُنتج من داخل وطني متماسك ومتعاضد. تحاول تركيا الآن أن تعود للشرق بعد أن خذلها الغرب. وهي دولة ذات موارد محدودة، لكن النمو الاقتصادي الرأسمالي الخاص في زمن العلمانية السياسية الطويل نسبياً، ووجود جاليات كبيرة لها في أوربا، ساعداها على التقدم الاقتصادي الرأسمالي الخاص وعلى إنتاج حريات اقتصادية وسياسية كبيرة. ولعل حراك السياسة التركية الحكومية الكثيف في خلال السنوات الأخيرة هو رغبتها أن تكون قيادة اقتصادية لمنطقة تخلو من عملاقٍ اقتصادي مسالم ومتعاون، يغدو مثل الأخ الكبير لمجموعةٍ من الأسر المفتتة المتصارعة بلا مؤثر راعي لهذا التنوع ويستفيد منه ويقوده للتطور العالمي. ولعل في كونها الدولة التي ألغت الخلافة الإسلامية، وجعلتها العلمانية الشكلانية في العديد من الجوانب، والتي أزاحت صلاتها وجذورها، ترى بعد تطور اقتصادها خطأ القفزة في الهواء، وكذلك فإن البورجوازية الحاكمة التي تمردتْ على العسكر تحتاج إلى أسواق ورساميل تغذي اقتصادها. وما يمنعها من أن تكون قوة سياسية مؤثرة دافعة للمحيط العربي الإسلامي، هو كونها لا تنطق العربية، اللغة العالمية لهذه المجموعة من الأمم والشعوب، وأنها ابتعدت عن المحيط العربي الإسلامي لعقود طويلة، لكن هذا لا يمنع أن تكون إحدى دول الحداثة البارزة الجامعة للفسيفساء الإسلامية، الموجهة لها نحو الحداثة والتجمع الإقليمي التوحيدي في عالم يحتاج قوى كبرى وأسواق هائلة موحدة.

الدول الإسلامية تتجه للتمزق والصراعات الطائفية والعنصرية وبحاجة لقيادة كبيرة نابعة منها، تقوم بالمساعدة وإطفاء هذه النيران، وخلق مشروعات اقتصادية مشتركة، وجعل التنمية هي حياتها. بلدان قارية واسعة لا تملك سكك حديد مشتركة، ولا وسائل اتصال واسعة، وكل منها يتجه للغرب أو الشرق يقيم علاقاته. لماذا تتوجه البلدان (الثرية) الإسلامية لتضع فوائضها النقدية في الغرب والشرق وتتركُ الدولَ الإسلامية من غير ذات الموارد الكبيرة، وهي قاربها المشترك تــُثقب بألف فأس، فقيرة محتاجة، وإذا لم تمدْ أيديها لطلب المعونات لجأت لحروب العصابات والقرصنة أو تمزقت داخلياً؟ هل كانت دول المؤتمر الإسلامية في مستوى هذه التحديات الهائلة التي واجه الأمم الإسلامية؟ ماذا أنتجت وماذا كونت من أسواق مشتركة وعلاقات حميمة؟ ذلك لم يحدث لأن المذهبية السياسية الحاكمة في كل بلد تصورُ لنفسها أنها المعبرة الوحيدة عن الإسلام، وهي لا تقول مصطلح الأمم الإسلامية، لأنها عبر ذلك القول التجريدي تخفي الواقعَ الموضوعي، فثمة تاريخ معاصر تكونت به شعوبٌ مستقلة، لها مصالحها وعلاقاتها الخاصة، فلم تعد الخلافة المركزية الآمرة الموروثة بقادرة على أن تشكل علاقات سياسية ديمقراطية بين الشعوب المؤمنة بدين واحد. لم يعد البابا المسيحي ولا البابا الإسلامي بقادرين على تكوين خلافة. لا بد من الاعتقاد بالتعدديات السياسية الإسلامية وبالتعاون بينها لتقوية علاقاتها وخلق قوة اقتصادية كبيرة في عالم الإنسانية المعاصر.

العلمانية الإسلامية والتضحية 

 تشكل الإسلامُ من تضحياتٍ كبرى، لهذا نجدُ رموزَ الإسلام تعيشُ على الحدِ الأدنى من الرزق الذي لا يبتعدُ كثيراً عن معيشة العامة والفقراء المدقعين، وبرفضِ الهيمنة على المال العام. في عمليات تأسيس الدول ظهرت قوى صارمة وتكريس الدين بقوة شديدة، لكون ذلك كان تأسيساً لأمم إسلامية في مرحلةٍ مبكرة قبلية. نجد لدى الرموز الدينية تكريسا كبيرا للتضحية، فلديهم سلطة هائلة وقدرات فكرية تأسيسية للمذاهب، لكنهم تجنبوا التداخل مع الحكومات ورفض أخذ الأموال منها وقبلوا بالعيش الزهيد. عرض أبوجعفر المنصور على الإمامِ أبي حنيفة النعمان مبالغ معينة كمساعدةٍ له، فقال له إنه يقبلها بشرطٍ وهو أن توضعَ في بيت المال وإذا إحتاج إليها أخذَ منها وبطبيعة الحال لم يحتج إليها وواصل اجتهاداته الدينية غير المقبولة لأبي جعفر. وعرضَ أبوسلمة الخلال القائد العباسي الكبير على الإمام جعفر بن محمد (الصادق) حكم الامبراطورية الإسلامية الهائلة فرفضها متشبثاً بدراسةِ العلوم. بعد مرحلةِ التأسيس التضحوية تلك جاءت مراحل الأنانية. وكلما ازداد التصاق الدين بالحكم وبتبرير أحكامه والمعيشة على أرزاقه وعطاياه ضَعُفت الأحكام الفقهية والسياسية والرؤى الفكرية والأدبية، وضعفت مُثـُل التضحية العظيمة، وانحط المثقفون ورجال الدين وتدهور فهم الدين. التضحيات تقود إلى انفتاح الدين وديمقراطيته حتى بعناصر صغيرة محاصرة وسط الفساد، ولهذا لا عجب أن يكون المتصوفة أكثر الناس انفتاحاً وحباً لجميع الأديان، لأنهم يعيشون على ما يسد الرمق، ولا يوجهون أية سكاكين للآخرين، وصدورهم متسعة لحب البشر، معتبرين الرؤى الفكرية كافة صادرة عن نضال البشر للحرية والتقدم. في حين ازدادت الكراهية والشمولية وبغض البشر لدى الدينيين الشموليين، إنهم مرتعبون خوفاً على تسلطهم على البشر ونفاقهم للدول وحصولهم على ثروات طائلة، لهذا فهم ضيقو الصدر فاقدون للتسامح عاجزون عن القيام بإصلاحات من أجل الجمهور، الذي يتخوفون من تطوره.

يرغبون في استمرار تخلف الجمهور وانحباسه في الظلمات وعدم حريته وعلمانيته وتزداد خطورتهم حين يلتصقون بالدول الشمولية العسكرية حيث يهددون المسلمين والبشر بالإبادة الساحقة. التعبير الكلي للخلفاء الراشدين عن المصالح الأساسية لأغلبية الجمهور لا تنفي الشمولية والدينية ولكن كاستقلال تام عن مصالح الكبار الاستغلاليين، فهم ليسوا في خدمة الأقليات، وهذا ما يجعلُ ذلكَ ديمقراطيةً اجتماعيةً تحتاجُ كذلك إلى ديمقراطية فكرية، وهي أقصى الدين وهي علمانية كذلك لأنها إبعادٌ للدينِ عن استغلالهِ في الصراعاتِ السياسية ولمآرب الملأ الشخصية – الاجتماعية الطبقية الخاصة، وهذه تناقضاتُ العصرِ التي لا مفرَ منها.

إن استقلاليةَ الأئمةِ اللاحقة جرتْ بعد انتصار الملأ الديني الجديد، الذي وظّفَ الإسلامَ في صراعاتهِ السياسية المتعددة، سيطرةً على الحكومات ودعوة لتشكيل نفس الحكومات الاستبدادية، ليس لتجديد حال المسلمين وتقدمهم، إلا من الاستثنائيات التي تصارعُ شبكاتٍ غالبةً. وهكذا فإن خيوطَ التجديد الوامضة كانت هي في استقلالِ الأئمةِ عن دول الفساد، وهنا (علمانية) مغايرة، فهي انفصالٌ عن السياسة الحاكمة الجائرة غالباً، وتأييدٌ للسياسة الحكيمة المنصفة التي تندر الظهور لدى هذا الخليفة أو ذاك. ولم تتشابكْ علومُ الاجتماعِ والطبيعةِ والتاريخ والفقه في ذلك الحين لإنتاج رؤى تجمعُ بذورَ الديمقراطيةِ والعلمانية وتلتقطُها من تحت ترابِ السير الاجتماعي المضطرب الدامي لجموع الناس المتصادمة وللأمم الإسلامية المتكونة، بل كانت النقائض.

في الزمن الحاضر صار من الأهميةِ أن يكونَ الفقهُ مستقلاً، ألا يختلط بالسياسة، وأن يكون له تبحره الخاص. هو فلسفةٌ دينيةٌ عميقة تقرأُ وجودَ الأمم الإسلامية وتطورها. أعاقت التدخلاتُ الطويلةُ هذا الفقهَ من أن يكونَ أولاً معبراً عن الأغلبيةِ العامة، فجعلتهُ للأقلية، وأن يقرأ ثانياً الضرورات العميقة لتكونِ وتقدمِ الأممِ الإسلامية، وهو التكونُ الذي يطورُها ولا يذيبها، إنها ضرورات الاقتصاد والاجتماع والعلوم. وكذلك تصلُ ما انقطعَ من فلسفةٍ عقلية إسلامية بأن الطبيعةَ لها قوانين سببية موضوعية خارج إرادتنا، والمجتمعات لها قوانين سببية يجب أن نعرفَها ونسيطرَ عليها لكي نبقى ونتقدم. لابد أن يتبحرَ فريقٌ من أجل ذلك، ولا ينحشر الجميعُ في النصوص الجزئية والأحكام القريبة، وأن يُرى العامُ والضرورات، لكن هذه لا تتكونُ بدون تراكم المعرفة الغزيرة والانفصال عن الدول وعدم العيش منها وعدم العيش من الأحزاب والجيوش والقوى الأجنبية. ففي حين ازدادَ التصاقُ جماعاتِ الدين المنظمةِ بالدول ازدادتْ المشكلاتُ وتفاقمتْ لدرجة الكوارث والأخطار الكبار، لكونها تجلبُ العامةَ المتحمسةَ غير المدركة إلى ساحات الصراع فيتم استغلالها عبر أدواتِ الاضطرار والحاجة وليس عبر أدوات العمل الحر. وبدون أن يكون للعامةِ مصالح عيش مستقلة وموارد حرة تكون أصواتُها في الانتخابات أو في الهيجان مع الدول مضرة. ظهرَ زمنُ الفقيه المصلح – الحكومي، وهو نموذجٌ يكررُ أخطاءَ الماضي، فهو ما ان يسيطر على الموارد حتى يتكاثر الناس حوله وينافقونه للوصول إلى نخرِ المصالح العامة، وهذا يؤدي إلى أضرار على مستوى الفقه وعلى مستوى الحكم. وهذه مجموعةٌ من المعضلات تواجه البلدان الإسلامية بأن يكون الحكم مستقلاً عن المذاهب، وأن يحدثَ نضالٌ من أجل حرياتِ الأعمال ويخفتُ زمنُ الدول الشمولية المهيمنة على أغلب الموارد والمصالح والثقافة والاعلام، ومَن يُرد هنا أن يشكلَ فقهاً لمصالح الأغلبية أو لمصالح الأقلية فليشكل، وأن تغدو البرلمانات صناديق للتغييرات الاقتصادية والاجتماعية باتجاه الآراء السكانية الغالبة. أن يحدث صراعٌ بين قوائم (اليمين) و(اليسار)، الاقتصاديين الاجتماعيين، اللامذهبيين، اللادينيين.

العلمانيةُ سياسيةٌ داخليةٌ وخارجية 

 تدفع الدولُ العربية ثمناً باهظاً يزدادُ كلَ يوم مع عدمِ تشكيل سياساتٍ علمانية ديمقراطية داخلية متصاعدة تبعدُ القوى الدينية والفاشية والفوضوية عن ساحة السياسة. في البدءِ يغدو الثمن عمليات قتل وحرق لسياح أو مواطنين أو عمليات تخريب محدودة ثم تتصاعد الأمورُ عبر خطف الأقاليم وإقتطاع أجزاء من البلد يقوم هؤلاء الطائفيون بحكمها والسيطرة عليها ثم ينشرون سلطتهم عليها حتى يزعزعوا أي بلد عربي ويهدمونه. تتحجر القوى السياسية وتجامل وتتجمد مفترضة حسن النوايا، غيرَ مدركةٍ أن الحرائقَ من مستصغرِ الشرر، كما يحدث بين مصر والسودان، حيث تجمدتْ مواقفُ الحكومات المتعاقبة في مصر تجاه قضايا الإسلام وتركتهُ في يد القوى المحافظة الطائفية اليمينية، ولم تشكلْ سياسات علمانية ديمقراطية تتأسس على تغيير حياة النساء وإعطائهن حقوقهن، وتطوير حياة الفلاحين ونشر ثقافة الديمقراطية والعلمانية والعقلانية الفكرية أي عدم المتاجرة السياسية بالإسلام. إن غياب المواقف التحديثية تجاه الإسلام هو غياب لمواقف الحكومات تجاه حقوق العمال والفقراء والنساء، وعدم تطوير برجوازية خاصة حرة ومبدعة إقتصادياً، حتى أكلتْ الأجهزةُ البيرقراطية والعسكرية الأخضرَ واليابس.

غياب سياسة داخلية علمانية يصير مواقف دينيةً طائفية في السياسة الخارجية. فتشكلتْ المجاملات في السياسة الخارجية بعدم رفض إسرائيل كدولةٍ دينية غير علمانية حقيقة إضافة إلى أنها دولة إحتلال، وعدم مجابهة اللاعقلانية التي تنشرها الجماعاتُ الطائفية في طول الوطن العربي وعرضه، وهي كانت منتجة الثقافة القومية التحررية العلمانية ورائدة الحداثة والتوحيد. والتوحيد هو بؤرة الأمة ومن يفرط فيه فرط في وجودها. حتى وصلت الأمور لتمزيق خارطة مجرى النيل شريان الحياة لمصر! عدم تعاون القوى السياسية الحاكمة مع القوى الديمقراطية والتقدمية في مصر، مثله مثل إنهيار الجبهات الوطنية في كل من سوريا والعراق والجزائر وصعود القوى البيروقراطية وهيمنتها على كل شيء، والعلمانيةُ الديمقراطيةُ هي تتويجٌ للتعاون بين القوى السياسية ذات البرامج التحديثية. وحلتْ محلها الطرقُ العمليةُ النفعية بتقلباتِها وبمصالحها الآنية، حيث النظر القصير وعدم رؤية الآفاق البعيدة، والتخلي عن الدور التوحيدي النهضوي الذي بدأته مصر والتطلع لمنافع عابرة محدودة. وكانت النتيجة أن مصر بتاريخها الديمقراطي العلماني تجامل نظامَ الأنقاذ العسكري الطائفي الذي مزقَ خريطة السودان. والآن يضعها على كف عفريت يطير بنيرانه ودخانه حول وادي النيل مبشراً بالخراب ومزيلاً سلامة النيل والتراب. بطبيعة الحال فإن التدخلات في شؤون الدول الأخرى السياسية مرفوضة ولكن السلبية قاتلة كذلك، فكيف تكون السياسة أما الزعامة المباشرة والتدخل وفرض نموذج قومي وأما السلبية وترك الأمور على عواهنها؟! لكن الأمور إعتمدت لدى الإدارات العسكرية المصرية على إرادة الزعيم وغياب الفلسفة الوطنية الديمقراطية العلمانية المؤسسة فلم تخلق نموذجاً وطنياً ديمقراطياً، وحين تلغي العلمانية الداخلية ولا تطور وتوحد مواقف القوى الديمقراطية الوطنية، تجد نفسك مع ضباط أو مع فوضويين وطائفيين ليست لديهم دراية بالسياسة والأمن ووحدة البلدان فتنتقل الحرائق لبلدك. لقد رأيت الحريق في بيت جارك فكيف تسكت؟ الآن ينتقل الحريق لغرف نومك. هذا ما حدث كذلك في البلدان العربية الأخرى كسوريا والعراق والجزائر وغيرها التي نفضت خطاب الوحدة الوطني الديمقراطي العلماني فتغلغلتْ في صفوفها القوى الطائفية الخطرة المسلحة وراحت تمزقُ الخرائطَ الوطنية وتدمر ثروة العقول النقدية وعلاقات الرجال والنساء التحديثية البسيطة وتفرض نماذج من عصور الظلام والفوضى والعنف. لا تزال الأمور ممكنة وإمكانيات الوحدة لنضالية التحديثية قائمة على شفا هاوية والقوى الطائفية والدينية الأجنبية المحافظة المحاصرة للعرب تتطلع إلى تمزقهم والهيمنة عليهم.

برنامج العلمانية الشعبية الإسلامية 

   بما أن تسييس المذاهب يقودُ إلى تفكك المسلمين فإنهم بحاجة إلى فصل المذاهب عن السياسة، وهذا يقود إلى توحيد كل شعب عربي ومسلم، لكن هذا الفصل ليس إلغاءً وهدماً بل هو تطوير فقهي ديمقراطي للمذاهب عبر العقود التالية، لكون هذا الفقه لا يمكن أن ينشأ دفعة واحدة، بل عبر تراكم أجيال، كما أن الوحدة الوطنية لكل شعب ضرورة أسرع من ذلك الإصلاح الفقهي الطويل الأمد. والإصلاح الفقهي لا يلغي المذاهب وكياناتها الخاصة، بل هو يحتفظ لها باستقلالها ونموها المتميز، وهو ينشيء فقهاً عاماً ديمقراطياً هو عبارة عن أفكار النهضة والتحديث والتوحيد وقد تجذرت في ذلك الفقه. إن الشعارات الديمقراطية السياسية هي عامة لكافة المواطنين، فإذا كانوا يتميزون في الصلاة، فإنهم لا يختلفون في مكافحة الفساد، ورد الأموال العامة الضائعة في الدهاليز الحكومية والتي تاهت عن الصحة والتعليم ومكافحة التلوث وعن تدعيم العمالة الوطنية! ولكونها علمانية (شعبية) فهي تعتبر مصالح الجماهير العاملة والفقيرة هي بوصلة حركتها السياسية المطلبية، لأن هذه الجماهير هي أساس وحدة كل شعب، ومعاناة العمال مهما كانت مذاهبهم وأديانهم فهم في النهاية يعانون نفس الأستغلال وتدني الأجور وتخلف وسائل الأمان والسلامة، ولكنهم إذا تفرقوا مذاهب وأدياناً وفرقاً فإنهم وحدهم من يعاني الظروف السيئة لأنهم أقل الناس مالاً وأكثرهم عملاً وأدناهم عيشة. ولكونها علمانية وذلك من أجل عدم استغلال رموز الإسلام في التجارة السياسية بالدرجة الأولى، لكن هذه العلمانية من جهة أخرى تــُبنى على التاريخ والتراث الإسلاميين (تراث الأغلبية في المنطقة)، فهي علمانية لا تقفز في الهواء ولا تلغي جذورها، ولكن هذا التجذر لا يجري باستخدام الدين أو المذاهب من أجل الأغراض السياسية والحملات الانتخابية، وليس هو عدمية دينية كذلك، ومن هنا يغدو التنظيم المؤمن بهذه العلمانية الشعبية الإسلامية مفتوح لكل الاتجاهات الدينية والفكرية، الموافقة لبرنامج النضال من أجل العمال والفقراء وبقية العاملين. إن تكوين تنظيمات لا مذهبية سياسية هي خطوتنا الأولى في توحيد الشعب، فهنا تجد الفئات الاجتماعية التي تتماثل مصالحها بأنها قريبة من بعضها البعض، فلا تجعل من تباين المذاهب مانعاً ضد توحدها، بل تجد من المذاهب المتباينة الإسلامية عناصر مشتركة توحدها ولا تفصلها. إنها لا تجعل الاختلاف الفقهي سبباً في تبعثر الشعب وضياع مصالحه واستقلاله! وإذ يتطلب العمل السياسي داخل مثل هذه التنظيمات إنتاج فكر ديمقراطي وطني، فإن تطوير الفقه الإسلامي باتجاه الحداثة والديمقراطية يغدو جانباً مهماً في هذا الإنتاج، لأن أغلبية الفقه الإسلامي التقليدي على مر العصور السابقة رفض فقه النضال من أجل المساواة وتحرير النساء، ومساندة العاملين، وإلغاء احتكار الطوائف للحكم وأضطهاد الطوائف الأخرى. ولا يمكن للنضال الديمقراطي العام أن يمضي دون تغيير في التراث التقليدي الذي أُعتبر دعامة للحكومات الدكتاتورية، ودون إبراز للنضال الديمقراطي الذي قامت به الفرق والمذاهب الإسلامية، فيغدو نضال المعاصرين الديمقراطيين هو تتويج لنضال الصحابة والأئمة والثوار في العصر السابق.

العلمانيةُ بين المسيحيين والمسلمين

    نشأت ظروفٌ مختلفةٌ بين حضارتي المسيحيين والمسلمين، فحين إنتصرت القبائلُ الجرمانيةُ المسيحية على الإمبراطورية الرومانية الغربية الوثنية إنتشرتْ المسيحيةُ الكاثوليكية وقامت كنيسةُ روما وغدا رجالُ الدين المسيحيين هم الطبقةُ المسيطرة على العالم المسيحي الغربي. إنقسم الناسُ في عالم السيطرةِ الكنسية بين رجال اللاهوت، والناس العاديين. بين الكهنوتيين والعلمانيين، وكانت التسميةُ تعني أولئك الرجال والنساء الذين لا يشتغلون في الأعمال الدينية. فالذين لا يشتغلون في أمور الكهانةِ ووظائف الكنائس يُطلق عليهم علمانيون. فثمة أناسٌ متخصصون في العمل للآخرة والملكوت القادم الدائم وأناس يشتغلون في مهن الزراعة والحدادة والحطابة وغيرها وكانت حتى المهن الثقافية نادرة فلا شيء يخرجُ من سيطرة الكنسية وثقافة الكنيسة. وهكذا أصطبغت التسميةُ بشكلٍ عملي بين الجانب اللاهوتي والجانب الدنيوي العلماني. وحين تنامت حركاتُ الطبقاتِ الوسطى والصناعة والحداثة أخذت تنتزعُ مساحات العالم اللاهوتي المسيطر، وراحت تزيحُ سيطرةَ الكنائس ذات الأملاك الهائلة والسيطرات السياسية المطلقة، فدخلت الثقافة العلمانية، أي ثقافة الناس الذي لا يشتغلون في المهن الدينية في صراع مع الثقافة اللاهوتية، مع المتكسبين من الدين.

ليس العلمانيون هم غير مسيحيين لكنهم فقط راحوا يفصلون العلومَ والسياسات والأفكارَ عن هيمنة الكنائس، لكن الكثير منهم مؤمنون بالمسيحية، ولم تسلمْ الكنيسةُ ومعها الحكوماتُ الكليةُ المتشددة بهذا الحراكِ الديمقراطي العلماني حتى تحولت لثورات وتحولات بحيث أخذتْ الأملاكَ الزراعية والسلطات السياسية وتركت للكنائس مناطق واسعة في الحياة الاجتماعية والثقافية والعبادية، لكن مفاهيم القراءات الدينية المحافظة لشؤون التاريخ والعلوم والطبيعة والثقافة تعرضتْ لانهيارات بسبب إكتساحها من قبل الثورات الفكرية ولهذا تم تغلغل العلمانية في المناهج الدراسية والشؤون الشخصية بحيث توسعت الهوةُ بين الدين المسيحي والمجتمع، إضافة للثورات التي دخلت في الدين نفسه وأنشأت تيارات ومذاهب مغايرة للحياة الروحية التقليدية. في حين أن المسلمين لم يعرفوا هذه الثنائية المتضادة في عصر النهضة، فلم يُقبل في الإسلام نشؤ كهنوت، وسيطرة رجال دين على السلطات، ولم يحدث تمييزٌ بين من هو رجل دين ورجل معاش، وعمل كبارُ الصحابةِ والفقهاء في الأسواق والتجارة والأعمال الحرة المختلفة، بل حتى في الأعمال اليدوية البسيطة، فلم يعرفوا في تلك القرون تسمية العلمانية، ولم يعرفوا الانفصال بين الحياة العملية والحياة الروحية. وبالتأكيد فإن الحياةَ السياسية والاجتماعية يهيمنُّ عليها الدين، ولكن في الفهم المؤسّس لا يُعتبر الدينُ وسيلةً لتشكيل حزب، أو إقامةِ جماعةٍ سياسية، أو أن الدولةَ هي مخصصةٌ لجماعات دون غيرها، والجماعةُ المسموحُ بها هي فقط جماعة تعمل لنشر الفضائل وليس لتضع خيوطَ السلطة في يدها. تعبيرُ الإسلام هو تعبيرٌ عن المواطنين ككل، وأن عليهم إذا أختلفوا أن لا يختلفوا في الدين بل في فهم المعاش، وقد كانت الدولةُ حسب التصميم الأولي هي التي تجعل الناسَ يملكون الخيرات، وعندما جاءت أسرُ الأشراف وأمتلكتْ الخيراتَ نشأتْ الفِرقُ الدينية، وقد كان نشؤها إنها ظهرت لشرح معانٍ دينية وليس بقصد شق صفوف(الملةِ) فظهرتْ على أسس فكريةٍ محضةٍ كشرح معنى القَدر وتفسير مصطلحات القرآن ولكنها تغلغلتْ بين الناس وصارت قوى سياسية دينية. ولم ينشأ مع هذا إختلاف بين المواطنين فيتخصص أناسٌ في الدين دون سواهم، أو أن يظهر كهنوت، ومع هذا فإن الدولَ المسيطرة حولت الفقهاءَ ورجال الدين لشراح وواعظين ومؤدلجين لسياساتها، ومسيطرين على الأحوال الشخصية خاصة، فيستفيدون من منافعها وأن لا يقحموا أنفسهم في السياسة.

ومع تدهور الانتاج والمعاش وسع رجال الدين من نفوذهم وغدتْ الصوفيةُ دروشةً والفقهُ جموداً. هكذا نشأ الكهنوتُ من خلال سيطراتِ الدول المحافظة، الأمر الذي إستدعى تعدد أشكال الكهنوت، والمذاهب، بحيث غدا إستغلال الدين في عصور التفكك والانحطاط سلعةً رائجة. هنا تشابه الحال مع عالم البابوية وحكم الكنيسة، على الرغم من أنه ظلت الحكومات العربية مدنيةً، ويُلزم في الحاكم حفظُ الحمى والأمن والمعاش أكثر من أي منحى آخر لديه. تجذرُ المنحى(العلماني) كبيرٌ بهذا المعنى في تاريخ العرب والمسلمين، ولكن إنقلاب التطور عن أوربا هو بسبب ضخامة مخلفات العصر الوسيط المتأخر، ولم يفهم النهضويون المتأوربون الاختلافَ بين عالم المسيحيين والمسلمين، فراحوا يصارعون تاريخَ أوربا الوسيط أكثر من فهم تاريخ العرب، وجاءت الماديةُ العدميةُ وأثارتْ الشكوكَ والصراعات الجانبية فتوسعت التنظيماتُ الدينية المستغِّلة للدين في أعمال السياسة، وصورتْ الحياةَ السياسية التحديثية وكأنها مؤامرات للقضاء على الدين، ولكن من المؤكد إنه مع تطور الحياة السياسية الديمقراطية وحدوث ثورة ثقافية وسط العامة سوف يتم توجيه السياسات للصالح العام كما ستتغير صورةُ الدين.

العلمانية نظام سياسي وتحالف فكري 

   يطرحُ العديدُ من القراء مسألة العلمانية وعلاقتها بالإسلام وهل هي تمثل إزالة للأديان وهم محتارون في مسائل كثيرة في هذا المجال، خاصة تشابك هذه المسألة مع التطورات التي تجري في العديد من الأقطار الإسلامية اقتراباً أو نأياً عن هذه العلمانية (المخيفة)، فغدا تعبير العلمانية أشبه بالشيوعية في الزمن القديم أو العمالة الخ.. قد يصدر تعبير العلمانية من أقصى اليمين، أي من أنظمة وتنظيمات شمولية مذهبية لا تعترف في قرارة ضميرها السياسي بوجود الآخر، وترى بأن أي عزل للدين، (ومصورة نفسها هنا إنها الإسلام كله)، بأنه كفر وإلحاد، لأنها تصدر من رؤية شمولية لا تقبل بالآخر، حتى بالمذهبي السياسي الداخل ضمن هذه المذهبية، وهو أمرٌ يمثل أقصى الجمود الفكري، لأن مثل هذا التعنت في التفسير مضر أقصى الضرر بالمذهب نفسه وتطوره الخلاق فيما ينتظر له من تطور.

هنا يتحول الدين، وهو المذهب في الحقيقة، إلى تصور كلي لا يقبل أي منازع أو شريك، وهو تصور متطرف، لأن الإسلام مذاهب كثيرة فما بالك بظهور اجتهادات حديثة فيه وتيارات وطنية، فغدا هذا التصور الأوحد تكريس لدولة شمولية عاجزة عن خلق ديمقراطية داخلية بها، والأجدى بعلماء الإسلام أن لا تتطابق تصوراتهم واجتهاداتهم مع هذه الدول. ولكن النظام السياسي العلماني هو نظام مطروح على جميع الأديان والمذاهب ليس بغرض إزالتها كما يقول التصور الشمولي الديني السابق ذكره، بل هو نظام فصل محدود بين الدين والسياسة، بمعنى الشعار الذي رفعته الأنظمة الوطنية العربية قديماً مستفيدة من آية من الإنجيل(دع ما لقيصر لقيصر، ودع ما لله لله)، وهي معادلة لوضع حد للصراع بين رجال السياسة ورجال الدين في الحقيقة، فهاتان الفئتان كلٌ منهما تريد أن تهيمن كلياً على السلطة والمجتمع، وهذا غير ممكن ولا بد من تعاون الفئتين، وجعل ثمة اختصاص لكل منهما، ومن هنا فرجال الدين الذين يرفضون الحد الأدنى من العلمانية مثلهم مثل رجال السياسة الذين يريدون بتر الأديان! وهاتان الحالتان المتطرفتان توجهان أي مجتمع للانهيار في حالة تصادمهما. ولكن العلمانية نظام سياسي متدرج خاصة في الظروف الإسلامية، وهو يعني جعل السياسة حقلاً مستقلاً، فالبرلمان يعمل بالأصوات من أجل تغيير الأجور وطبيعة الملكية العامة وينظر في الخصخصة ومقاومة ارتفاع الأسعار الخ.. لكن لا يمكن قبول تدخله في مسائل النفقة والحجاب والميراث الخ.. فهذه مسائل تعود للشرع، ولهيئات رجال الدين ولتراكم الأحكام والاجتهاد بها ولتنوع المذاهب، فأي تصويت ينفع في مثل ذلك؟ وهكذا فإن المسائل العامة السياسية والمهمات الاجتماعية الحادة المباشرة تخرج عن الاحتكار الديني للقرار، مثلما أن المسائل الفقهية تعود لعلماء المسلمين وتصوراتهم وهي مسائل تمثل عصب تطور الأمة وجذورها ولا بد أن يكون الأمر بها عبر مراجعات طويلة وديمقراطية عميقة متاحة للمذاهب وتنوعاتها في دول تتجه للتنوع السياسي المذهبي الديمقراطي وتغيير طابع الدولة المذهبية الواحدة الكلية.

وهذا أمرٌ يحتاج إلى زمن طويل، فالصراع الآني حول الأسعار والأجور وظروف المعيشة لا يمشي في مسائل المذاهب والعقيدة! ومن هنا فنحن لا نطرح علمانية كلية شمولية، مثلما نرفض الكلية المذهبية التي لا ترى سوى نظرتها، مثلما نرفض العلمانية الساحقة للدين والمذهبية السياسية الساحقة للتنوع الفكري! إن هذه خطوط عريضة في السياسة، لا يجب أن نأخذها في الحياة الاجتماعية اليومية، فالعلماني قد يكون مسلماً ملتزماً بكل الجوانب العبادية، وقد يكون غير ذلك، فهو هنا فقط يرفض إدخال المذهب في العمل السياسي، ويرى إبعاد المذاهب عن العمل السياسي المباشر، وأن لا يعمل السياسي إلا بشكل وطني متوجهاً لمجموع الشعب، وهذا العلماني كذلك يدخل الإسلام في الكثير من جوانب حياته ويعتبره جزءً أساسياً من ثقافته. وهذا أمر لا تناقض فيه، فالحركات القومية واليسارية ذات رؤى متباينة من الدين، لكنها تتقارب في إبعاد الدين عن الهيمنة الكلية على الحياة السياسية فقط، لأن بعضَ رجال الدين يوظفون ذلك لنشر سيطرتهم السياسية الشمولية وهذا لا يعني تصفية الدين فمن الممكن أن تنشأ رؤى ديمقراطية إسلامية كذلك!

العلمانية المستوردة والعلمانية الإسلامية

  تمثل العلمانية المستوردة ككل أشكال الاستيراد الفكري خلال القرنين الأخيرين من عمر النهضة العربية الحديثة، جسداً غربياً يُراد فرضه على الجسم العربي، وهو من نتاج حضارة أخرى، لها خصوصياتها وتطورها المستقل، ولكنه التطور الذي فرضته على العالم أجمع!

لكن حتى هذه العلمانية الغربية تمثل إنجازاً حضارياً وقد استوعبت الأديان بأن جعلت لها نطاق تحرجها ووجودها، ومنعت عنها أن تدين السياسة، أي أن تجعلها دينية. وهذا غدا معطى عالمياً ديمقراطياً، ولكن الغرب كاستعمار لم يؤمن بالعلمانية هذه حين غزا البلدان الأخرى، بل صار دينياً!

فقد كرس الاستعمارُ المذهبيات وحافظ على سيادة الأديان، بصورتها التقليدية غير النهضوية العتيقة، من أجل أن يمتص خيرات هذه البلدان!

فلم يكن الاستعمار علمانياً، بل كان دينياً!

فإنجازاته الحضارية جعلها في بلدانه، فليس من الممكن أن يخرز عينه بنفسه، ومن حاول أن يستورد هذه الإنجازات هم قادة العرب والمسلمين المتنورين، وكان قادة العلمانية المستوردة يعتقدون بأنهم حين ينقلون منتجات الغرب الصافية هذه فإنهم يماثلونهم بأوربا المتقدمة، فلا حاجة لأن يبدع ويعاني المسلمون ويصنعون نموذجهم الحضاري الخاص، فيجب أن يستوردوها كما يستوردون المذياع والمنظار، وكأن منتجات الفكر والدين والعادات والتقاليد، هي نفسها موضات الأحذية والمصابيح!

ولكن هذه المنشورات الاستيرادية فشلت لأنها لا تقوم على أساس موضوعي، وقد ارتدت الناس بحكم هذا الدفع الاستعماري الغربي والمحافظ الشرقي، إلى الطرف المضاد، إلى الشكلانية الدينية واندفعوا فيها حتى وجدوا أنفسهم أمام حائط تترنح عليه تجاربهم وأجسادهم!

ولكن العلمانية لم تعد نظاماً غربياً بشكله السياسي العام، وهو فصل السياسة عن الدين، فقد أخذت بها الشعوب الشرقية كذلك، ولكن هذا لا يعني من جهة أخرى نحر الأديان أو تذويبها، بل يعني أن ملل الشرق وأديانها الكثيرة لا يجب أن تتناحر فيما بين بعضها البعض، بل يجب أن تركز على قضايا التنمية والعدالة، وهذا التركيز تقومُ به الأحزابُ السياسية والبرلمانات المنتخبة، أما قضايا الأديان وعادات المؤمنين فإن المؤسسات الدينية تتكفل بها، أو الأفراد كما يريدون.

ولكن ذلك لا يعني عدم احترام المؤسسات السياسية والبرلمانية المذاهب والأديان، وتوجهها للقضاء عليها!

فالبرلمان الهندي وأعضاؤه وكلهم في السياسة علمانيون، يتوقفون احتراماً لأي بقرة مقدسة، ورئيسة وزراء نيوزيلندا العلمانية حين تدخل معبد السكان الأصليين الذين لا يسمحون للمرأة بالكلام في هذه الأماكن المقدسة تلتزم بالصمت التام!

إن بدايات من العلمانية السياسية تتشكل لدينا، فلم يعد البرلماني البحريني يقبل أن يُقال له إنه ممثل للسنة، أو ممثل للشيعة، بل يعتبر نفسه ممثلاً للناس ككل ولقضاياهم السياسية والاقتصادية، لكنه لا يستطيع أن يفتي في الفقه، فذلك من اختصاص رجال دين متمكنين، وهذا مع تطور الزمان ووعي الجمور والعملية السياسية سيحول البرلمان لأداة سياسية مستقلة. كذلك ليس من مصلحة رجال الدين أن يأخذ البرلمان دورهم.

وهذا العملية الانفصالية بين السياسية والمذهب، هي عملية علمانية، لأن قضايا المعاش اليومية أكثر مباشرة  من قضايا الدين، التي هي قضايا تحتاج إلى زمن طويل، وقد استقر البحث والفحص فيها عبر المذاهب وعمليات البحث والاجتهاد فيها ومن خلال مؤسساتها العريقة كالجوامع والحوزات الدينية والمجتهدين والمحاكم والمجالس، التي باتت تتصدى لكل صغيرة وكبيرة وتفتي وتصدر الأحكام..

وإذا حدث أن تقاطع عمل البرلمان بعمل المؤسسات الدينية، فلا بد من اللجؤ للسلطات الأعلى المُبينة بحكم الدستور والقانون.

وهكذا فإن قوانين الأجور والإيجارات والضمان الاجتماعي وغيرها لا تفرق بين المؤمنين، لأنها قضايا معاش، في حين أن قضايا الزواج والطلاق والعدة والنفقة لا يستطيع أن يُفتي فيها برلمان!

ومن بدايات هذا التطور تتشكل العلمانية، التي تعني هنا الحفاظ على جذور المجتمع الإسلامية، واختصاص السياسيين بقضايا الصراع الاجتماعي وحل مشكلات المجتمع الاقتصادية والسكنية الخ.. فالسياسون لهم منطقتهم ولرجال الدين منطقتهم، وهذه هي بدايات العلمانية في مجتمع مسلم!

مراحل انهيار العلمانية المستوردة

 تتماثل خطوط التطور العربي بشكلٍ متفاوت، وفي بلدنا كانت التحولات تجري بسرعة وبكثافة، نظراً لكونها معمل صغير تجري فيه التفاعلات بقوة. وكانت العلمانية العربية المستوردة من مراكز الإنتاج الأوربي تجري ببطء في بعض الدول العربية، وخاصة في المشرق، ولعبت أحزاب الفئات المتوسطة الدور الريادي في عملية النقل، وكان من أبرزها حزب البعث، الذي رفع شعارتها بناءً على فلسفات أوربية قومية، ولكن عبر الممارسة على الواقع العربي التقليدي، لم يستطع هزيمة هذا الواقع في البلدان التي مارس القيادة فيها، بسبب قيامه بالاستيلاء على السلطة من خلال الانقلابات، وهذا ما جعله يتحول إلى جزء من الطبقة التقليدية التي عمل على محاربتها. وراحت فروع البعث القطرية تنقل هذه الخطة تدريجياً، وتتحول من الصراع مع الحكومات الاستبدادية إلى أن تكون متعاونة معها، وأخذ هذا التعاون طابع التسلق والحفاظ على مظاهر تحديثية، لكن في العمق مضت المصالحة مع ركائز النظام الإقطاعي، وغدت استعادة الإسلام لا تختلف كثيراً عن الاستعادات التي تطرحها الحركات الدينية المحافظة، وعملياً انتهت هذه العلمانية الشعارية، وغدت مظاهر تحديثية صغيرة لدى البعثيين دون أن تغدو خطة استراتجية لتغيير خطف الإسلام من قبل المحافظين، وعجزت من أن تتحول إلى حفر نقدي في بُنى الدين المحافظ، كما شكلته الطبقاتُ الاستغلالية على مدى التاريخ السابق. وجاءت بعد ذلك القوى القومية اليسارية ورفعت شعارات لمحاربة الاستعمار في الخليج والبحرين، وخاضت نضالاً مريراً وتضحيات في سبيل ذلك، ورفعت شعارات الماركسية على الطريقة الماوية، وهي تعني إزاحة الإسلام من المنظور السياسي، ومن البناء الاجتماعي، فهي قد تابعت منظوري الشيوعيين والبعثيين، باعتبار الإسلام تركيبة متخلفة، وإنه ينبغي التماهي مع الحداثة التي صيغ نموذج الصين كمثال لها في تصور القوميين اليساريين. لكن مع الضربات المتتالية الموجهة لهذه القوى، واستنفاذ مخزونها القتالي شيئاً فشيئاً، فقد فقدت قدرتها على الحراك السياسي المؤثر، وفوجئت بالمد الديني الشيعي عبر الثورة الإيرانية ثم انتقال هذا المد إلى البحرين والعراق ولبنان الخ، فأصبح الخيارُ هو العمل مع هذا المد، وتحول ذلك إلى عمل سياسي مشترك يقوده على الأرض الدينيون، دون أن يكون للقوميين رؤى فكرية كما كان الأمر في السابق، لأن الكادر على الأرض شبه معدوم، فتلاشت الشعارات العلمانية والماوية وصار القوميون ينقلون منشورات الحركة الدينية وشعاراتها. ولا بد أن نقول هنا بأن هذه الكتل كفئات وسطى وصغيرة غالباً ما تتعرض لمد وجزر بين أقصى اليمين وأقصى اليسار حسب الغضوط المختلفة، ويغدو التوجه اليمني كامناً ثم يحصل على تحولات غائرة بثراء الزعامات أو تغلغلها في أجهزة الحكم العربي والاستفادة منها الخ.. مما يغير من الانتماء السابق للأنظمة (الرأسمالية الحكومية) كالصين وروسيا، والتي دخلت نفق أزمة.

وهذا ما حدث للتيارات الشيوعية كذلك التي وجدت نفسها على نفس مسار القوميين (اليساريين)، فالاستنزاف والتضحيات هي نفسها، ثم ظهرت قوة دينية ذات جماهيرية مؤثرة، فأخذ هذا السيل العناصر الباقية من الشيوعيين في تدفقه العنيف! إن النجومية والعداء للشمولية والرغبة في إحداث تحول سياسي ديمقراطي، والمشي مع الموجة وعدم التطلع للخسائر الجسيمة في هذا العنف، وعدم الحفاظ على الاستقلالية الفكرية، هذه كلها من العوامل التي ذوبت العلمانية المستوردة القادمة سواء من بكين أو موسكو. وإذا كان البعثيون قد ذابوا في هيئة السلطة العليا، فإن القومين والشيوعيين قد ذابوا في قوى المد الديني، وهو أمر يعبر عن كون العلمانية الشعارية في الرفض الكلي للدين، ليست ذات أساس فكري عميق وصحيح، فهي عبارة عن تسطيح للموقف من الدين، واتخاذ أقصر السبل لعدم قراءته ولعدم كشف مستويات وجذوره واتخاذ مواقف مسؤولة من قضايا الناس في مسائل العلاقات الأسرية والفقهية وغيرها. هناك تباينٌ بين العلمانية الاستيرادية كما لدى عفلق القادمة من الفلسفة الألمانية الدينية، والتي تماهت مع الإسلام السني المحافظ، وبين الماركسية اللينينية التي جاءت من موقع الإزاحة الكلية ولكن القشورية للدين، لكن الموقف الاستيرادي وتناول المعلبات الأجنبية على مائدة الغذاء الوطنية هو نفسه، وهي أمور قربتها للمذهبيات الأمامية أكثر، وهذا سينطبق على المذهبيين السياسيين لكن من موقع الاستيراد الماضوي وليس الحديث، وسوف يجابهون نفس الانتكاسات بسبب وجود ذات المنهجية الاستيرادية.

العسكرية العربية والعلمانية 

لابد للدول العربية من أن تخطو خطوات كبيرة باتجاه العلمانية السياسية، بسبب تفاقم الصراعات الاجتماعية التي تتخذ ألواناً دينية ومذهبية وعنصرية وإقليمية، وتأتي الأحداثُ كل يوم بأخبار المذابح والحروب والكوارث التي تجري على أساس ديني ومذهبي وعنصري وقبلي الخ.

انظر إلى تفكك السودان ومذابح نيجيريا والجزائر والعراق والهند وباكستان الخ، لترى بأنكَ لستَ في مأمنٍ من الأخطار.

كما أن العالمَ القديم الذي تسيطر عليه تمام السيطرة الدول الغربية بدأ يفلت زمامهُ، وتتفجر الأزماتُ المالية والاقتصادية والعسكرية، وتعود الدولُ الشمولية الشرقية العسكرية لتصطاد في المياه العكرة وتشجع الفرقاء الدينيين والمذهبيين والعنصريين وتمدهم بالسلاح والتكنولوجيا المتطورة، فهي تريد أموالاً بأي شكل، وهي تريد بلداناً مفككة لتتوغل فيها.

ولهذا فإن الانقلابات على أساس ديني ومذهبي وعنصري ليست بعيدة عن الجيوش العربية، في السنوات القادمة، وهي الغارقة في حياة السكان، ولم تصبح فصائلَ منعزلة عن صراعاتهم الدينية والمذهبية والسياسية والعنصرية، بل هي داخلة فيها، وهذه الجماعات بدورها تستفيد من طابع الولاء الديني والمذهبي والسياسي في التغلغل في أعصاب الجيوش وعروقها الداخلية المخفية.

ومع اشتداد الأزمات الوطنية والإقليمية، وتفكك الدول بسبب الصراعات الدينية والمذهبية والعنصرية وغيرها، فإن توغل هذه الصراعات داخل الجيوش، واتخاذها مبررات للانقلابات و(إنقاذ الأمة) ليست بعيدة عن الاحتمالات المفتوحة.

ولهذا فإن الدول الدينية والدول الكبيرة ذات الأحلام التوسعية تعتمد على غزو الجيوش من الداخل، وتغيير ولاء ضباطها، أو احتكار جماعاتها التابعة لها للسلاح، ورفضها الدخول والانصياع لإرادة الجيوش الوطنية، والذوبان في الجيوش الوطنية والتخلي عن أيديولوجياتها المزعومة بأنها الدين الحق، والمذهب الحق، وهي التابعة لعصابات ودول ناقعة في الفسادين الديني والسياسي.

أو ترى هذه الجماعات المسلحة تقوم بالاضطرابات المستمرة، وتدبر المذابح الرهيبة، وتقتل الأبرياء في مغامرات تدعي فيها أنها تحرر البلد من الطغيان، وتقوم بفصل الأقاليم في حرب ضروس باسم المصلحة الوطنية العليا وهي تبحرُ في مستنقعات من الدم.

بل هناك حتى محاولات الاستيلاء على مدن واحتجاز الرهائن كما جرى في الهند مؤخراً. وقد دمر هؤلاء كل شيء باسم الدين والمذهب والعنصر.

كل هذا يجري والعواصف لم تتنشر انتشارها الكثيف مع تنامي الأزمات الاقتصادية المتصاعدة في الدول الأخرى، التي تنظر لهذه الكوارث كأنها بمنأى عنها، وأنها في عالم مستقر أبدي.

ومن هنا ضرورة وجود جيوش عربية خالية من التوجهات المذهبية والدينية والعنصرية والإقليمية، وأن يكون ولاؤها للوطن والدستور، وألا يُسمح بتوغل هذه الاتجاهات داخل صفوفها، وأن تمنع أية دعاية طائفية ومذهبية وقومية عنصرية داخلها. فاليوم هؤلاء معك وإذ تمكنوا فهم غداً ضدك.

كما أنه يجب عدم بقاء المروجين الدينيين والمذهبيين والعنصريين وغيرهم من أصحاب الرؤى التقسيمية للشعب داخلها، وأن يُضم كل عنصر يرفض هذه التوجهات حين يصيرُ جنديا، فنريد جيوشاً منضبطة قوية لا تدين بالولاء إلا للوطن والدستور، وكل من يقبل ذلك ويلتزم به بصرامة وقوة يكون عسكريا وإلا فليخرج من الجيوش العربية.

ويجب ألا تنظر قيادات الجيوش لمنبت المجند أو عائلته أو طائفته أو إقليمه بل تنظر لمدى التزامه بالإخلاص للوطن والدستور، ومن هنا ضرورة أن تكون الدساتير بمستوى تحديات التاريخ الراهن، وتتحول مثل الجيوش إلى دساتير ديمقراطية علمانية.

إن تربية وطنية علمانية عسكرية باتت ضرورة كبرى في هذه المنزلقات التي تجري، وتجرُ بلداً بعد آخر لدروب الانقلابات والحروب وتجعل الجيوش تتفكك وتنقسم إلى طوائف كما هو حال البلد المتزعزع، فبعضٌ من الدول العربية تحتوي على ثلاثة جيوش متطاحنة مستفيدة من اتساع المساحة في هذه الدول.

ولا شك أن الإصلاحين السياسي والعسكري يترافقان مع بعضهما، وأي إصلاح يعتمد على مدى تغيير ظروف أغلبية الشعب، وعدم وضعها في دوائر الأزمات والفقر المدقع وعرضة لهيمنة الخارج، وحين لا يُلتفت إلى ذلك ويتم جذب المجندين الفقراء العاطلين الجهلة وجعلهم أساس الجندية، فهؤلاء يغدون سبب المشكلات والتمردات لا على أساس الضبط والربط المطلوبين.

كما أن وضع الضباط المؤدلجين والمؤيدين للتيارات المذهبية والدينية والعنصرية على رأس هؤلاء، وفي بلدان تغلي بالأزمات والصراعات، ليس معناه سوى الانفجارات السياسية.

إن الجيوش الحضارية العلمانية كما في الغرب والهند وتركيا وغيرها من الدول التي نأت بالجيوش عن التدخل في الدين والمذهب والسياسة، هي أداة للحكومات التي تصل إلى الحكم عن طريق القانون والدستور، فتخدم سياستها، لا أن تكون هي مصدر السياسة.

وتغدو هذه الجيوش حارسة للدستور في حالة الاضطرابات وانفلات زمام السيطرة، وتمنع العودة للوراء، أي للدولة الطائفية والعنصرية.

والعديد من الكتاب العرب ينتقدون التجربة التركية وسيطرة الجيش وحمايته للدستور، رغم أن هذا الأمر هو الذي جعل تركيا تتطور بهدوء خلال العقود السابقة، رغم قلة موارد هذه الدولة وغياب النفط والموارد الكبيرة الأخرى التي يتمتع بها بعض الدول العربية لكن حياتها كلها اضطراب وقلاقل وانقلابات خلال العقود نفسها.

كما أن الجيش التركي يحمي الحدود وهي مهمته الأساسية، والقمع التركي للأكراد هو بسبب تطرف حزب العمال التركي ومطالبته بالانفصال عن تركيا، وهذا الأمر خطير ويحول أي دولة إلى فسيفساء متناحرة.

يتحول الجيش في الدولة الشرقية العلمانية إلى حام للحدود وحارس للدستور، وليس متدخلا في الصراعات السياسية مادامت الأحزاب تلتزم بالدستور.

 الاستعمار ورفض العلمانية 

   على الرغم من أن الأستعمار كنشاط سياسي غربي إحتلالي وذي هيمنة على القارات الأخرى، كان نابعاً من حضارة علمانية ترفض إستخدام الدين في السياسة، إلا أنه في إستغلاله للبلدان الأجنبية ركز على تغييب العلمانية السياسية من حياتها ودعم مختلف الطوائف في عدائها لبعضها البعض. لا شك إن ذلك يعود لطبيعة هذه العلمانية كتطور خاص بالغرب حيث عمدت القوى الحاكمة إلى العودة لميراث العصر الوسيط من أجل كبح نمو القوى الاشتراكية، وعبر إدعاء هذه الطبقات النازفة لعرق الملايين بأنها مؤمنة، فسقطت هذه القشرة الرقيقة من العلمانية حالما أجتازت دباباتها خطوط التماس بين الغرب والشرق، فهنا عاد الزمن للعصر الوسيط الديني، فظهرت البرجوازياتُ الغربية المتدخلة في العالم المستعمَّر وكأنها قوى حامية للأديان. فقام الاستعمار البريطاني بحماية مختلف الأديان والمذاهب والنحل العجيبة في الهند لا لشيء سوى تفجير الخلافات بينها ومنعها من إتخاذ موقف مشترك نضالي ضد هذه الهيمنة.

وهذا ما جرى بأشكال متباينة في مختلف الدول التابعة، فنظراً لعجزه عن رد التاريخ للوراء في الدول الغربية كان علمانياً فيها، ونظراً لعرقلته لنمو التاريخ في الدول التابعة صار دينياً! لكن قادة التحرر الكبار في الشرق؛ غاندي، وماو تسي تونغ، ولينين، وسعد زغلول، وغيرهم، أتخذوا سياسة مضادة، رغم تنوعها إلا أنها سياسة توحيد قومي. فغدت العلمانية السياسية هي شعاراتهم لكي يوحدوا الملايين من البشر التي تعاني في رزقها وحياتها من تلك الهيمنة، لكن هذا التوحيد القومي أتخذ مسارات مختلفة، ظللها الكثير من الوهم الإيديولوجي، فعلمانية غاندي كانت هي اللاعنف ومقاومة الاستعمار وترك كل الشعوب تعيش في دياناتها وتشكيل حزب هندي قومي لا ديني، دون أن تتطرق هذه السياسة إلى تغيير حياة الملايين الأشد فقراً في العالم، فصعدت البرجوازية الهندية الغنية والإقطاع إلى كرسي الحكم الوطني، فتململت القوى الشعبية وتوجهت للهندوسية المتطرفة حاسبة إن مشكلتها هي في عدم تطبيق الدين! وهذا ما حدث في روسيا والصين بشكل مختلف، فكان قادتها علمانيين إلى درجة العمل لسحق الأديان، لكن الرأسمالية الحكومية قادت إلى بروز البرجوازيات من داخل الدول، فعادت الشعوب للدين لأنها رأت نفاق السياسة الاشتراكية المزعومة. وهكذا فإن السياسية الغربية الاستعمارية الجديدة الحاصلة هذه الأيام وجدت في البروز للرأسمالية البيروقراطية الشرقية إمكانية أخرى للتغلغل في المشرق العربي تحت راية الإصلاح وحماية الأديان والطوائف، كما كان العهد في السياسة البريطانية السابقة، فمر أكثر من قرن دون أي تغيير عميق في السياسة الغربية لكن مركز القرار العالمي تحول من قارة إلى أخرى! لقد قام قادة الثورات الشرقية السابقين بعمل إنجازات كبرى في مسائل الاستقلال القومي لكن محدوديتها تعود لمستوى وعيهم ولمستوى تخلف شعوبهم، فلم يستطيعوا الجمع بين الحرية والديمقراطية والعلمانية وتغيير حياة الملايين الفقيرة.

إن هذا الجمع المركب بين هذه السمات هو كذلك وليد التاريخ والتجربة، فنحن نرى قادة أمريكا اللاتينية يتجاوزون مستوى لينين وماو تسي تونغ وغاندي، فيجمعون بين توحيد شعوبهم وتحررها وتقدمها وبين ارتفاعهم عن خلافاتها الدينية والعرقية والفكرية ودون أن يكون ذلك أيضاً عبر القبضة الحديدية! لا شك إن هذه السمات الجديدة الوطنية العلمانية في العالم الثالث تشكل ظاهرة نوعية تحولية هي نتاج خبرة الآلام والثقافة، وسوف يتسع حضورها وانتشارها، لكي يقوم قادة العالم الثالث الجدد بتوحيد شعوبهم وتطويرها، ومن موقع الند للند للحضارة الغربية التي فشلت علمانيتها على المستوى العالمي، مقدمين مستوى أرقى من العلاقات الدولية. علمانية ديمقراطية لا تتنكر لتاريخ وأديان هذه الشعوب المضطهدة وتعمل لتغيير حياة الملايين من الفقراء!

العلمانية الانتهازية

   تنبع الديمقراطية من احترام تقاليد الشعوب، وتشكيل أبنية تحديثة من داخل هذه التقاليد، تعكس مصالح الأغلبية الشعبية فيها، وهذه عملية مركبة، لأنها فيها احترام وصراع مع هذه التقاليد كذلك.

ومنها تصعب على القوى الانتهازية أن تشكل هذا الموقف المركب، فهي تأخذ جزءً منه، وتترك أجزاءَ أخرى.

فالعلمانية حين تغدو انتهازية تصبح تابعة للمذهبيين السياسيين في جانب سياسي جزئي، هو التماشي مع هدف المذهبيين في تكوين ديمقراطية سياسية، تقتصر على جوانب صغيرة من الحياة، هي تلك التي تتيح صعودهم السياسي وتحولهم إلى قوة دكتاتورية في المجتمع، وحينئذٍ يكون مثل التأييد والتصعيد خطراً على الديمقراطية!

لو كان هذا الصعود يترافق وعمليات ديمقراطية فقهية وتحرر للنساء ونمو ثقافة وطنية، وصعود للفلسفة، وللنقابات الحرة، لما كان هذا الصعود يمثل خطراً.

تغدو العلمانية هنا انتهازية، وليست  موقفاً شاملاً، وتسلقاً على موجةٍ شعبية ملتبسة، تسيطرُ عليها قوى محافظة غير مدركة لتعقيدات الموقف وغير قادرة على مجاراة عملية تحرر المسلمين وتقدمهم، ومن هنا حين يحاول بعضُ القادة ركوبَ الموجة فإن مسائل ذاتية تتغلب عليهم هنا، ويغدو هدفهم الشخصي طاغياً على مستقبل المجتمع.

مثلما أن العلمانية التي تجعلُ أوراقَ التحديثِ والتحرر كلها بيد الغرب، تمثل موقفاً معاكساً، ومماثلاً في الجوهر.

إن المميزات المشتركة بين هذين النمطين من العلمانية هو غياب ذلك الموقف المركب، المرتكز على مصالح الأغلبية، وعلى جذور الكفاح لدى المسلمين والمسيحيين العرب وكل التراث السابق في المنطقة، حيث لا يمكن لهذه العلمانية إلا أن تنهض فوق تلك المصالح وذلك التراث، ولكن بشكل نقدي يعري طبقات التخلف واللامساواة والاضطهاد، ويجمع تلك الأغلبية في موقف نضالي مشترك واسع وعميق.

ومن هنا يغدو عزل الجوانب المحافظة والمتخلفة في المذاهب، وتطوير الجوانب العقلاينة والديمقراطية والتوحيدية في التراث، ورفدها بإنتاج الإنسانية المعاصر الديمقراطي والإنساني، عملية سياسية بالغة الدقة، وموضوعية، لا تهدف إلى تسلط طائفة أو زعيم، بل تستهدف تجميع الناس التعاوني والخلاق لتشكيل وطن حر متقدم، يكرس كذلك احترام تقاليدهم ومذاهبهم وتطورها الحديث، بحيث أن لا تمثل تسلطاً على المجتمع أيضاً وعلى تنميته وتقدمه ووحدته.

ولهذا تحتاج العملية إلى سياسيين فقهاء علماء، أي سياسيين علمانيين إسلاميين شعبيين ديمقراطيين، في هذه العملية المركبة الدقيقة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, عبدالله خليفة and tagged , . Bookmark the permalink.