يونيو1967

رفعت عوض الله  

في 5 يونيو 2018 تمر الذكري 51 لهزيمة العرب بزعامة جمال عبد الناصر امام إسرائيل الدولة الصغيرة،واحتلال الضفة الغربية لنهر الاردن والتي كانت تحت حكم المملكة الاردنية الهاشمية،وهضبة الجولان السورية،وكل سيناء المصرية

أصاب الذهول والصدمة القاسية العرب والمصريين هل يستوعب العقل ان جيش دولة صغيرة “اسرائيل ” يهزم في ساعات قليلة ثلاث جيوش عربية،ويحتل مساحات شاسعة من اراضي تلك الدول الثلاث؟!

كان من المتصور انه في حالة حدوث مواجهة عسكرية بين اسرائيل والعرب ان يسحق العرب اسرائيل، وهذا ما ظل نظام عبد الناصر يردده علي مسامع العروبيين والعالم،حتي ثبت في المخيلة قناعة بان نهاية اسرائيل وشيكة. ولكن ما حدث يفوق الخيال حتي إن قادة اسرائيل انفسهم لم يحلموا به. في غضون ساعات حسم الجيش الاسرائيلي الحرب لصالحه مع اقل عدد ممكن من الخسائر. استطاع سلاح الطيران الاسرائيلي ضرب كل القوة الجوية  المصرية وتدميرها وهي رابطة في القواعد العسكرية في طول مصر وعرضها، مما حرم القوات المصرية من الغطاء الجوي لها،فباتت صيدا سهلا للطائرات العسكرية الاسرائيلة،ومن ثم تقدمت القوات البرية الاسرائيلية علي حسابها،وتقهقرت القوات المصرية امامها. ولما بلغ القيادة المصرية حقيقة الواقع الميداني في سيناء صدرت اوامر بإنسحاب غير منظم “عشوائي “. من لم يمت بيد الاسرائليين مات جوعا وعطشا في صحراء سيناء…..

كان لسقوط الجيش المصري والذي هو القوة الاولي للعرب اثره السريع والفعال علي معنويات الجيش السوري والجيش الاردني فانسحب الاول من الجولان وترك الثاني الضفة الغربية.. كان الاسرائيلون يدركون ان ثمة مواجهة عسكرية لابد لها من الحدوث بينها وبين العرب، فكان ان عملت بتخطيط وبدأب علمي وتدريب شاق استعدادا ليوم المعركة……في المقابل ارسل عبد الناصر جيشه لليمن لمناصرة ما يسمي بالثورة اليمنية علي نظام الامام اليمني الماضوي في تهديد مباشر للمملكة العربية السعودية،فماكان من المملكة إلا العمل بكل همة وإرادة علي إلحاق الهزيمة بالجيش المصري الذي اقترب من حدودها الجنوبية.. تكبد الجيش المصري خسائر فادحة في اليمن علي مستوي الجنود والعتاد والانفاق المالي. عاد الجيش منهكا ضعيفا قبل سنتين من وقوع حرب يونيو 67…

كانت تربط عبد الناصر بالمشير عبد الحكيم عامر صداقة قوية منذ حرب العرب ضد الكيان اليهودي في سنة 1948 وايضا وجودهما معا في تنظيم الضباط الاحرار الذي انقلب علي الملك في يوليو 52 بعد ان صارت مصر جمهورية وبعد الإطاحة باللواء محمد نجيب وأستتباب امور الحكم لعبد الناصر الذي كان يؤمن بالولاء ويقدر اصدقائه المخلصين والمسايرين له في توجهاته. اسند لصديقه الصدوق عبد الحكيم عامر مسئولية قيادة الجيش،غير ان ذلك القائد كان شخصية مستهترة يحب السهر ومصاحبة النساء،وفي نفس الوقت يركز علي بث روح الولاء له في صفوف الضباط الذين تحت امرته. وترتب علي هذا عدم الاستعداد الجدي لمواجهة اسرائيل، بل وصل الامر للتهوين والإقلال من شأنها وشان جيشها،إضافة للإنهاك الذي حل بالجيش المصري نتيجة لحرب اليمن،وغفلة قيادات الجيش عن دراسة ومتابعة ومراقبة الجيش الاسرائيلي. هذه هي الاسباب العسكرية لهزيمة يونيو 67… غير ان هناك اسبابا اعمق لها. فرضت بريطانيا الانتداب والحماية علي مصر مع نشوب الحرب العالمية الاولي سنة 1914 بغرض توظيف موارد وموانئ لمساعدتها في الحرب مع وعد بالرحيل مع نهاية الحرب. فلما انتهت الحرب في سنة1918 بأنتصار بريطانيا وفرنسا وعقد مؤتمر للصلح، تشكل وفد مصري للسفر لعرض القضية المصرية علي مؤتمر الصلح،إلا ان السلطات الانجليزية رفضت ان يسافر اعضاء،بل نفت الزعيم سعد زغلول وصحبه، فما كان من المصريين إلا الخروج للشوارع في كل مدن مصر للتظاهر ضد الانجليز وتعسفهم ونفيهم لسعد زغلول… 

خرج المصريون جميعا عمال وطلبة وموظفون ونساء،بل ان النساء بزعامة هدي شعراوي خلعن الحجاب لاول مرة منذ عهود سحيقة،وشاركن بقوة في المجال العام. ترتب علي هذه الثورة الخالدة، ظهور تصريح فبراير 1922 والذي نص علي ان مصر مستقلة استقلالا مشروطا او منقوصا، وتحول مصر لمملكة دستورية، اذ شكلت لجنة لوضع دستور عصري يستلهم قوي الحداثة من علمانية وليبرالية وديمقراطية،واجريت انتخابات نيابية علي اثرها تشكل مجلس النواب الذي كان مسؤولا عن التشريع ومراقبة الحكومة. وتألفت وزارة جديدة تحكم نيابة عن الملك الذي يملك ولا يحكم…تنافست الاحزاب السياسية علي الحكم، منهم من كان مستندا للشعب ويمثل الناس ” حزب الوفد ” ومنهم من كان ممالئا للقصر ومنهم من استقوي بالانجليز. الخلاصة ان مصر عاشت في الفترة القصيرة حالة شبه لبرالية وديمقراطية،يممت شطر الحداثة وقيم الحضارة الانسانية. تنامي اثناءها الشعور القومي المصري واننا مصريون فبل ان نكون مسلمين او غير مسلمين. الهبت الحرب ضد الكيان الاسرائيلي في سنة 1948 الشعور القومي العربي،وكان لهزيمة الجيوش العربية في تلك الحرب اثر في إذكاء روح تغيير الواقع البائس للعرب….

كان للملك سقطاته وفساده،وكان للإحزاب السياسية عيوبها ومنها التكالب علي تشكيل الوزارات ولو بالتحالف مع الملك او الانجليز،وكان للإخوان المسلمين عملهم وتأثيرهم الواسع في اوساط الريف المصري، وتلميع حلم الخلافة الاسلامية امام من يحلمون بعودة ايامها،ايام القوة والمنعة وإعلاء راية الاسلام. كل هذه العوامل عملت علي خروج تنظيم الضباط الاحرار الي حيز الواقع،والي نسق وتفاهم مع جماعة الاخوان.واخيرا تمكن من خلع الملك واعلان مصر جمهورية رئاسية في يوليو 52. ربط عبد الناصر وصحبه بين ما يرونه من فساد للقصر والاحزاب ووجود الانجليز وبتأثير من افكار جماعة الاخوان، ونزوع العسكريين للقوة وتوكيد الذات، اقول ربط اولئك الضباط والذين كانوا وقتها شبابا بين كل هذا والتوجه السائد نحو تمثل قيم الحداثة والايمان بالحضارة الانسانية. فكان من اول الامور قرار حل الاحزاب السياسية، والنظر بشك وريبة في كل السياسيين الذين ظهروا، بل والشك في ولاء المصريين المسيحيين. ولعل عدم وجود اسم لضابط مصري مسيحي ضمن قوائم اسماء الضباط الاحرار ما يعزز هذا الرأي.. قوض نظام يوليو الحياة السياسية المصرية، وكرس لحكم الفرد المستبد الذي هو اقرب لملوك العصور الوسطي ولنازية هتلر وفاشية موسوليني، وقمعية ستالين، الزعيم الملهم المخلص في محبته لوطنه،والذي يملك رؤية يصل ايمانه بها لدرجة اليقين ” دوجما ” ولن يحيد عنها،ويطالب كل من هم حوله ان يوافقوه وينفذوا ما يراه. وكل من يعترض مصيره الاقصاء ان لم يكن الخلاص منه. ولعل إقصاء الضابط المستنير خالد محي الدين في 1954 حين انحاز للديمقراطية وقال بوجوب عودة الضباط الي ثكناتهم العسكرية وتسليم الحكم لمدنيين يدعم هذا التفسير.. كان حلم عبد الناصر وصحبه هو توكيد الذات العربية المسلمة في مواجهة الغرب الذي لم يري فيه سوي قوة استعمارية مستغلة مهينة. نعم ان هذا وجه مظلم للغرب ولكن عبد الناصر وكل العروبيين لم يلتفتوا إلي الوجه الحضاري المضيئ للغرب، علم وعقل وحقوق للانسان وحرية وعلمانية وليبرالية وديمقراطية،ومساواة بغض النظر عن الدين والعرق والجنس. وهذا الجانب الحضاري حتمي وضروري لبناء دولة حديثة. وهذا ما فشل في فهمه عبد الناصر والعروبيون. جاءت هزيمة يونيو 67 هزيمة حضارية،هزيمة لمشروع عبد الناصر العروبي الاسلامي المنسلخ والرافض للحضارة الحديثة.. وبعد الهزيمة النكراء لم نفق، والدليل تمسكنا الطفولي بعبد الناصر صانع الهزيمة.

 في حين ان الصحيح هو التخلي عن عبد الناصر بل ومحاكمته ولكن هذا للاسف لم يحدث. ظل عبد الناصر في موقعه رافعا شعار ” ما اخذ بالقوة لابد ان يسترد بالقوة ” فعمل بصدق وداب علي إعادة بناء قوتنا العسكرية غير مدرك ان معركتنا ليست عسكرية ولكنها حضارية.. فشل مشروع دولة عبد الناصر العربية الاسلامية مع بفائه في الحكم ادي الي تنامي الاصولية الدينية، ورفع القول بأن سبب هزيمتنا هو تخلينا عن اسلامنا وديننا. لذا وجوب اعلاء الدين والعودة له لكي ننتصر. ولعل قول الشيخ الشعراوي : ” انه صلي لله شكرا علي الهزيمة ” يدلل علي ان السبب الرئيس للهزيمة هو ترك الاسلام وشيوع الاشتراكية واليسار المناهض للدين ايام عبد الناصر. عبر السادات عن التيار الديني ووجوب فتح المجال العام امامه، فاتفق مع الاصوليين علي اخراج الاخوان من السجون وترك الشارع والمسجد والمدرسة والجامعة والنقابات المهنية لهم.

وهكذا عمل الاصوليون بدأب علي اسلمة المجال العام، قد نجحوا إلي حد بعيد، وانتشرت بين الناس شكليات الدين وتواري جوهر الدين. وتم تغييب العقل والعلم،وانتشرت الفتاوي والتحليل والتحريم مع بقاء الحاكم مع تغير الشخصيات حاكما مستبدا. وهذه هي الهزيمة الحضارية،فهل نعي اننا مهزمون حضاريا ونحتاج لنعيد جسور التواصل مع تلك الحضارة فيسود فينا العقل،ونحترم العلم،ونؤمن بحقوق الانسان وقيم الحداثة فنصير بشرا فاعلين وليس مفعولا بهم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, رفعت عوض الله and tagged , , , , . Bookmark the permalink.