ما الفرق بين بكة ومكة

آية الله الشيخ إياد الركابي  

نعم إن هناك ثمة فرق بينهما وهذا ما نرصده في دلالة اللفظ في كتاب الله المجيد، وكذا نرصده في لغة العرب، ولكن بعض أهل التراث قد خالفوا في ذلك، من غير دليل سوى ذلك القياس الباطل والمظنة، حينما جعلوا اللفظين بمعنى واحد وهذا منهم خطأٌ بيَّن، و في مقامنا هذا سنحاول التدليل على طبيعة الفرق بينهما… أين وكيف ؟، فوحدة المعاني المُدعاة قد وفدت إلينا وقد هيمنت على لغة الكتاب المجيد بفعل سطوة الشعر ومريديه، وقد كان ذلك بفعل وأثر مضافات الخلفاء والسلاطين الذين وظفوا الشعر كوسيلة في الدعاية والإعلام، مما أثر سلباً على لغة الكتاب المجيد وفهم معانيه ودلالاته، ومن بين من تأثروا بهذه النزعة [ الإمام الشافعي الفقيه والشاعر ]، وأثروا حين أسترسل في الدمج بين لغة النص ومقولات أهل الشعر، مما أنتج في تراثنا مفهوم – الترادف -، ذلك المفهوم الذي حّرَف الكثير من المعاني والدلالات و جر إلى إرتكاب الكثير من الأوهام في الأحكام و في الموضوعات.

هذه النزعة الخاطئة كان ضررها في فهم الكتاب المجيد ومعانيه جليٌ وواضح، وفي بحثنا عن معنى – بكة و مكة – تلمسنا ذلك ووجدنا كيف تسنى لبعض التراثيين الدمج بينهما ليكون معناهما واحداً، والحال إنهما صيغتان مختلفتان لفظاً و معناً، واللسان العربي حين تناول تعريف هاتين الكلمتين أعطى لكل واحدة منهما معناً معيناً خاصاً، ففي وصفه لمعنى – بكة – قال: – إنها لفظ أصيل ثنائي المصدر من – بك يبك بكة أي زاحم مزاحمة – والمزاحمة صفة دالة على الكثرة أو من، وبما إن الموصوف بها الناس، لذلك قال للناس في وصف واقع الحال -، وهكذا قال أبن منظور: – وبك الرجل صاحبه يبكه بكاً أي زاحمه -، قال أبن دريد هي من أفعال الأضداد، قال الزجاج إن: – كل شيء تراكب فقد تباك -: – و تباك القوم أي تزاحموا .

وفي الكتاب المجيد وردت الصيغة كمبني للمعلوم للدلالة عن الشيء المحكي عنه، ولم ترد بصيغة المبني للمجهول أو للمتصور أو الذي سيكون في المستقبل حتى يمكن ربطها في أماكن أخرى فلا تبادر هنا ولا توافق من حيث البناء اللفظي، ذلك لأن المولى حين وضعها في سياقها الموضوعي كان يريد معناها بحسب الوضع الطبيعي لها، وهكذا يكون كل لفظ في الكتاب المجيد دالا على معنى محدد مقصود يريده الله ويدعونا لتدبره، ومن هنا يتبين خطأ قول القائل: – إن القرآن حمال أوجه – فالقرآن لا يحتمل الوجوه المتعددة إنما له وجه واحد، دعانا لتدبره من خلال تأويله، ولذلك: – [ لا يصح في القرآن أن تقول ويقولون ] – إنما الصحيح هو قول واحد لمعنى واحد، يكون مُرادا من قبل الله بذاته لذاته لا يتعدآه إلى غيره، وأما ما نُسب إلى الإمام علي في هذا الشأن من الحوارية المزعومة مع عبدالله بن عباس بعد قضية التحكيم، فليس عندنا بشيء لسقوطها سنداً ودلالةً.

 و نفي الترادف في الكتاب المجيد هذا المعنى مقصود وواجب تعميمه لكي يتسنى للجميع التعرف على كتاب الله وفهم معانيه، ومنع الترادف يكون بجميع فصول الكتاب وأبوابه، وهذا يعني: – إن الألفاظ في الكتاب المجيد إنما وضعت لمعاني محددة وخاصة وذات دلالة معينة لا تتعدها إلى غيرها.

 فمثلا لا يصح في الكتاب المجيد: – [ أن نقول إن البيت الحرام هو المسجد الحرام، كما لا يصح القول بإن ذهب بمعنى مشى، و لا يصح أن نقول: – إن جاء بمعنى أتى وهكذا… ]، وهذه القاعدة تجري في الأفعال كما في الأسماء والصفات:

وحينما يقول الله: – [ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ] – آل عمران 96..

هو لا يعني أبداً القول: – إن بكة هي مكة – ولو أراد ذلك لذكره من غير زيادة في اللفظ أو تحريف اللفظ، ثم إن للكتاب لغة واحدة وحرف واحد ولم ينزل على أحرف متعددة تبعاً لتعدد لهجات العرب وقبائلهم، ولو كان ماذكره بعض المفسرين في هذا المجال صحيحاً لسادة الفوضى وعم الإرتباك كما هو حاصل لدى بعض التراثيين، – فأول بيت – لا يعني البيت الحرام ولا يعني الكعبة المشرفة ولا يعني المسجد الحرام، ذلك لأن – لفظ البيت هنا يدل على المكان الذي يستقر به الناس ومع ضميمة مباركاً وهدى – فيكون المُراد به إعتباراً مكاناً خاصاً للعبادة في صيغتها المطلقة، و بكة كما هي في النص ليست من أسماء مكة ولا العكس، ولا يكون ذلك من أسمائها لا من باب العموم ولا الخصوص، وأما ما قيل هي عادة عربية في إستبدال الحروف تمشياً مع لهجات العرب وقبائلها كما يدعي مدع ذلك، فهذا ليس صحيحاً في لغة الكتاب -، ذلك لأن الكلام في النص إنما يتحدث عن [ البيت الأول ] الذي وضعه الله للناس لكي يعبدوه فيه ويوحدوه ولم يتحدث عن المسجد الأول، والبيت أصله ثلاثي صحيح من بات، ويعني المكان الذي يأوي إليه الفرد أو الجماعة ويتخذوه سكناً، وأما المسجد فأصله من سجد الفعل الثلاثي المصدر الدال على مكان السجود ومواضعه قال تعالى: – [ وإن المساجد لله فلاتدعوا مع الله أحدا ] – الجن 18.

 ولفظ – وضع – بمعنى جعل أو صيَّر، ولا يكون الجعل منفصلاً عن الوضع الطبيعي لواقع الحال والمُراد به هنا – الناس -، الذين يُراد لهم أن يهتدوا كجماعة ولذلك جعل لهم هذا – البيت – كمكان للعبادة، وهذا الوضع كان بإعتبار ما يُراد منهم فيه، نقول إعتباري و ليس حقيقي، ودليلنا قوله تعالى: – [ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام… ] – البقرة 144، فالمتأمل لهذا النص يشعر بأن – المسجد الحرام – لم يكن قبلة الناس التي إليها يتوجهون، وإنما وضع للمؤمنين بعد حالة التقلب التي عاشها النبي والرسول محمد، والتحول يجب النظر إليه بإعتبار ماهو مُراد بحسب واقع الحال التي عاشها النبي، أي في اللحظة التي تم فيها التحول تم الوضع الجديد أو الجعل الجديد، ونعود لنقول: – إنه في الإعتبار العقلي ليس من الحكمة أن يوضع – بيتاً – للعبادة من غير وجود عُباد، وهذه العملية في المنطق الطبيعي عبارة عن نسبة وتناسب. 

 وأما دلالة النص فهي في مقام وصف الحال الذي كان، والذي كان مرتبطاً بحاجة كان يدعوا لها الله، وحتى تتم على وجه أكمل و صحيح، كان يجب ان يكون للناس مكاناً يعبدون الله فيه فجُعل هذا – البيت – بمثابة المكان الذي يلبي هذه الحاجة، وهذه كما ترى صيغة وصفية وليست صيغة تقريرية ثابتة، هذا الكلام الوصفي كان مرتبطاً بالحاجة الواقعية التي كان يريدها الناس، فكان البيت في المكان الذي سماه – بكة – وفي التعريف فهو مكان مكتظ بالسكان ومزدحم، [ وفي التاريخ القديم ليس سوى الحواضر المعروفة في العراق والشام ومصر هي ما يصدق عليها هذا الوصف كالمدائن ومدين وأور وبابل وآشور ]، الحواضر التي كانت تحتضن دعوة الأنبياء والرسل، ولهذا نقول: – لا يُعقل أن يضع البيت للناس في مكة الخالية من الناس والبشر -، وبحسب هذا المنطق لا تكون – بكة – بمعنى – مكة – ولا تصح صفة وموصوفاً ولا دلالة و أسماً، كما إن – البيت الأول – الذي وضع للناس ليس هو – البيت الحرام – ولا هو كذلك – الكعبة المشرفة -، فالبيت الحرام التي قال عنها الله: – [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ] إبراهيم 37، وبحسب الطبيعة والوضع لا يكون الوادي الذي لازرع فيه مكاناً مأهولاً، وبحسب المدوناة التاريخية والرُقم فإن موضوعة

التوحيد وعبادة الإله الواحد لم تبتدأ في – مكة -، إنما كانت أولاً في الحواضر التي ذكرناها، فإبراهيم النبي ونوح النبي وتمام أنبياء بني إسرائيل وعامة أنبياء الملل الأخرى كانت هناك، نعم حصلت نقلة بحسب الكتاب المجيد عمل عليها إبراهيم النبي حين أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع، هذه النقلة جاءت لا حقاً بحسب موضوعة العبادة لله والتوحيد، وجدلياً يكون مفهوم رفع القواعد من البيت يكون رفعاً لا حقاً بعد أن كثر الناس وأزدحموا – والقواعد هم من يتخذون من البيت مكاناً للتلهي، مُشكلين حاجزاً يمنع العُباد من أداء وظائفهم، والقواعد كناية عن هؤلاء الرجال والنساء، قال تعالى: – [ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ] 127 البقرة، – فإبراهيم النبي يرفع القواعد من البيت وليس للبيت -، وذلك لا يعني العمارة والبناء كما توهم غير واحد في ذلك، والنص مورد البحث في آل عمران يتحدث عن أول بيت وضع للناس، وفي صورة تقريبية قال إن فيه: – [ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ…. ] – 97 آل عمران -، فإبراهيم النبي أقام في المكان الذي كان أول بيت وضع للناس، وبقرينة أول فيكون هذا البيت سابق لوجود إبراهيم نفسه، إنما أقام إبراهيم في بكة التي فيها – أول بيت -، وبحسب الملازمة التاريخية والدينية يكون البيت مرتبطاً بما يعمره من الناس، وبمفهوم التقابل يكون – البيت الحرام – هو ليس – أول بيت – وضع للناس، بل جاء الوضع لا حقاً بحسب مفهوم قوله فلنولينك، ثم إن الصحيح بحسب المدوناة التاريخية القديمة، ان المكان الذي عاش فيه ابراهيم أتخذه الناس مصلى وموضعا لعبادة الرحمن بعد ان دعاهم ودلهم ابراهيم على ذلك.

 فإن قيل: – فأين موضع قوله تعالى: – [ ولله على الناس حج البيت..] من هذا ؟.

 قلنا: – إن الكلام هنا يفيد المغايرة، خاصةً بلحاظ وجود حرف العطف، أعني إن هناك شقين من الكلام الأول منه: – ويقرأ في قوله تعالى – إن أول بيت وضع للناس -، والثاني نقرئه في قوله تعالى: – ولله على الناس حج البيت،

ولكل من هذين الشقين دلالته الخاصة، ففي الأول كان الكلام عن مطلق العبادة، وفي الثاني كان الكلام عن جزئية منها وهو الحج، [ والحج ومناسكه أرتبط بفعل إبراهيم النبي وماقام به، وجرت على أثره تباعاً الحنيفية ].

قال أهل العلم: – إن النقلة التي حدثت مع إبراهيم النبي أرتبطت بتطور مفهوم العبادة نفسه لدى الناس -، كما وقد تبلورت الصيغة النهائية للحج مع النبي محمد.

ولكن ماذا عن مكة ؟ وكيف جاء ذكرها في الكتاب المجيد ؟

لم تذكر مكة في الكتاب المجيد إلاَّ مرة واحدة وكانت على النحو التالي، قال تعالى: – [ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ]، الفتح 24 -، وفي هذا النص نلتقي بمراتب عده أولها معنى – كف – والمُراد منه، وثانيها معنى – أيديهم عنكم وأيديكم عنهم – والمُراد منه، وثالثها معنى – ببطن مكة.

وفعل – كف – فعل ثنائي صحيح ومعناه منع أو صد أو صرف، والفعل يتضمن المن من الغير، وفي هذا النص يكون المن من الله، أي إنه هو من صرف ومنع الإعتداء أو الإقتتال، بوجود القرينة الظاهرة في قوله – أيديهم عنكم وأيديكم عنكم -، يعني إن الله صرف عنكم القتال والإشتباك مع العدو، ولأن لهذا الدفع والصرف محل ومكان قال إنه في – بطن مكة -، ولم يقل في – مكة – وكذلك لم يقل في المسجد الحرام ولا في الكعبة، وفي هذا نحن أمام مفردتين الأولى هي مكة إنما ما نريده هو التعرف على معنى لفظ – مكة — وما سبقها أعني – بطن مكة -، فنحن إذن أمام مفردتين الأولى هي ( مكة ) – وماذا تعنى وماهي حدودها ؟ والمفردة الثانية هي – ( بطن مكة ) – وماذا تعني لغةً وحقيقةً ؟، ففي التعريف المعجمي المتداول جاءت مكة من – المك – وهو المكان الجدب الذي يحت حتا، قال أبن فارس في المقاييس: – [ – مَكَّ – يمك مكة، هو من – الميم والكاف – وهذا أصل ثنائي صحيح للكلمة، والذي – يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْعَظْمِ -، فيقال: تَمَكَّكَتِ الْعَظْمُ، أي أَخْرَجَتْ مُخَّهُ، وَامْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ: شَرِبَهُ…. ] -، ووفق هذا التعريف تكون اللفظة دالة على الشيء الذي يكون جافاً و ناشفاً، و فيه إمارات التصحر بادية، واضحة، حتى إن الله لما ذكر المسجد الحرام الذي هو في مكة قال في وصفه بلسان إبراهيم النبي: – [ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ] 37 إبراهيم – أي إنه يقع في منطقة صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا زرع يجعل من الحياة ممكنة فيها..

 وأما قوله:- ببطن مكة – البطن لغةً تعني الجوف أو الشيء المتوسط، وقولنا – الشيء المتوسط – قول مجازي يناسب المعنى الدارج في ألسن الناس، و ذكره مسنداً للدلالة على المسند إليه، قال الراغب في المفردات:

البطن أسفل الجسم -، وهذا بلحاظ ما عليه عامة الحيوانات من حال، والبطن بتعريف أبن خالويه: – هو لفظ مضاف إلى المكان وفي هذه الحالة يُراد به وسطه – أي وسط المكان، ولهذا قال بعض المعاصرين: – البطن هو المركز – لأهميته!!!…

 ولا بد لنا من القول إن – بطن مكة – لا الكعبة ولا المسجد الحرام -، وهذا القول بينه النص 24 من سورة الفتح حين قال: – ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) -، فكف الأذى وقع من جهة التاريخ في منطقة الحديبية والتي إليها يُنسب – الصلح المعروف – والذي يشير إليه النص المذكور، وهذه القرينة الحالية تدل على أن المُراد بها ليس المسجد الحرام، والذي لم يقع فيه أي إشتباك بين المسلمين وغيرهم في عهد النبي محمد كما قلنا.

 ولو تأملنا صيغة – كف – وجملة: – [ ايديهم عنكم وأيديكم عنهم ]، نعلم إنه لم يحصل بين المسلمين والمشركين في عهد النبي محمد في – المسجد الحرام – قتال البته، وما أشار إليه النص 24 من سورة الفتح فقد حصل – ببطن مكة – التي هي كما قلنا منطقة الحديبية، وهي المكان الذي تم التوقيع فيه على إتفاقية الهدنة بين النبي ومشركي قريش، والحديبية هي منطقة تقع على الطريق بين مكة وجدة، وهي إلى مكة أقرب وهي متوسطة بين الحل والحرم، ولا بد أن نشير إلى إن حرف الباء في – ببطن مكة – متعلق بفعل كف، ويعني إن الكف قد حصل في بطن مكة وليس في المسجد أو توابعه.

 قال أهل العلم لذلك جاءت جملة – [ من بعد أن أظفركم عليهم ] – تابعة في مقام التقرير للحال، والظفر أعم في الدلالة من النصر، لأن فيه تضمن حصول الفتح من غير قتال، قال صاحب عمدة الأصول: – والظفر يكون بمعنى الفوز حينما نحصل على المطلوب من غير قتال -، ومن هنا عَّد أهل الميزان: – الفوز بالمطلوب من غير قتال مطلوب بذاته لأنه يُغنينا عن الدماء والدمار .

ونقول: – والفوز بالمطلوب من غير قتال إنما يهيء القاعدة التي من خلالها يتم إبلاغ الرسالة ونشر الدعوة من غير معوقات -، وهذا ما حصل للنبي بالفعل من خلال الصلح، و الذي به أُتيح له أن يُبلغ رسالته من غير خوف، بل و خلق لدى الجماعة المؤمنة زوح جديدة مكنتهم من إداء رسالتهم وبث دعوتهم بين القبائل من غير مزاحمة..

وللتذكير فقط نقول: – إن مكة أسم عام يطلق على كل هذه المنطقة التي تضم الحديبية والمسجد الحرام، وقد جاء وصفها في الكتاب المجيد على أنها – أم القرى والبلد الأمين، وهذا يفهم من السياق كصفة لموصوف معلوم كما في قوله على هذا النحو

قال تعالى: – [… وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ] – الأنعام 92 .

 وفي سورة التين قال: – […وهذا البلد الأمين..] – التين 3.

و من هنا يتبين إن مكة هي عنوان عام لمطلق المكان، وأما المسجد الحرام فهو جزء منها أو فيها، والمسجد الحرام أُقيم بواد غير ذي زرع بحسب الوصف التالي: – [ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ…. ] إبراهيم 37 .

وخلاصة الكلام: – وما تبين لنا من خلال البحث في لغة الكتاب ودلالته، إن بكة هي ليست مكة وإنهما مكانيين مختلفين وفي بلدين مختلفين في عصرنا هذا، وإنما جعلت مكة ومسجدها قبلة للناس بعد ذلك التحول الذي حصل لغاية معلومة...

24 – من رمضان 1439 هجرية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, World History دول وشعوب and tagged , , . Bookmark the permalink.