الخلافة وأستمداد السلطة بين الله والرسول والأمة

مع أستطراد الى الشيخ علي عبد الرازق و كتابه”الأسلام وأصول الحكم”

يوسف تيلجي 

المقدمة :

 في هذا المقام، سأعرض جدلا لموضوعة خليفة المسلمين، وأتساءل.. هل يوجد هكذا مفهوم حسب النص القرأني، أو مذكور وفق الأحاديث القرأنية، ومن أين يستمد الخليفة قوة هذا السلطان، أمن الله أو من الرسول أو من الأمة / الشعب، مع عرض الأمر حسب معتقدي أهل السنة والجماعة والشيعة الأثني عشرة، مع عرض لحادثة وصية الرسول قبل موته… مسترشدا في بعض الفقرات في هذه القراءة، بأستنارة الشيخ علي عبدالرازق (*1) / الذي أستهانت بفكره مؤسسة الأزهر من خلال كتابه”الأسلام وأصول الحكم”(*2)، ولكن هذا لا يعني موافقتي على كل ما أشار أليه من مفاهيم بالكامل، لذا سأعرض قراءتي الخاصة للموضوع وعلى شكل أضاءات.

القراءة :

  1. في أستعراض قوله تعالى : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ 30 سورة البقرة. ذكر العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه”معجم المناهي اللفظية”أن أهل العلم في هذا على ثلاثة أقوال :الأول : الجواز، واحتجوا بحديث الكميل عن علي : أولئك خلفاء الله في أرضه. وبقوله تعالى”إني جاعل في الأرض خليفة”وبالحديث”ان الله ممكن لكم في الأرض ومستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. الثاني : منع هذا الإطلاق، لان الخليفة انما يكون عمن يغيب ويخلفه غيره، والله تعالى شاهد غير غائب .واحتجوا بقول أبي بكر لما قيل له : يا خليفة الله، فقال : لست بخليفة لله، ولكني خليفة رسول الله. الثالث : وهو ما قرر ابن القيم فقالان أريد بالإضافة إلى الله : انه خليفة عنه، فالصواب قول الطائفة المانعة فيها .وان أريد بالإضافة : ان الله استخلفه عن غيره ممن كان قبله، فهذا لا يمتنع فيه الإضافة، وحقيقتها : خليفة الله الذي جعله الله خلفا عن غيره، وبهذا يخرج الجواب عن قول أمير المؤمنين : أولئك خلفاء الله في أرضه..”/ نقل بتصرف من موقع ملتقى أهل الحديث. * هذا نصا قرأنيا، ولكن كما لاحظنا ليس نصا صريحا، لذا أختلف المفسرون في دلالته، وأذا تركنا التفاسير السابقة جانبا وغيرها العشرات، هل من الممكن أن يكون بشرا خليفة للخالق العادل !، وأكثر الحكام غير عادلين ! يصيبون ويخطئون، وهل من المنطق من الله أن يورث أحدا على سلطانه وملكه، ولو كان كذلك، لكان الخلفاء طغوا أكثر مما هم طاغين ولكانوا أكثر تنكيلا بشعوبهم !
  2. وحتى الفكر الاسلامي يختلف على مبدأ خليفة الله / لو كان الأمر كذلك،، كمعتقد ومذهب، فأهل السنة يقولون ((.. وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم ثم ذكر شيئاً لم أحفظه فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي”رواه ابن ماجه والحاكم وقال : على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير: هذا إسناد قوي صحيح..)) نقل بتصرف من موقع أهل السنة. أما الشيعة الأمامية، فأن أيمانهم بالمهدي المنتظر ذو معتقد أو نهج أخر.. ((.. الإعتقاد بإمامة الأئمة الإثني عشر من أهل البيت من أصول مذهبنا، بل هو محوره الذي سُمِّي لأجله المذهب الإمامي، و مذهب التشيع، و مذهب أهل البيت، و سُمينا لأجله الإمامية، و الشيعة، شيعة أهل البيت. و أول الأئمة الأوصياء المعصومين عندنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، و خاتمهم الإمام المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري، الذي وُلد في سنة 255 هجرية في سامراء، ثم مدَّ الله في عمره و غيَّبه إلى أن يُنجز به وعده و يظهره، و يظهر به دينه على الدين كله، و يملأ به الأرض قسطاً و عدلاً كما ملئت ظلماً وجوْراً. فالاعتقاد بأن المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر، و أنه حيٌّ غائب جزء من مذهبنا، و بدونه لا يكون المسلم شيعياً اثني عشرياً، بل مسلماً سنياً، أو شيعياً زيدياً، أو إسماعيلياً .فالإمام المهدي أرواحنا فداه هو بقية الله في أرضه من أهل بيت النبوة، و خاتم الأوصياء و الأئمة، و أمين الله على قرآنه و وحيه، و مشكاة نوره في أرضه، ففي شخصيته تتجسد كل قيم الإسلام و مُثُله، و شبَه النبوة و امتداد نورها..)) / نقل بتصرف من مقال للشيخ علي الكوراني العاملي – من موقع مركز الأشعاع الأسلامي. * وهنا نتساءل.. كيف يكون المهدي خليفة لله والله دائم سرمدي أزلي خالد، والمهدي يغيب ويظهر، هذا أولا، وما هو الوضع في الغيبة الكبرى للمهدي المنتظر حسب المفهوم والمعتقد الشيعة الأثنى عشرية، أين كان يقطن المهدي وفي أي أرض أو سماء يكون سلطانه هذا ثانيا. وكيف يكون السلطان عامة بوجود الله و وجود المهدي المنتظر في أن واحد وظهوره بعد غيبته الكبرى هذا ثالثا.
  3. هل من المنطق أن يخلف النبي / وهو النبي المعصوم، أحدا من صحابته، لذا أرى أن كل الذين جاءوا بعد الرسول هم حكام وملوك وأمراء لهم سلطة الدنيا، حتى وأن دعوا خلفاء للرسول فهذا مجازا، لأنهم غير معصومين، ولا يوحى لهم كالرسول في كل قضية أو أمر، أما رجال الدين / وعاظ السلاطين، فهم يريدون السيطرة و الرياسة للحكام في أن واحد، لمأرب شخصية و نفعية ! لأجله عمدوا أن يكللوا السلطة الدنيوية بسلطة دينية حتى يكون الحاكم أو الخليفة أو الملك ذو سلطة مطلقة تامة، خاصة أن العامة من الأمة يؤمنون بأطاعة الخليفة أطاعة تامة أذا ربطت سلطته الدنيوية بسلطة دينية ! وهذا ما دأب أليه رجال الدين على مر الحقب الخلافة الأسلامية، وساندهم في هذا رجال الدين، وأوكد مقولة أن النبوة أنتهت بموت الرسول وما تيقى من الأسلام هو الحكم والسلطة، وكل الخلفاء هم حكام وليسوا خلفاء للرسول.   
  4. من جانب أخر أن الخلافة أمر عليه أختلاف منذ أكثر من 1400 سنة / أي منذ وفاة الرسول وقضية سقيفة بني ساعدة لا زالت ماثلة للعيان، وجمهور الشيعة يعتقدون من أنها لعلي وفق قوله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ) / المائدة:55 فقد ذهب المفسّرون والعلماء من الفريقين إلى : أنّها نزلت في حقّ عليّ حينما تصدّق بخاتمه في أثناء الصلاة. وإليك بعض مصادرها عند الفريقين: عند الشيعة : 1- الكافي، للكليني ج1 كتاب الحجّة ص187، 189، 288، 289، 427. 2- الأمالي، للصدوق ص186 المجلس (26) حديث (193).. وعند أهل السُنّة والجماعة : 1- أنساب الأشراف، للبلاذري ج2 ص150 حديث (151) 2- تفسير الطبري ج6 ص389 تفسير قوله تعالى( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُه..). ودلالة الآية الكريمة على ولاية عليّ بن أبي طالب واضحة بعد أن قرنها الله بولايته وولاية الرسول، ومعلوم أنّ ولايتهما عامّة، فالرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكذلك ولاية عليّ بحكم المقارنة. ومن السُنّة الشريفة : ألف – حديث المنزلة، وهو: قول الرسول لعليّ (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي).. / نقل بتصرف من موقع مركز الأبحاث العقائدية.

* شخصيا أرى، أن النص القرآني وحتى الأحاديث النبوية، لم تهدينا صراحة الى خليفة محدد الأسم موصوف المكانة، ولو كان كذلك لما كان هناك لا شيعة ولا سنة، ولكان يقال جمهور الأسلام أو المسلمين بدلا من هذه التسميات، ولكن الأختلاف و الخلاف والتغاير والتحزب عرف به دوما العرب، لذا بعد وفاة الرسول أتجهت الأنظار و الجهود وتركزت كل االهمم الى أقتناص مركز الحكم والسلطة والخلافة / سمها ما شئت، بعيدا عن ما أنزل من أيات أو ما قيل من أحاديث أو ما أوصى به الرسول أو.. / أن كان هناك مقولة محددة معينة في هذا الصدد !.

  1. أني أرى / منطقيا وعمليا، بالنسبة لأستمداد السلطة الصدد أين هذا ايفة أو حاكم أو ملك  أنه ليس هناك من توكيل أو تخويل أو نقل صلاحيات أو ممارسة سلطات لأي خليفة أو قائد أو ملك من الله أو الرسول الى أي حاكم، ولو كان الأمر كذلك أين ما يثبت ذلك وأين هذا التوكيل !،”قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”(111) سورة البقرة، لذا أرى أن أي سلطة للحاكم أنما يستمدها من الشعب، فليس لله ولا للرسول من شأن في ذلك !.

 خاتمة : أني أرى أن موضوعة من أين يستمد سلطان الخلافة مرتبط بشكل أو بأخر بموضوع توصية الرسول بالخليفة القادم بعد موته،… وبعيدا عن كل ما سبق وعن كل الأجتهادات التي جاء بها المفسرون بناءا الى ما أنزل من أيات أو ما قيل من أحاديث أو ما سمع من روايات، وعن كل ما أفاد به الراحل الشيخ علي عبد الرزاق في كتابه وغيره الكثير، أعتقد أن الصحابة هم أولا لم يقبلوا أن يسمعوا ما كان يريد قوله الرسول قبيل موته، لأن الرسول من المنطقي كان سيوصي بحديث حول من هو الخليفة القادم، وبغض النظر من أين يستمد الخليفة سلطانه / أن كان هناك خليفة بالمعنى التام والمطلق، وبغض النظر أن قوة السلطان أن كانت من الله أو الرسول أو الأمة، أرى أن الرسول كان الحل بيده ولكن لم يمنح الفرصة.. فوفقا لموقع شبكة الدفاع عن أهل السنة ( 112315 لما حضر النبي قال، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده قال عمر : إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن. فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت، اختصموا باس المحدث : البخاري – المصدر: الجامع الصحيح – الصفحة أو الرقم: 7366 خلاصة الدرجة : صحيح)، أن الصحابة أرادوا الدنيا و الحكم والسلطة والقوة عندما رأوا الرسول قد غلبه الألم و الوجع، بعيدا عن الأخرة وعن أي أمر أخر ! ولم يكترثوا بقوله ! وبعيدا من أين تأتي مصدر هذه السلطة، أن الصحابة عقلهم على السلطة و قلبهم على الحكم بغض النظر عن أي نص قرأني أو حديث أو أي توصية أو أي أمر أخر، فالسلطة هي الوسيلة و الغاية !.

(*1) علي عبد الرازق،1305 هـ / 1888 – 1386 هـ / 1966. ولد في مصر / قرية أبو جرج بمحافظة المنيا. ذهب إلى الأزهر حيث حصل على درجة العالمية. ثم إلى جامعة أوكسفورد البريطانية. وعقب عودته عُين قاضيا شرعيا، أصدر عام 1925 كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي يرى البعض أنه يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، بينما يرى البعض الآخر أنه أثبت بالشرع وصحيح الدين عدم وجود دليل على شكل معيّن للدولة في الإسلام، بل ترك الله الحرية في كتابه للمسلمين في إقامة هيكل الدولة، والكتاب أثار ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من”الخلافة”حيث نُشَر الكتاب في نفس فترة سقوط الخلافة العثمانية وبداية الدولة الاتاتوركية، بينما كان يتصارع ملوك العرب على لقب”الخليفة”؛ رد عليه عدد من العلماء من أهمهم الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر بكتاب”نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم”ثم سحب منه الأزهر شهادة العالمية، وهو ما اعتبره الكثير من المفكرين رداً سياسيا من الملك فؤاد الأول -ملك مصر وقتئذ-، وشن حملة على رأيه .ويُعد كتاب الإسلام وأصول الحكم استكمالا لمسيرة تحرير فكري بدأها الإمام محمد عبده وقاسم أمين والشيخ عبد الرحمن الكواكبي وعبد الوهاب المسيري. / نقل بتصرف من الويكيبيديا.

(*2) يهدف الكتاب الى إثبات أنّ الإسلام دين روحي لا دخل له بالسياسة، أو بالأحرى لا تشريع له في مجال السياسة، فالسياسة أمرٌ دنيوي يعود للناس اختيار وسائله ومبادئه. وهو يرى أنّ نظام الخلافة الذي نُسِب للإسلام ليس من الإسلام في شيء، إنّما هو من وضع المسلمين. صدر الكتاب في فترة انهيارالخلافة العثمانيّة، وكان يجري العمل على إعادتها، ومن الدول المرشّحة لتولّي الخلافة مصر. وفي عام 1925م دعا الأزهر مجموعة من رجال الدين إلى عقد مؤتمر لبحث الخلافة. انتهى المؤتمر بقرارات تفيد أن منصب الخلافة ضروري للمسلمين كرمز لوحدتهم واجتماعهم. ولكي يكون هذا المنصب فعالاً، لابد أن يجمع الخليفة بين السلطة الدينية والسلطة المدنية. وكان هناك اتجاه لتنصيب الملك فؤاد الأوّل (ملك مصر) خليفة للمسلمين. والكتاب” يعرف الخلافة اصطلاحاٌ في لسان المسلمين وهي”رياسة عامّة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبيّ”. ثمّ يفصّل الخلافة، هل هي خلافة الله أم خلافة رسوله فيقول :”وأمّا تسميته خليفة فلكونه يخلف النبيّ في امّته فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله، واختُلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم ومنع الجمهور منه، وقد نهى أبو بكرٍ عن ذلك لمّا دُعي به.”ويشير إلى أنّ محلّ الخليفة بين المسلمين كمحلّ رسول الله، له الولاية الخاصّة والعامّة، وتجب طاعته “ظاهراً وباطناً”. يستعرض الكتاب مذهبين لدى المسلمين في استمداد الخليفة لسلطانه : الأوّل،”يعتبر أنّ الخليفة يستمدّ سلطانه من الله. والثاني”نزع إليه بعض العلماء وتحدّثوا بهيعتبر أنّ الأمّة هي مصدر سلطان الخليفة، وهي التي تختاره../ ملخص الكتاب نقل بتصرف من موقع فكر بلا قيود للكاتب محمد قطيش .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, يوسف تيلجي and tagged , . Bookmark the permalink.