كـأس العالم… هل أصبحت كرة القدم ديانة جديدة؟

 حميد زناز  

في كل مناسبة من مناسبات كأس العالم تصدر مئات الكتب حول ظاهرة كرة القدم و رغم ذلك يظلّ التساؤل قائما عن سرّ هذا الشغف منذ أكثر من قرن من ضرب الكرة رسميا لأوّل مرة. فلماذا تبهر كرة القدم جماهير المتفرّجين كلّ هذا الإبهار؟ هل يعود ذلك إلى سهولة التعليق على اللعبة إلى حدّ يضع الملايين من المشاهدين، على غير العادة، في وضع يشعرون فيه كأنّهم خبراء في هذه الرياضة لوضوح قواعد اللعبة؟ ألا يمكن تفسير شغف الناس بكرة القدم على أنّه ضرب من ضروب البحث عن “شفافية” مفقودة في ميدان العمل والحياة العامّة والسياسة؟ 

مع مرور السنوات العجاف تلو العجاف، أصبحت “مباراة كرة القدم” في لاوعي المدمنين عليها (أو المدفوعين إلى الإدمان) تبسيطا للمسرح الاجتماعي وتناقضاته، وغدا المستطيل الأخضر ميدانا مصغّرا تنعكس فيه صورة المجتمع الحقيقية : مراوغة القانون، التحايل، العداء، الدهاء، العنف، الصراع، حبّ الانتماء، وشيء من الإبداع و الفرح.. وهكذا يشبع المتفرّج لا شعوريا حاجته إلى الشفافية والوضوح، إذ تتبسّط أمامه رمزيا تعقيدات المجتمع التي تتجاوزه في الواقع. تخلق الكرة، بهذا المعنى، وضوحا مؤقتا يسعد المتفرّج، فهي مثل الأسطورة تلغي تعقيدات الأفعال الإنسانية وتسبغ عليها بساطة كلية، وتنفي كلّ ديالكتيكية، وكلّ محاولة للذهاب إلى أبعد ممّا هو مباشر وملموس.

مقارنة بمجال النشاط اليوميّ المبرمج والمقنّن والروتينيّ في غالب الأحيان، وبعده عن الإثارة والعواطف، ومقارنة بضبابية المجالات السياسية والاقتصادية، وخصوصية قطاع الثقافة والفنّ وتعاليه، تلعب كرة القدم دور الأسطورة بالنسبة لجماهير العصر الحاضر، إذ تعوّض للمتفرّجين ذلك الوضوح الذي يفتقدونه في مجالات الحياة الأخرى، وتصبح بمثابة نور يبزغ في عتمة الواقع، وربّما ذاك هو سرّ جمعها لعدد أسطوريّ من الأفراد وتحويلهم لفترة معيّنة إلى كتل جماهيرية لم يسبق أن عرف تاريخ البشرية مثلها. مليار إنسان كانوا أمام الشاشات يشاهدون نهائي كاس العالم بين المانيا و الارجنتين سنة 2014!

فحتى الأديان المسمّاة سماوية لم تستطع أن تفعل حيالها شيئا لأنها أصبحت أكبر الأديان على الإطلاق. لم يردّ الشبّان على فتوى الشيخ القرضاوي بتحريمها سوى بمزيد من التعلّق. ألم يطلق إرهابيون عراقيون رهينة إيطالية بمجرّد رؤية لاعبهم المفضّل “توتي” في مظاهرة تطالب بإطلاق سراحه؟ في الجزائر فقدت الحركة المسلّحة الأصولية تعاطف الآلاف من الناس حينما أقدمت على اغتيال “ياماها”، ذلك المناصر اللطيف الذي كان يصنع البهجة على مدرجات الملاعب وفي كلّ مباريات الفريق الوطني الجزائري. وكانت المرّة الأولى والأخيرة التي تجرّأ فيها الإرهابيون الإسلاميون تجريب الجهاد على كرة القدم. في سنوات الجزائر المجنونة كان ملعب 5جويلية قاسما مشتركا بين علي بلحاج وعلي بن شيخ، كان الأوّل يؤسلم الجماهير بكتابة اسم الجلالة في السّماء محوّلا اللّيزر إلى كرامات.

وكانت مراوغات الثاني الأسطورية تنسي نفس الجماهير انسداد الآفاق. “أحبّ الفريق الوطني أكثر من وطني”، هكذا عنونتُ مقالا في الموضوع في نهاية التسعينات، وهو ما قاله لي حرفيّا أكثر من شابّ جزائري آنذاك. وعلى تطرّف الفكرة فهي تدلّ على بسيكولوجية كانت سائدة وربما تعزّزت أكثر اليوم بعد ما انكسرت كل آمال الشبان في الجزائر بعد 10 سنوات من العنف الاصولي و 20سنة من التسيير البائس للبلد. وليس هذا فحسب فبعض أنصار الفرق باتوا يهتفون بحياة داعش على المدرجات. 

كالديانات، تصنع الكرة في أغلب الأحيان الفرد الجماهيريّ، الإنسان ذا البعد الواحد، ذاك الكائن الراضي الذي قلما يحتاج إلى ملكة النقد. لقد أخذت وظيفة المسرح فغدت شكلا من أشكال المسرح المعاصر، لكنّه مسرح للطبقات الدنيا في المجتمع. فإن كان الدين ميتافيزيقا الفقراء، فكرة القدم هي أوبرا الفقراء.

يقول عالم الاجتماع فيناي في كتابه “الرياضة في المجتمع الطبقي” أن كرة القدم تثبت في الأعماق مبدأ الواقع لمجتمع يستغلّ نظامه الاقتصادي الضاري الأرواح والأجساد ويغري الناس بمبدأ الرأسمالية ومنطقها .. ولا يكتفي هذا الجنون الاجتماعيّ بزرع بذرة الوعي الكاذب بل يخلق نمط الإنسان الذي يقوم بحماية الحكام المتسلّطين. ألا يجسّد حكم المباراة السّلطة المستبدّة في الملعب؟ السلطة المطلقة غير القابلة للنقاش والتي لا تعترف بأخطائها ولو قدّم لها البرهان الدامغ.

ألا يمكن أن تكون الكرة في بعض الأحيان وسيلة لصرف الجماهير عن حاجاتها الحيوية في الوطن العربي؟ ألا يكون الاهتمام بنادي الكرة في المدينة أو القرية تعويضا لعدم تمكن الأكثرية من الاهتمام بما يجري في سراديب السلطة المحلية؟ أليس اهتماما بمسموح تعويضا لممنوع؟ ألا يجد الناس في الكرة ما يحلمون أن يجدوه في حياتهم العامة : حرية التعبير، الانحياز العنيذ لجهة معينة (ثقافية أو سياسية أو إثنية أو دينية)، انتخاب رئيس النادي ديمقراطيا، التظاهر في الشارع، تعددية النوادي، تكافؤ فرص إظهار المواهب، حلم أيّ طفل مهما كان فقيرا أن يصبح نجما كرويا ؟ في الكرة مثلا لا يمكن توريث الأبناء ولا يمكن أيضا تغيير قواعد اللعبة كما نشاء (تغيير الدساتير)، و مع ذلك لقد تمّ بطريقة أو بأخرى تديين الكرة وتكوير الدين دائما . 

ألا يكون التعلّق بكرة القدم هروبا من الواقع؟ ألا يكون حنينا إلى اللامعقول و الأسطورة؟ أليس رفضا لاواعيا للخروج من الطفولة؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in حميد زناز and tagged , , , . Bookmark the permalink.