!!حين يزداد صدق الرب (بالكذب) لمجده

حوارات في اللاهوت المسيحي 32

د. جعفر الحكيم 

فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا  أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟!!  رومية 7/3

النص المتقدم هو جزء مما ورد في الإصحاح الثالث من رسالة شاؤول( بولس) إلى أهل  رومية, والذي تعتبر جزءا من نصوص العهد الجديد, الكتاب المقدس لدى المسيحيين, وهذا النص المشتمل على تبرير وشرعنة واضحة (للكذب) من أجل مجد الرب، يعتبر من النصوص الاشكالية التي وضعت نصوص العهد الجديد أمام ورطة اخلاقية كبيرة!

هذا النص الذي يمثل العدد السابع من الإصحاح الثالث, جاء في سياق دفاع وتبرير السيد  شاؤول الطرسوسي عن منهجيته وقناعاته الإيمانية التي استطاع أن يغرسها في الإيمان الجديد في تلك الفترة التي كان فيها المعتقد المسيحي في طور النشوء المتدرج.

القارئ لهذا الإصحاح, يجد ان السيد شاؤول( بولس) يحاول تبرير وشرعنة قناعاته وتصرفاته, والتي من ضمنها استحلال الكذب, لانه حسب قناعة شاؤول يؤدي إلى زيادة صدق الرب لإعلاء مجده!

 حيث نجده يقرر مسبقا في العدد الرابع من هذا الأصحاح ان الله وحده هو الصادق وكل  انسان كاذب بالضرورة!!

(بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا) رومية 4/3

ثم يصل الى النتيجة الكارثية!!…وهي ان الكذب من اجل مجد الرب امر مستساغ وجيد كما قرر في العدد 7 المتقدم ثم يستدرج شاؤول في كلامه نافيا بعض التهم عنه, ومبررا بعضها الآخر, ثم ليصل الى نتيجة يريد تثبيتها وهي(انه ليس بارا ولا واحد) العدد 10 وان(الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ)عدد12

لينتهي الى خلاصة كارثية في الاعداد 20 و21 والذي يليهما تؤكد ان أعمال الناموس  ليست كافية او ضرورية!!

وإنما الإيمان وحده هو الطريق الذي يجلب الخلاص!!

وبذلك يكون السيد شاؤول قد نسف اهمية ومركزية الناموس( الشريعة) والتي من ضمن فقراتها  التأكيد على الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة مثل الكذب والسرقة وغيرها, والتي هي مناط للمحاسبة والعقاب في حال ارتكابها!

وهذه الخاصية الاجتهادية التبريرية, انفرد بها شاؤول، الذي جعل الخلاص يتحدد بالايمان  فقط, بغض النظر عن الأعمال!

وهذا ما خلص اليه في الاصحاح الثالث مدار بحثنا هذا

 (اذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ)!!

فالخلاصة الذي انتهى إليها السيد شاؤول في هذا الأصحاح التبريري،و المشرعن للكذب, هي ان الإنسان ليس بحاجة الى اعمال لكي ينال الخلاص, اذ يكفيه الايمان فقط, حتى لو مارس الكذب او التضليل والتدليس اوغيره!!!

وهذه النتيجة ( الفضيحة) رفضها حتى اباء الكنيسة الاوائل، كما فعل يعقوب (اخو الرب) حيث كتب في رسالته أنه حتى الشياطين لديها ايمان!!!…. لكن ايمانها لن يكون سبيل للخلاص من دون ان يكون مصحوبا بالاعمال الصالحة

أمام هذا النص الواضح في تبرير الكذب وشرعنته, وجد المفسرون اللاهوتيون أنفسهم في ورطة كبيرة!!!

لان النص واضح ومباشر وصريح, فلم يكن أمامهم للتخلص من هذا المأزق, الا اللجوء الى اساليب الفذلكة, ولي عنق النص, من أجل تحريف المعنى،والخروج بمعنى آخر مغاير تماما لصريح النص!!

فنجد مثلا, ان المفسرين يلجأون الى حيلة ساذجة, هي في حقيقتها,عبارة عن كذبة اضافية سخيفة, وذلك من خلال الادعاء ان هذا النص ( العدد السابع) هو نفي من شاؤول!!…., والبعض الاخر تفذلك بأسلوب خيالي كاذب, ليدعي ان الأصحاح كله عبارة عن (محاورة) يتخيلها شاؤول!!…فيقوم فيها بالرد على اسئلة انسان (يتخيله)…وبهذه الطريقة العبقرية…يكون كلام شاؤول حول شرعنة الكذب وتبريره هو سؤال من قبل الشخص المتخيل( المعترض) وليس كلام شاؤول….يا سلام!

ورغم ان الإصحاح هذا من بدايته هو كلام لشاؤول،يسرد فيه تصوراته وتبريراته, وان صريح النص وظاهره لا يشير لا من بعيد ولا قريب, ولا حتى باشارة ضمنية الى وجود شخص اخر(معترض) يطرح اسئلة على شاؤول,ومع ذلك, لو تنزلنا وقبلنا بهذا التأويل التبريري الساذج والكوميدي!!..فان الكلام الذي يلي العدد السابع، لا يؤيد هذه الكذبة بل يدحضها!

حيث اننا نجد ان العدد الثامن, الذي يلي العدد السابع (الفضيحة) مباشرة يبدأ هكذا

 (أَمَا كَمَا يُفْتَرَى عَلَيْنَا، وَكَمَا يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّنَا نَقُولُ:لِنَفْعَلِ السَّيِّآتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ؟ الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ.) رومية 8/3

وواضح جدا ان شاؤول, قد انتقل في هذا العدد الى مناقشة اتهام آخر موجه ضده، وهو قوله:

 ( لنفعل السيئات لكي تأتي الخيرات)

ثم يستدرج في كلامه اللاحق للدفاع عن نفسه وتبرير مقولته تلك, و لاعلاقة لكلامه في العدد الثامن بكلامه السابق.

ان محاولة اللاهوتيين في التغطية على هذا التعليم الشاؤولي الفضائحي, من خلال اللعب على قلب المعنى او تسويفه هي مجرد محاولات ساذجة ومكشوفة، يستطيع كل قارئ ان يكتشف زيفها وسذاجتها حين يقرأ الاصحاح كاملا!

واذا اخذنا بالاعتبار، ان حماسة شاؤول اليهودي الفريسي السابق, لايمانه الجديد,والتي دفعته الى تبرير اي عمل تكون نتيجته تدعيم وتقوية ونشر هذا الايمان, بغض النظر عن الوسيلة، التي ستبررها الغاية النبيلة!, هذه الحماسة والاندفاع, جعلت شاؤول ايضا يبرر التلون و الازدواجية والتناقض, مادام هذه التصرفات ستؤدي الى تدعيم الإيمان المسيحي!!

 (فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي  تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ) كورنثوس

وقد نجح هذا الرجل فعلا, من خلال منهجيته المراوغة في كسب الاتباع للإيمان الجديد, بل ونجح ايضا في جعل منهجيته تتسلل الى نصوص الأناجيل التي كتبت لاحقا, لتغرس انطباع لدى القارئ ان يسوع المسيح نفسه مارس هذا النوع من الكذب في حياته،من اجل الوصول الى بعض غاياته,كما نرى في الإصحاح السابع من إنجيل يوحنا الذي تمت كتابته في وقت متأخر.

وقد يتبادر سؤال الى الذهن, هل كلام شاؤول حول تشريع (الكذب المقدس) هو مجرد نص عائم في مدوناته, ام انه معزز بتصرفات او سلوك شخصي يعكس تلك المنهجية ؟!

والجواب على هذا التساؤل المهم, يتطلب منا أولا ان نعرف ان السيد شاؤول الطرسوسي (بولس) هو رجل يهودي ينتمي الى فرقة اليهود ( الفريسيون)…والعجيب ان هذه الفرقة من اليهود،كان يسوع المسيح قد وصفها بأوصاف صعبة, وكان ايضا قد حذر من المنتمين اليها بشكل مكرر، يلفت الانتباه!!

 (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ.وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!) لوقا 11

 (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا)  متى 23

وبالاضافة الى خلفية شاؤول المشبوهة، والتي حذر منها يسوع المسيح بشكل متكرر, يبرز لنا ايضا، العديد من المحطات في حياته التي توضح ان هذا الرجل كان يتميز بطبيعة انتهازية مع ذكاء شديد،وقدرة على المراوغة والتلون العجيب!

وبالاضافة الى كل هذه الصفات, نجد ايضا لدى هذا الرجل جرأة كبيرة على سرد أكاذيب واضحة ذات أهداف شخصية, مع القدرة على التاثير في البسطاء، وجعلهم يتقبلون هذه الاكاذيب التي يقوم شاؤول بتغليفها بأطر ايمانية وأوشحة عقدية!

ومن الامثلة الشهيرة على اكاذيب السيد شاؤول( بولس) هو ادعائه العجيب الذي ابتدأ فيه باكورة الدعاية الشخصية لنفسه, حين ادعى ان الرب يسوع ظهر له في الطريق الى دمشق, وكلمه, وكلفه بالرسالة!!!!…وبذلك ابتدأ شاؤول بتلبس رداء القداسة والتبجيل لشخصه, ليضمن المكانة المرموقة له في الإيمان الجديد وطمعا في الزعامة المستقبلية!

والامر اللافت, والذي يفضح كذبة هذا الرجل, انه ادعى ان هذا الحدث حصل له حين كان برفقة قافلة متجهة الى دمشق, وان الناس الذين في القافلة قد سمعوا الأصوات، وربما شاهدوا النور وارتعبوا!!!  

لكننا لم نجد ولا شخص واحد يشهد على ماحصل في هذا المشهد الغير الطبيعي والذي صاحبه نور وبرق من السماء!

ولا يوجد اي شخص من القافلة تكلم عن هذا الحدث، سوى شاؤول نفسه فقط!

وادعاء شاؤول هذا مرفوض ومردود حسب تعاليم يسوع الناصري, مالم يكن مصحوبا بشهادة غيره له, وهذا ما طبقه يسوع الناصري، حتى على نفسه!

(إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقًّا. الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌ.

أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ)  يوحنا 5

ومن الأكاذيب الاخرى الشهيرة, والتي تفرد بها السيد شاؤول, هي تلك الكذبة الصلعاء, التي ادعى فيها ان يسوع الناصري،قد ظهر بعد موته لأكثر من خمسمئة انسان!!

 (وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ، أكثرهم باق إلى الآن. ولكن بعضهم قد رقدوا) كورنثوس الاولى 15

هذه الكذبة التي تفرد بها شاؤول, لم يتحدث عنها اي شخص اخر من المعاصرين, ولا اي شخص من هؤلاء الخمسمائة

(المجهولين) الذين من المفترض أنهم شهدوا حدثا غير عادي, ولا يتكرر أبدا، لكنهم جميعا صمتوا, ولم يشهدوا!!

والأمر الاعجب, ان الذين كتبوا الأناجيل، لاحقا, لم يتطرق اي منهم الى هذه الحادثة العجيبة, ولم يذكروها اصلا, رغم ان هكذا حدث ولو كان حصل بالفعل, لرأينا سرديات عديدة وكثيرة حوله نظرا لأهميته البالغة وفرادته المثيرة, لكن يبدو ان السادة كتبة الأناجيل, كانوا اقل اندفاعا في حماستهم الإيمانية من شاؤول, ففضلوا ان يهملوا هذه الكذبة البليدة, ويتجنبوا

 ذكرها في اناجيلهم، وفي بقية الرسائل, نظرا لضخامة تلك الكذبة والتي تجعلها عسيرة على البلع…والهضم!!!

مما سبق, يتضح ان شاؤول الطرسوسي, الذي اصبحت رسائله وتعليماته, تشكل القسم الأعظم من العهد الجديد, لم يقم بتشريع الكذب والمراوغة والتلون فقط, وانما كرس هذا التعليم الايماني, وعززه من خلال ممارسته له وتطبيقه بالواقع, مما ادى الى ان يكون هذا المنهج اللاخلاقي مغروسا في تعاليم الإيمان الناشئ, حيث أصبح بمرور السنين, تقليدا مقبولا ومباركا, تتم ممارسته في الكثير من النشاطات التكريزية التي نشهدها ونتابعها في جميع الفعاليات المسموعة والمقروءة والتي أضحت تشكل مرتكز مهم تقوم عليه أساسيات الكرازة المسيحية.

د. جعفر الحكيم 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د.جعفر الحكيم and tagged , . Bookmark the permalink.