تنوير يعقوب صروف

عبدالله خليفة 

 يعتبر يعقوب صروف من الرعيل الأول في النهضة العربية الحديثة، فقد تخرج من الكلية السورية الإنجيلية التي ستُعرف فيما بعد بالجامعة الامريكية سنة ١٨٧٠، وعمل في الكلية التي تخرج منها مدرسا في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء.

 وقد توجه منذ وقت مبكر للربط بين الثقافة العلمية والحياة الاجتماعية، بمنهج معين، وشارك في تأسيس المجمع العلمي الشرقي، ولصروف كذلك تجربة ثقافية, عالمية، اذ أخذ الدكتوراه من جامعة أمريكية، وزار الغرب، وصادق المنور الآخر فارس نمر الذي كانت له أهميته في الثقافة العربية الحديثة المبكرة.

 إن نمو الاتجاهات الحديثة في لبنان وسوريا وبين المسيحيين خاصة، ليس بالأمر الغريب، فقد لعب المسيحيون في الحضارة العربية السابقة دوراً ثقافياً كبيراً، وأدت جذورهم الاجتماعية كفئات وسطى مدنية، دورها في تميزهم وسط الجمهور العادي، وإذا كانوا قد لعبوا دورهم كطليعة ثقافية، فإن الجمهور العربي المسلم سوف يلتحق بهم لاحقاً وبكثافة، كما حدث في العصر العباسي، وفي بدء العصر الحديث العربي كذلك، فهنا ظاهرات متشابهة لها قوانين معينة، تتمظهر في كل عصر حسب تطوره الاجتماعي والاقتصادي، ولا بد لنا من قراءة هذه الطليعية الراهنة عبر يعقوب صروف نموذجا .

 لقد كان ليعقوب صروف نشاطات اجتماعية وفكرية كثيرة، ولكن البؤرة المركزية فيها، هو إنشائه لمجلة المقتطف ونشره للعلوم المختلفة. لقد ظهر العدد الأول من المجلة سنة ١٨٧٦.

 ان إصدار المجلة وكتابة مقالاتها عمليتين ليستا بسيطتين في تلك الظروف، فكان هو الذي يكتب معظم مقالات المجلة، وفي السابق كان يساعده ويندغم في عمله فارس نمر، ولكنه بعد فترة تخصّص في المجلة، فكان هو الكاتب أيضاً لكل أبوابه كباب الصناعة وباب الزراعة وباب تدبير المنزل وباب التقاريظ وباب المسائل والاخبار، وقد يمضي عليه أسبوع كامل وهو يبحث عن المادة اللازمة لمقالة واحدة، بل قد يمضي عليه أيام وهو يبحث عن كلمة واحدة. ناصيف نصار، «الفلسفة في معركة الإيديولوجية»، دار الطليعة، ط١، ١٩٨٠، ص٤٤.

 والهدف الذي يبتغيه صروف من نشر هذه المعلومات هو علاقتها بالصناعة، دون أن يحدد لنا العلاقة التي يتصورها بين العلوم والصناعة، ولكنه يقول: «إن الصناعة مؤسسة على العلم… فالأحرى بنا أن نقصد العلوم من حيث تؤدي إلى الصناعة جادين في تلك، غير مهملين هذه» (السابق، ص ٤٠)، فالعلاقة بين العلوم والصناعة هنا علاقة غير مرئية، بل هي عملية ربط تقريظية أكثر منها بحثا فيها، وهذا التقريظ للعلوم والصناعة سيكون بهذا المنوال الخطابي حيث يأمل من الطلاب «إحراز العلم وإتقان الصناعة وإحياء رسمها وترميم باليها لشدة افتقارنا إليهما كليهما» (السابق ص ٤٠).

 ان صروف عبر هذه المجلة الرائدة سيقوم بالدعاية للعلم والصناعة والحداثة التقنية دون ربطها بأية جوانب اجتماعية وسياسية، ولهذا يقول: «العلم والصناعة والزراعة دعائم الحضارة، بل روح العمران، والأسباب اللازمة لارتقاء نوع الإنسان الخ.. » نفسه، ص ٤٦.

فعمله التثقيفي يقوم على نشر المعلومات العلمية والتقنية التي تظهر في الغرب وترويجها في الشرق، لكن أي علم وأي زراعة وأية ظروف اقتصادية واجتماعية وفكرية تتشكل فيها هذه المعلومات، وهل من الممكن أن تتجذر وكيف؟

 إنه يقول إن مهمته هي بسط العلوم أمام أهل الشرق، وقد كانت هذه مهمة صعبة كذلك، فالمجلة حين دخلت العراق مثلاً واجهت معارضة حتى من المثقفين، الذي وجدوا فيها تبدلاً عما ألفوه من مطبوعات فرفضوها فترة حتى أصبحت مألوفة بعد جهد.

 اعتمد يعقوب صروف في نشره للعلوم على جوانبها التقنية، ويمكن القول إن هذا التركيز عنى هذه الجوانب يعكس عملية توظيف غير مودلجة بشكل مباشر، نظراً لصدور المجلة في سوريا ولبنان وهما حينذاك خاضعتان للسلطة العثمانية الإقطاعية المتخلفة، فكان في نشر العلوم بحد ذاتها عملية كفاحية.

 وهكذا كان صروف وهو ينشر مجلته يركز على هدفها التحديثي  فيقول: «التمدن الأوروبي كما لا يخفى عليكم أيها السادة والسيدات تمدن ليس منا ولا لنا، ولا ننتفع منه النفع الحقيقي إلا إذا نقلناه إلى بلادنا وغرسناه في ترابنا» .

 يغدو نقل المعلومات العلمية والتجارب الصناعية الحديثة هو هدف يعقوب صروف بدرجة كلية، ومنهج النقل هذا منهج ميكانيكي، فهو تناول مادة من منطقه ونقلها إلي منطقة أخرى، وحسب أسلوب صروف هنا، فنحن أمام نبتة تنتقل من جهة جغرافية إلى أخرى، في الأولى نجد الظروف جيدة، وفي الثانية نجد الظروف سيئة، ولكن

المنطقتين المتضادتين، ليس لهما تاريخ وجذور، فهو لا يقوم بدراسة بنية الإنشاء وأسباب نجاحها، ولا بنية الاستيراد وأسباب عدم ظهورها.

 فنحن أمام عقلية نقل معلومات علمية وليس أمام عقلية علمية، حيث يتطلب من العقل العلمي قراءة المشكلة وتحديد ظروفها وجذورها التاريخية والراهنة، أي يتطلب تحويلها إلي قضية سياسية واقتصادية وفكرية، وبالتالي تكوين رأي أو حركة لتغييرها

 إن تعبير «لا مستقبل لسوريا ما لم تغزل خيوط تمدنها وتنسجها في نولها»، الذي يقوم على مفردات الصناعة اليدوية، هو تعبير إنشائي فضفاض، وهو يقود الوعى النهضوي التقني هنا إلي فضاء غير سياسي واجتماعي، فتغدو الحداثة التقنية أداة بيد قوى مالية واقتصادية عربية مجهولة الصلات والأهداف التاريخية. صحيحٌ ان الخطاب هنا يعكس العداء للإقطاع الشرقي العثماني، ولكنه عداء مضمر، لم يتبلور في رؤية، فيمكننا أيضاً أن نعده عداءً دينياً للإسلام، لأنه كان عاماً مجرداً، ولهذا ربما يغدو عبر هذه الرؤية إن الإسلام المجرد هذا هو سبب تخلف المشرق، وليس التركيبة الإقطاعية المذهبية، كما تمظهرت في الإقطاع العثماني، بصفته آخر أشكال الإقطاع المذهبي المعروفة حينئذ، ولعله لو كان إقطاعاً دينياً يرتدي عباءة المسيحية، لربما كان ليعقوب صروف موقف آخر.

 ويمكن هنا أن نتصور كذلك، من جهة مقابلة، إن الحداثة التقنية هذه، وقد فقدت طابعها التاريخي والوطني والقومي، تغدو في حاملها الغرب الاستعماري شيئاً مهماً ومفيداً، حيث ان صروف قد جرد هذه الحداثة من طابعها الاجتماعى السابق ودلالاتها، لتغدو أداة تقنية، مجرد قوى إنتاج مفسرة على أوجه عديدة، بدلاً من أن يشكلها في رؤية وطنية واجتماعية، كعلاقات إنتاج تاريخية.

 وهو يشكلها عبر تضادات جغرافية، فهناك أوروبا التحديثية والنهضة، وهنا التخلف، وهذا يشير إلي طابع علماني كذلك، ولكنه علماني بلا جذور إسلامية مسيحية، حيث لم يقم كذلك بفحص العلوم. والنهضة من جوانب تاريخية مناطقية، ولهذا يغدو الوعي تقنياً تابعاً للغرب، مواكباً للفئات الوسطى الاستيرادية، التي بدأت النمو بشكل كبير في هذه الفترة، جالبة البضائع المادية والفكرية من الغرب وخاصة: فرنسا.

ولهذا فإن حديث صروف عن الصناعة والعلوم يغدو إنشائياً مجردأ، وليس بحثاً حقيقياً في كيفية تشكيل الصناعة. ولهذا فإن الفئات الوسطى المسيحية وهي تنمو بشكل حديث سوري، تقوم بإعادة إنتاج دورها التاريخي في العصر الوسيط الإسلامي، حيث كانت تابعة للإقطاع المذهبي الإسلامي بألوانه المختلفة، ولكن الإقطاع  الذي وصل بقيادته التركية إلي الحضيض وغدا لقمة سائفة للسيطرة الاستعمارية، غدا مرفوضاً وبدأت الجسور تتشكل مع الغرب المتصاعد، ذي النفوذ المتعاظم في المشرق، وإذا كانت البقعة السورية قريبة من فم هذا الإقطاع المحتضر، فإن البقعة المصرية بعيدة عن سيطرته، وهناك من الممكن أن يتكّشف المضمون الحقيقي لهذا الوعي النهضوي ليعقوب صروف وجملة من النهضويين السوريين المهاجرين.

 في فضاء مصر السياسي والاجتماعي كان يمكن للفئات السورية اللبنانية أن تجد مساحة أكبر لإنتاج الحرية، ولكن لكونها فئات منتقلة ومهاجرة فخضوعها للفضاء السياسي الذي هاجرت اليه كان أقوى.

  كذلك فإن الفئات المتوسطة السورية اللبنانية هذه سوف تحمل علاقات الإنتاج الإقطاعية المذهبية في أي مكان تذهب إليه، على الرغم من الاشتغال الكثيف في عمليات رأس المال، لكون تلك العلاقات هي التي تحكم بلد المنشأ وجذور الوعي.

 فيعقوب صروف وهو يشتغل على رسملة الحياة «أي جعلها رأسمالية» يجعلها بلا أهداف سياسية موجهة لتشكيل مجتمع رأسمالي حر، مما يجعل عملياته التحديثية تابعة لعلاقات الإنتاج الإقطاعية السائدة.

 ومن هنا فان خطاب مجلة المقتطف في مصر التي تم الهجرة إليها يتضاءل فيه الجانب التحرري الوطني الذي كان أقوى في بلاد الشام، نظراً لاصطدامه بالأتراك المسلمين، ولكن في مصر التي تنامت فيها السيطرة البريطانية، فإن هذا الجانب سيخفت، نظراً لنموها حسب تصورها تحت مظلة حداثة غربية مسيحية مهيمنة، وستبدو هذه الحداثة في وعي المجلة وأصحابها بمثابة إنقاذ للشرق، وليس باعتبارها حداثة محدودة تحافظ على علاقات الإنتاج الإقطاعية الدينية هنا، التي ستقاوم بضراوة هذه الحداثة الشكلية.

 أي أن يعقوب صروف سوف يركز على تطور العلوم وانتشارها في مصر، كتقنيات، وليس كمنهج علمي، ومن هنا فإن التجريبية لديه محدودة، سواء على مستوى التجربة العملية أم على مستوى الوعي النظري، فهو يقول:

«الاعتقاد والمشاهدة، بين ثلاثة أنواع من الحوادث: نوع يؤيده الاختبار. ونوع لا يؤيده الاختبار ويناقض الحقائق العلمية، ونوع لا يؤيده الاختبار ولكنه لا يناقض العلم» (السابق 54،55)، فكيف لا يؤيده الاختبار ولكنه لا يناقض العلم؟ وهكذا يقوم بفتح النوافذ للوعي غير العلمي، بدلاً من أن يجعل التجريبية شاملة.

 وهذا التردد والتناقض في المستوى المنهجي النظري، يتشكل كذلك عبر نضاله من أجل نشر العلوم والوعي النظري بالصناعة دون أن يدرك الآفاق التاريخية الوطنية المشرقية لهما. فهو يظن انه لا يوجد حاجز يمنع الأقطار العربية من المشاركة مجدداً في الحركة العلمية الصناعية العالمية.

ويرى مؤلف الكتاب السابق ان الحديث عن نشر العلوم والصناعة دون التطرق إلى نظام الحكم غير ممكن، فالنظام ذو علاقة وثيقة بذلك، ولكن طرح مثل هذه الموضوعات لدى صروف «كانت عملاً ثورياً، قليل الحظ من النجاح، وبعد، فهو لم يكن بطبعه وفلسفته والتزامه ميالاً إلى الأعمال الثورية» (نفسه ص5٧).

 ومع ذلك فإن العلاقات وثيقة بين العلوم والصناعة وعلاقات الإنتاج، فالنظام الإقطاعي الذي تهيمن عليه بريطانيا في مصر، أو فرنسا في سوريا، كانت مساحة التطور الصناعي فيه محدودة، وبالتالي فإن أي تحول جذري فيه يتطلب تجاوز هذه العلاقات الإقطاعية المهيمن عليها استعمارياً، التي اخترقها بعض العلاقات الرأسمالية دون أن تزيح البنية القديمة.

 ولهذا فدون نقد جذري لهذه البنية يجعل الوعي النهضوي مُلحقاً بها، وخاضعا ً لمستواها الإيديولوجي، وغير قادر على الخروج من مدارها، فالمسالة هنا هي أحجام المنشات الصناعية وأنواعها وأعدادها، ومستوى تطور العمل المأجور، وطبقة الفلاحين وحجمها وتطورها ونسبة تحولها إلى الصناعة وإلى العمل المأجور والتصنيع، ومسالة السوق الوطنية وتطورين البرجوازية الصناعية الوطنية، وعلاقة التعليم والثقافة بالتطور التقني الصناعي، ونسبة تحرر المرأة ودخولها إلى السوق والصناعة الخ..

 أي أن المسألة ليست شعارات عن النهضة والصناعة والعلم، بل دراسات وتغلغلٌ للمنهج العلمي في قراءة الظاهرات الطبيعية والاجتماعية والفكرية، وتقود القراءة الأولى الشعارية إلى الضمور والشكلانية والالتحاق بعمليات التحديث الأجنبية، وهو المسار الذي أخذت مجلة المقتطف تتوجه اليه.

 في حين ان القراءة الثانية لن تستطيع رؤية المقتطف أن تحققها، لفصلها عمليات التحرر الوطني والاجتماعي عن العلوم، وهذه القراءة الثانية سوف يحققها اليسار المصري الذي استفاد ولا شك من المنورين  السوريين ودورهم الفكري، ولكنه سوف يتجاوزهم نظراً لتوحيده عمليات التنوير الثقافي بالكفاح السياسي.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Essays مقالات علمانية, Secular Figures أعلام العلمانية, عبدالله خليفة and tagged , , . Bookmark the permalink.