التنوير الاجتماعي عند فرح أنطون

عبدالله خليفة 

 فرح أنطون  هو من المثقفين الشوام الذين هاجروا إلى مصر هروباً من القمع العثماني، وكسربه المهاجر اشترك في الجهود الثقافية المتنامية في مصر وهي تحت الاحتلال البريطاني، وقد أصدر جريدته [ الجامعة] بالإسكندرية، منذ أوائل القرن العشرين، ونشر فيها مقالاته ورواياته، وقد أدت بعض كتاباته إلى معارك شهيرة مع الإمام محمد عبده والتيار الديني عامة.

 ليس تحت أيدينا ثمرة هذه المعركة وهو كتاب [ في أبن رشد وفلسفته]، ولكن روايته المعروفة والمنشورة مجدداً وهي [الدين والعلم والمال]، والتي كتب مقدمتها جابر عصفور موضحاً إن كتابة فرح أنطون للرواية الفكرية يأتي في سياق دور المثقفين النهضويين في ذلك الوقت لنشر المعرفة: كما فعل جورجي زيدان في رواياته التاريخية، التي اهتمت بعرض التاريخ الإسلامي بشكل قصصي.

وبطبيعة الحال، فإن اختيار فرح أنطون وجورجي زيدان للرواية كأداة عرض للأفكار، يعبر عن هذه العملية في تثقيف القراء، وبالتالي هذا أدى إلى تغيير طابع اللغة العربية المثقلة بزخارف العصر الوسيط، وجعل هذا النوع [ الرواية] ذا طابع شعبي.

ولهذا فإن فرح أنطون وهو يعرض مسألة التيارات الفكرية المعاصرة في ذلك الوقت، لم يطرحها كبحث فكري يتغلغل في هذه التيارات فحصاً وتحليلاً، بل جعل عملية البحث أشبه بقصة، فهناك راوٍ، وهناك شخصيات يقابلها، وموضوع يكشفه وهو موضوع ثلاث مدن متضادة، هي مدن الدين والعلم والمال.

لقد جعل التيارات الفكرية: التيار الديني، والتيار العلمي، والتيار المالي، أجساماً جغرافية وتاريخية مُجسدة في تكوينات.فلم تعد هذه التيارات متداخلة وأجزاء من تكوين تاريخي في مجتمع واحد، بل جعلها مدناً.

وهو يقيم تاريخاً خاصاً لتكون وانفصال هذه المدن، يقول الشيخ شارحاً ذلك للراوي البطل وهو الفنان المتجول:

[وقد حدث هذا الانقسام على ما نرى منذ زمن بعيد، فإن أولئك الفتيان والفتيات الذي أسسوا هذه الجمهورية الصغيرة بعد اشتغالهم بزراعة الأرض وإتقان المصنوعات أصابوا من نصيباً من الثروة والسعة، فلما تزاوجوا وتكاثروا جاء أبناؤهم أرقى منهم وأكثر ميلاً إلى الشئون النفسية، فعكف بعضهم على التجارة وبعضهم على العلم وبعضهم على الأدب وبعضهم على الدين]، [الدين والعلم والمال، دار المدى، ص27].

يقيم فرح أنطون تاريخاً خيالياً لهذه المدن، فهناك مجموعة من الشباب تقوم بإنشاء جمهورية تعاونية تتوسع وتتنوع في الإنتاج المادي والروحي.وبغض النظر عن الإمكانية الاجتماعية لمثل ذلك، إلا أن فرح سرعان ما يقفز على سياق التجربة، وهو لم يعلمنا بجذور هذا التعاون وطبيعة الملكية والإنتاج، وكيف يمكن لأساس اجتماعي تعاوني أن يتفكك، وهل المسألة تعود لتطور الأجيال؟

إن هذا يعطينا فكرة عن عدم درس فرح أنطون للتجربة المشاعية في المشرق، وإنه أخذ فكرة الجمهورية المشتركة هذه من أفكار الاشتراكيين الخياليين أمثال روبرت أوين وسان سيمون وشارل فورييه، الذي قام بعضهم بالفعل بتجارب فاشلة لمثل ذلك.

ولكن فرح أنطون ينقلها إلى مدار آخر.فهي ليست تجربة اشتراكية بالفعل، وهي ليست عودة لاكتشاف الجذور التاريخية للشرق، بل هي فكرة قصصية لأمر آخر.إنها تبرير لوجود مثل هذه المدن الخيالية على هيئة تيارات فكرية.

ولهذا فإنه يتقدم لتمرير هذه الفكرة وتجسيدها:

[فلم يمر زمنٌ طويل حتى قام النزاع بينهم على ساق وقدم].لا يقدم المؤلف أي حيثيات معقولة في تفسير هذا النزاع، فكيف يتشكل نظامٌ اجتماعي دون تداخل بين رجال المال والعلم والدين؟ وهل مسألة تغير الأجيال دون تبدل في الملكية وعلاقات الإنتاج يمكن أن يؤدي إلى هدم تجربة تعاونية؟!إننا نرى هنا مفهوماً مثالياً للتاريخ متوارياً.ويضيف:

[ فارتأى بعض منهم زيادة في توسيع المعيشة على السكان أن ينشئوا بلدتين أخريين قريبتين من البلدة الأصلية. ثم رغبة في حصر النزاع في مكان واحد أو منعاً للنزاع قرروا أن تسكن كل طبقة في بلدة، فطبقة المال تسكن في البلدة الشرقية، وطبقة العلم في البلدة الغربية، وطبقة الدين في البلدة الجنوبية]، [ نفسه ،ص27].

هنا جملة من الإشكاليات، فمحاولة فرح تصوير التيارات الفكرية الأساسية في المجتمع الحديث الغربي، في الواقع، على شكل مدن، تبدو غير متنامية بشكل منطقي اجتماعي وفني في آن، ولكن فرزه كذلك للمدن هو فرز يأتي على أسس متناقضة، فمدينة المال، وهي مدينة أصحاب الثروة والرأسماليين، هي مدينة طبقية، حقيقية، أما مدينة أهل العلم، فهؤلاء فئة مستخدمة ذات اتجاهات متعددة، في حين كان ينبغي أن تكون مدينة العمال أو الفعلة، كما سيذكر لاحقاً.لأن مدينة العمال يمكن أن تكون جسماً اجتماعياً متبلوراً، حتى في مساكن وأحياء، لكن فرح أنطون لم يفعل ذلك، وجعل فئة العلماء ومن ثم فئة رجال الدين تكوّنان مدينتين مختلفتين.

وهو فيما بعد سوف يحتار في فئة العلماء لأنه يجعلهم عمالاً تارة، ومدافعين عن العمال تارةً أخرى.فهل كان يريد عرض طبقات المدينة الحديثة وصراعها أم عرض الصراعات الفكرية؟ هذه العملية ستكون متداخلة.

إن هذا التأثيث المتردد لطبقات المجتمع وتياراتها ستكون له نتائجه في سيرورة المدن، وتصوره للحضارة الحديثة.

لكن علينا قبل ذلك أن نعرف لماذا قام باختيار المدن كنموذج لعرض التيارات.

لقد ظهر أسم الفيلسوف الفارابي في هذا الكتاب [ ص 42]، وهي إشارة بكون المؤلف فرح أنطون يعرف الفارابي وتجربة كتاباته، فالفارابي الذي أسس في الفلسفة العربية عملية التداخل بين التيارات الفكرية والاجتماعية وبين المدن، حيث كانت لديه تعبيرات: المدن الجاهلة، المدن الفاسقة، المدن الضالة، المدن الفاضلة..

وقد مرّكز الفارابي في مدنه سمات اجتماعية فكرية متداخلة، فالمدينة الجاهلة على سبيل المثال هي التي عرفت الحقيقة ولكنها لم تطبقها وانهمكت في شئون حياتها اليومية من أكل وتوالد الخ..والمدينة عرفت الحقيقة وتوجهت لضدها من أنانية وفجور الخ..

هذه الفكرة الفارابية استلهما فرح مزاوجاً بينها وبين فكرة الاشتراكيين الخياليين عن الجمهورية الصغيرة ذات المشروعات الإصلاحية في مزاوجة مركبة ضعيفة عموماً في بنائها.

والفارق بين فكرة الفارابي عن المدينة المثالية من جهة، وفكرة فرح أنطون وفكرة الاشتراكيين الخياليين من جهة أخرى، إن الأول اتخذها نقداً للحياة الأرضية وطلب العيش فيها،رافضاً إياها مقدماً حياة الغيب والذوبان في المطلق والفيض، معتبراً الزهد شكلاً من هذا الرفض للحياة الدنيا (الوضيعة)، وهو أمر كان يعبر عن رفضه للبذخ الأرستقراطي الهائل في عصره، متساوقاً مع الإيديولوجية الدينية الزهدية المتصاعدة في الحياة.

وإذا كان الفارابي يدعو للغياب عن تطوير المدن والتوجه للعزلة والزهد، فإن فرح أنطون والاشتراكيين الطوباويون يصورون المدن أو يناضلون من أجل إنشائها بهدف تطوير الحياة الدنيوية ورفع مستوى معاش الإنسان وثقافته، وهو هدف مغاير للفارابي الذي انسدت أمامه آفاق التغيير الاجتماعي الخلاق

ولهذا فإن الأبيات التي أستشهد بها فرح أنطون في كتابه وهي كما نوه لها من نظم الفارابي، إذا صحت الرواية، أقول إن هذه الأبيات في تضاد مع ما يريده أنطون، تقول الأبيات المنسوبة للفارابي:

أخي خل ذي باطـــــــــــــل        وكن للحقائـــــــق في حيز

فما الدار دارُ مقامٍ لنـــــــــــا       وما المرءُ في الأرض بالمعجز

ينافس هذا لهذا علــــــــــــى      أقلِّ من الــكلم الموجــــــــز

وهل نحن إلا خطوط وقعــــــ        ن على نقطة وقع مســـتوفز

محيط الــسماوات أولــــى بنا         فماذا التنافس في مركــــــز

نرى هنا التضاد واضحاً بين رؤية الفارابي لضرورة عدم التنافس الأرضي، واعتبار الدار دار عبور، وكون الإنسان مجرد نقطة، في حين ينتظره محيط السماوات.إن هذه الفلسفة الغيبية المفارقة، المهمّشة لدور الإنسان وعالمه، يستشهد بها فرح أنطون وهو في سبيل بناء فلسفة دنيوية تحويلية للإنسان، تركز على تغيير واقعه؟! ولهذا فإن قول الشيخ التالي للمتخاصمين قبل ترديده للأبيات يعبر أفدح تعبير عن هذا التناقض:

[هل إن حطام الدنيا وخيراتها الزائلة ومسراتها الفانية تستحق هذا الاقتتال الشديد عليها.].

لكن هذا لا يمنع من وجود خط سري ديني زهدي لدى فرح أنطون كما سيظهر لاحقاً.

وفي الواقع إن مهمة كتاب فرح أنطون هي النضال من أجل هذه الخيرات وهذه المسرات، المسروقة من الأغلبية العاملة، ولقد كان ومازال الاقتتال عليها هو مضمون التاريخ الاجتماعي، وهو القتال الذي رفض أن ينخرط فيه الفارابي مفضلاً العزلة وتقديم مشروع مؤجل ومغيّب، ودخله فرح أنطون نفسه، ولكنه هنا لم يستطع سبر غور مدن الفارابي، ولم يكتشف تضادها مع مشروعه، ولم يأت لذكرها إلا من أجل سند شرعي من التراث العربي الإسلامي يسوغ به مشروعه عن مدن مختلفة.

ينطلق فرح أنطون لتشكيل كتابه وعرض تجربة اجتماعية من فكرة [ اليتوبيا]، وهي تعني كما يقول إنه لمح في أثناء الدراسة [ عصراً يسميه مؤرخو اليونان العصر الذهبي ويسميه كتاب المسيحية عصر الفردوس الأرضي فبقى منه في فكره أثر كان يحضر فيه كلما رأى زحام الحياة وجهادها بين أفرادها]، ص28.

يبدو هنا إن فكرة المؤلف تشوبها كذلك نوازع دينية، خاصة في تعبيره عن الفردوس الأرضي وهي فكرة خالجت الأديان أو بعض تياراتها، من أجل خلق مجتمع العدالة الأرضية، المفقود دائماً، والذي يُراد أن يكون أرضياً وليس مؤجلاً ليوم الدينونة، ولهذا برزت لدى المسيحيين فكرة الفردوس الأرضي، ولدى المسلمين فكرة ظهور المهدي وتحقيق العدالة الشاملة الخ..

ويتضح الطابع الديني في تصوره من اعتقاده بوجود مدن فاضلة نقية، أي فراديس انتقلت من السماء إلى الأرض، ومن ظهور الشيخ المعتدل في القصة الذي يبدو كأنبياء الشرق.

لكنه فيما بعد يقوم بعرض وجهات نظر المتخاصمين الاجتماعيين، فرجال المال يقولون:[ شكوانا من بعض الطامعين الذين يثيرون خواطرهم( أي خواطر العمال)علينا ويحرضون طبقتهم على طبقتنا].ويطالبون الحكومة بإبعاد هؤلاء المحرضين ليستتب السلام.

أما أهل العلم فيهاجمون أهل الدين قائلين:

[تراهم يكثرون التزلف للأغنياء، وأرباب الأموال ويجارونهم.. ويلهون الشعب بالتدجيل عليه ليشغلوه بالأوهام والأحلام عن مصالحه الحقيقية].

أما شكوى رجال الدين فهي من:[أولئك الجاحدين الكفرة الذين يبثون روح ضلالهم وكفرهم في النفوس].

ولعل البرنامج العلمي العمالي الاشتراكي هو الذي يتردد في كتاب فرح أنطون الصغير هذا بوفرة، وهو ينقل أوضاع العمال الفرنسيين المحسوبة بالفرنك، أكثر من تصويره لأوضاع العمال المصريين أو العرب، وهو يبدأ ببرنامج اشتراكي فيقول زعيم العمال:

 [فعلى الأمة إذاً أن تتولى إدارتها بنفسها وتوزع أرباحها بين أبنائها، أي أن الحكومة تجعل من نفسها التاجر الكبير الوحيد الذي تنحصر في يده المتاجر والمصانع والمزارع وتستخدم أفراد الأمة وتعطيهم أجرتهم..]، ص45.أما دعوة رجال المال فهي على النقيض ترك السوق الحرة تعمل بقوانينها.

ويقف رجال العلم والدين على طرفي نقيض، فرجال العلم مع العمال، ورجال الدين مع أرباب الأعمال، وهكذا ينقل فرح أنطون الصراع الاجتماعي الفرنسي بحذافيره إلى أجواء مصرية لم يحدث فيها مثل هذا الاستقطاب.

ولكنه هو يؤيد خطاً وسطاً معتدلاً ويتمثل ذلك في آراء شيخ العلم، وهو صورة لرجل الدين الشرقي وقد لبس مسوح الاشتراكيين، وهو يحاول أن يوفق بين الدين والعلم، وبين الرأسمالية والاشتراكية، ليس من خلال برنامج اجتماعي واقتصادي مرحلي معقول، بل أيضاً من خلال عبارات إنشائية أيديولوجية ليس فيها تشخيص دقيق للدين وللعلم.

لكن هذه الوسطية لا تنجح في تهدئة رؤساء العمال الغاضبين، ولا توجد في مدن فرح أنطون أي داع للاضطرابات، لكن هؤلاء الرؤساء يفجرون الأوضاع ويرد عليهم الآخرون والجيش فتحترق المد الثلاث!

وهذه أيضاً من الأجواء الأوربية والفرنسية تحديداً، ومناخ كومونة باريس يظلل المشهد الناري قبل الأخير.ومن المدهش إن نصيحة فرح أنطون للاعتدال سبقت محاولة العمال المصريين التي استولوا فيها على بعض المصانع في حركة اشتراكية متسرعة وأثناء الحكم الوطني الأول لسعد زغلول الذي قمع الانتفاضة العمالية بقسوة.ويبدو إن هؤلاء العمال والاشتراكيين المصريين لم يقرأوا تحذير فرح أنطون في كتابه الذي صدر قبل عشرين عاماً من عملهم.

ـــــــــــــــــ

انظر عبــدالله خلـــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الرابع ، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015 .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, Secular Figures أعلام العلمانية, عبدالله خليفة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.