زكي نجيب محمود

عبدالله خليفة  

   يطور زكي نجيب محمود اتجاه التقنية التحديثية بشكل كبير، فتلك الومضات الصغيرة الغامضة لدى إسماعيل مظهر، أو تلك الموسوعية الأدبية لدى سلامة موسى  ـ  تصبح هنا بناءً فكرياً كبيراً ينمو خلال نصف قرن بتمهل وتوسع، لكن بدون تحول فلسفي عميق.

يقول زكي نجيب محمود في مقدمته لكتابه [ موقف من الميتافيزيقيا ]، الذي كان في الطبعة الأولى باسم [ خرافة الميتافيزيقيا ] بأن الفلسفة التي يعرضها هي:

[ لا محاولة لتحليل الوجود الشيئي ورده إلى مصادره الأولى، بل المحاولة لتحليل قضايا العلوم تحليلاً منطقياً، يردها إلى جذورها الأولى رداً يتبين منه مدى مشروعية التركيب اللفظي الذي صيغت فيه قضية علمية معينة : أهو متسق الأجزاء بعضها مع بعض، أم هو منطوٍ على تناقض مستتر ؟ أهو تركيب في طبيعته ما يمكن الباحث من المقابلة بينه وبين ما يشير إليه من حقائق العالم الواقع، أم هو مشتمل على مفردات لغوية، وعلاقات رابطة بين المفردات، تحقق من الصواب والخطأ أمراً محالاً ؟ ]، (1).

فالباحث يقول بأن الفلسفة لم تعد لديها قضايا خاصة، بل هي ليست قادرة على ذلك :

[ لأن العلوم المختلفة – كل في ميدانه – هي وحدها المؤهلة بمناهجها للوصول إلى حقائق الكون والإنسان، وحسب الفلسفة – إذن – أن تسير وراء العلوم تتسقطُ أقوالها لتصب عليها ضوء التحليل المنطقي، فتكشف ما قد يكون فيها من خللٍ يستدعي من العلماء إعادة النظر ]، (2).

فالفلسفة تغدو لدى زكي نجيب هي تسقطُ أخبار العلوم، ومن جهة أخرى تقوم بتحليلها بشكل لغوي منطقي، فالجمل ثلاث [ صادقة حتماً، أو باطلة حتماً، أو أنها مما يحتمل الصدق والكذب ]، لهذا فإن هذا المعيار اللغوي المنطقي ينطبق على الحقائق العلمية الموضوعية الصحيحة المنتجة من خلال العلوم [ كأن تقول 2 + 2 = 4 ]، أما [ الجملة الباطلة حتماً هي التي ينقض شطرها الثاني شطرها الأول ، كأن تقول إن المثلث لا تحيط به ثلاثة أضلاع ]،  [والجملة التي تحتمل الصدق والكذب فهي الجملة التجريبية كأن تقول إن جبل الهملايا صخوره بركانية ].

ويقول في مقدمته للطبعة الثانية بأن الجمل التي يعبر قائلوها عن القيم الأخلاقية والجمالية [ فارغة من المعنى، فكل عبارة يقولها قائلها ليحكم على فعل بأنه خير أو على شيء جميل، إن هي إلا تعبير منه عن ذات نفسه ولا تدل في الواقع على شيء..، لأن العالم الخارجي – عالم الأشياء – لا خير فيه ولا جمال، كما أنه لا شر فيه ولا قبح ]، (2).

إذن تعتمد الفلسفة التي يدعو لها زكي نجيب بأنها تحليل منطقي لغوي لبحث العلماء في [ الأشياء ].

إن العلوم هي ما يمكن تدرس عمليات وحركات الأشياء المختلفة، وهي الأشياء المادية، الملموسة، وما هو غيرُ ملموسٍ فهو خارج البحث العلمي. فهذه الموادُ هي التي تخضعُ للتحليل المعملي، أما الجوانبُ الفكرية والاجتماعية فكيف يمكن إخضاعها لمثل هذا التحليل ؟

فالميتافيزيقيا هي الحكم على أشياء غير محسوسة أما [ الفلسفة الوضعية المنطقية ] فهي الحكم على الأشياء الملموسة ف [ الفلاسفة حتى اليوم مشتغلين بتوضيح ألفاظ غامضة في مجالات فكرية معينة، مثل الأخلاق والجمال والسياسة والنفس والاجتماع، ولذلك فهذه كلها ما تزال تــُعد ((علوماً فلسفية))، فهي من مجال الفلسفة بدرجة تقل أو تزيد درجة التحديد والوضوح اللذين بلغتهما ألفاظها ]، (4).

إن الفلسفةَ هنا تغدو ثلاث فلسفات ؛  [ فهناك الفلسفة التي تبحث في (أشياء) لا تقع لنا في الخبرة الحسية، وأما  أشياء مما تصادفه في مباحث العلوم الأخرى كالإنسان، والمجتمع والتاريخ.. ]  ، [ ومن ذلك نرى أن نختار للفلسفة أن تحصر نفسها حصراً في التحليل المنطقي وحده ]، (6).

ولا نعرفُ العلاقات التي تتشكلُ بين هذه الفلسفات، فكيف ستقومُ الفلسفةُ الوضعية المنطقية بكشفِ وتحليل الفلسفتين السابقتين، حيث إنهما تنتميان إلى مستوىً ليس هو مستوى الأشياء، بل مستوى الأفكار، وهو مستوى حسب الوضعية المنطقية، ليس شيئياً ؟

إنها تجاه القضايا التي تطرحها الفلسفة الميتافيزيقية ك [ الشيء في ذاته ] و [ المطلق ] و [ العدم ] و [ القيم ] فإنها تعتبرها خارجَ البحث [ فليس اختيارنا للمجموعة المنطقية، وتركنا للمجموعة ((الشيئية)) تعسفاً وجزافاً، بل هو قائم على إننا ننكرُ الميتافيزيقيا إنكاراً تاماً… ونريد من جهة أخرى أن نترك ((الأشياء)) كالإنسان والمجتمع والتاريخ واللغة والطبيعة، إلى العلوم، لأن العلماء وحدهم، بما لديهم من أدوات ومناهج للبحث، هم القادرون على الوصول بهذه المباحث إلى نتائج يمكن الاعتماد على صدقها ]، (6).

هنا نجدُ بعضَ الحيرة في وصف المجموعات الشيئية، فمرةً تغدو داخل الميتافيزيقيا، ومرة تصبح في دائرة العلوم.

لكن الحكم باعتبار الطبيعة وحدها هي ميدان العلوم يتضح لاحقاً، فهو يقول في صفحة 27 [ إن العبارات المقبولة من هذه الكومة كلها هي القضايا الرياضية وقضايا العلوم الطبيعية، لأن هاتين الطائفتين هما وحدهما العبارات ذوات المعنى، أما العبارات التي لا هي من هذه ولا من تلك فينبغي حذفها ]، (7).

إن ذلك التردد بين فلسفة [ العلوم الطبيعية والرياضة ] باعتبارها هي الفلسفة، وبين العلوم الإنسانية باعتبارها فلسفة بين قوسين، يحسم هنا ولكن ليس بشكل نهائي، لأنه في عبارات شاردة هنا أو هناك سوف يعود لاعتبار العلوم الإنسانية علوماً ومنتجة لفلسفة وضعية منطقية ما، لكن هذه المنطقة الأخيرة ستكون غامضة.

يعلق على عبارة للكندي يقول فيها [ علوم الفلسفة ثلاث : فأولها العلم الرياضي في التعليم وهو أوسطها في الطبع، والثاني علم الطبيعيات وهو أسفلها في الطبع، والثالث هو علم الربوبية وهو أعلاها في الطبع.. ] فيقول زكي نجيب : [ والذي أريد أن اعترض به على أمثال هذا القول، هو أنك حين تبحث في الإلهيات فأنت من رجال الدين ولست بالفيلسوف، وحين تبحث في الرياضة فأنت رياضيٌ لا فيلسوف، وحين تبحث في الطبيعة فأنت من علماء الطبيعة لا فيلسوف ].

إن الفلسفة القديمة والوسيطة كانتا شاملتان، لكن الفلسفة الحديثة لم تعد حاوية للعلوم بل غدت طريقة تفكير، ولكن هذه الطريقة في التفكير لدى زكي نجيب هي لاحقة للعلوم فهو لا يقوم هنا بتحليل عبارات الكندي  فيحلل طريقته في رؤية الألوهية، ولا رؤيته في تحليل الطبيعة، بل يرفض هذه النظرة تماماً، منتظراً نتائج العلوم في شتى هذه الفروع المعرفية، عبر معايير الصدق والكذب، فسوف تغدو البحوث حول الكائنات المجردة الغيبية خارج البحث لأنها لا تملس شيئاً محدداً، فهي تريد كائنات ملموسة تقوم باختبارها وتحليلها، وحين لا تجد ذلك سوف تغدو قضايا مثل هذه الفلسفة خارج الفلسفة.

ومن هنا سيستمر التناقضُ السابقُ الذكر في مثل هذا الوعي لدى زكي نجيب، فالفلسفة تدرسُ الأشياء، والأديانُ لا تشكلُ ظاهرات ملموسة يمكن درسها، فالكينونة هي ماديةٌ محضة في عُرف هذه الفلسفة الوضعية، وليست هي علاقات موضوعية كذلك، فأشكال التفكير ومواده عبر العصور تغدو خارج المادة، في حين هي جزءٌ من بناء ثقافي يعكس علاقات مادية اقتصادية واجتماعية، وحين يفسر الكندي مبادئ الألوهية حسب تفكيره فهو يعبر عن علاقات موضوعية، عن سلطة واقتصاد ومستويات فكرية مرتبطة بتلك السلطة الإلهية – الاجتماعية وذلك الاقتصاد.

فهو إضافة لبحثه في الفكر الديني يبحث كذلك في العلوم الطبيعية ولديه الكثير من الأبحاث في مجال الظاهرات الطبيعية المختلفة، وقد قام بتجارب كثيرة في هذا المجال ولديه بحوث تقنية، فكيف تكون هذه خارج الفلسفة ؟ أي لماذا لم تقم الوضعية المنطقية لدى زكي نجيب محمود بتتبع النتائج العلمية لدى الكندي وترى مدى صحتها وخطئها ؟ وبالتالي ((تتسقط نتائج العلوم)) على حد تعبير زكي نجيب وتقرأ المحدودية العلمية للفلسفة وأسبابها ؟

إن الفلسفة الوضعية المنطقية هنا لا تبدأ من تجذير نفسها داخل السياق العربي الإسلامي، بل تبدأ من نقطةٍ أخرى.

يذهب زكي نجيب هنا نحو المادة العلمية الجاهزة القادمة من الغرب، وعبر المصادر المتوفرة، فيعرض أن الوضعية المنطقية لها جذور في تاريخ الفلسفة الغربية وليست هي نبتاً مقطوعاً ظهرت فجأة في القرن التاسع عشر وتم استيرادها إلى مصر ، فيذكر بأن سقراط وأفلاطون وأرسطو لديهم بذور بحث لغوي منطقي، ولكن المدرسة تشكلت في أوربا الحديثة، ولا يقوم بذكر جذور هذه المدرسة في البناء الصناعي والحديث عموماً، فهو يقطف زهرات التفكير التجريبية في دول وفترات متعددة، فهذه الزهرات تظهر بلا حقول :

[ والفلاسفة التجريبيون من الإنجليز : (لوك) و(باركلي) و(هيوم) وأتباعهم، هم – على وجه الإجمال – من أولئك الذي نظروا إلى الفلسفة على أنها طريقة في التحليل ]، [ أن أعظم ما كتبه هؤلاء الفلاسفة يندرج تحت ما يسمى في فروع الفلسفة بنظرية المعرفة ]، (8).

[ إن الفلسفة على أيديهم كانت عملية تحليلية، ولم تكن – في الأعم الأغلب – تقريراً عن ظواهر الكون المختلفة بإثبات صفات معينة لها أو نفيها عنها ] ولهذا فإن[ الذي نتصدى لإنكاره في هذا الكتاب إنكاراً قاطعاً، هو إمكان التحدث عن [ أشياء ] غير محسة – وهو موضوع الميتافيزيقيا بالمعنى الذي نرفضه – ]، (9).

يقوم هنا زكي نجيب بقطع جذور المدرسة التجريبية عن بيئتها الصناعية والثقافية التي تراكمت عبر عدة قرون، فقد بدأت هذه الفلسفة تحسم العلاقة مع الدين عبر نشوء دول صناعية علمانية، وغدت بنى الجامعات والمدارس مربوطة بشبكة اجتماعية ثقافية كبيرة.

ولكن حسم علاقاتها مع الدين لم يكن بالتوجه لتحليل الدين ونقده، بل تم ترك مسافة له في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، وما تفعله هنا عبر تكريس هذه التجريبية هو كشف طبيعة المواد المختلفة، ولهذا فإن العلوم الطبيعية والرياضية هي المدعوة للنمو بشكل واسع، في حين إن العملية التغييرية قد تمت على يد المدارس التنويرية والعقلانية التي وجهت نقداً كاسحاً للمسيحية الكاثوليكية، ففتحت الطرقَ الاجتماعية  والسياسية لسير المدارس التجريبية الفلسفية التي ستكون مهمتها المحورية هي تطوير العلوم والصناعة.

إن حلقات ديكارت ونيوتن وبيكون وغيرهم من العلماء – المنظرين تجري في بلدان ومراحل مختلفة، وهم يعبرون عن درجات من التطور العلمي والفلسفي حسب دوائرهم الاقتصادية – الثقافية، ورغم أنهم يمثلون الخط العلمي التجريبي، فلا يعني ذلك إنهم منقطعون عن الخطوط الفلسفية، أو أن هذه الخطوط الفلسفية التي بحثت قضايا  [ ليست شيئية ] لم تكن مندغمة مع هذه التيارات.

ولكن لدى زكي نجيب فإن علاقتهم بالتحولات الاجتماعية الصناعية الكبرى التي وفرت لهم أرضية البحوث مقطوعة، كما لو أنهم يعملون في مجتمعات قروية، وليس كون تجريبيتهم الدقيقة تجري لأجل جوانب صناعية هامة، كما أنها لا تنقطع عن أسئلة الفلسفة الكبيرة، كما أن أشكال وعيهم التجريبية لا ترتبط لديه بمستوى تطور تلك القواعد الصناعية والعلمية. وهو يصر في مواقع أخرى على الترابط الوثيق بين العلوم وتطبيقاتها وبشكل آلي، وكأن ليس ثمة علوم نظرية. وهذه كلها تدل على النقل لأهمية العلوم لا لاستفادة الحقيقية من تشكلها الوطني.

ولهذا فيتكون أساس الوضعية المنطقية لديه وفي المدرسة عامة عند الفيلسوف الألماني [ كانت ]. إن تأخر ألمانيا الصناعي والثوري عامةً عن إنجلترا وفرنسا، سوف يتمظهرُ فلسفياً لدى التجريبية الألمانية وقد غدت باسم الوضعية التجريبية.

يقول زكي نجيب محمود :

[ لقد بدأ [ كانت ] عمله هذا بوعدٍ قطعه على نفسه، وهو أن يترك الموضوعات الميتافيزيقية جانباً – وهي عنده البحث في الله والحرية والخلود – حتى يفرغَ من تحليله لبناء العلم الرياضي وبناء العلم الطبيعي، وبعدئذٍ يعود إلى البحث الميتافيزيقي، ليقيمه على نفس الأسس التي رآها في ذينك العلمين ؛ لكنه فرغ من (نقده) للرياضة وعلم الطبيعة، ثم لم يتم ما كان قد وعد به من تشييد بناء الميتافيزيقا على غرارهما، ولما سئل في ذلك، قال إنه وجد أن (النقد) هو نفسه الميتافيزيقا التي أرادها ]، (10).

ولم يستطع زكي نجيب محمود أن يعلل لماذا توقف (كانت) عن تطبيق منهجه على القضايا خارج العلوم الطبيعية، إلا بأن أورد القول الشهير ل (كانت) :

[ نرى كانت يرفضها على أساس أن العقل البشري بحكم طبيعته لا يستطيع الحكم إلا على ظواهر الأشياء، وإنه إذا غامر في مجال ((الأشياء في ذاتها)) وقع في المتناقضات ]]، (11).

ويرد زكي نجيب على ذلك قائلاً :

[ أما أصحاب المذهب الوضعي المنطقي فيبنون استحالة الميتافيزيقا على أساس أن أقوالها فارغة من المعنى بحكم ما اتفقنا عليه في طرائق استعمال اللغة ]، (12).

إن عدمَ قدرةِ (كانت) على تحليل موضوعات الله والحرية والخلود إذن لا تعود إلى كونها قضايا وموضوعات في ذاتها، بل إلى مشكلة أعمق من هذه، وذلك أن المنهج التحليلي الخاص بمعرفة المادة والطبيعة لا يستطيع أن يقوم بتحليل مستوى آخر مختلفاً.

 فظاهرات المادة وطبيعة الأشياء هي حقائقٌ موضوعيةٌ في أي مكانٍ أو عبر العصور، والمنهجُ الذي يقومُ بتحليلها هو منهجٌ مفيد وصحيح، لكن نقل هذا المنهج المحلل للأشياء إلى مستوى تحليل الظاهرات الفكرية والاجتماعية غير ممكن، كمن يستخدم السنارة المخصصة لصيد السمك لصيد الحيوانات البرية، وتباين المستويين الطبيعي، والمستوى الفكري الاجتماعي، هو ما شكل التقسيم المعروف بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية أو الإنسانية.

لكن لماذا تم إدخال المنهج التجريبي المعملي إلى مجالات الوعي ؟

لم يقمْ زكي نجيب بطرحِ هذا السؤال وهو يقومُ بعمليةِ نقل الوضعية المنطقية إلى البُنى العربية، ونجدُ في مفرداتِ المنهج الغائرةِ وعياً فردياً يسقطُ ذاته على الظاهرات المدروسة، فهو يحللُ وعياً يتصور بأنه مماثل لطبيعته هو، فهذا الوعي الفردي المجرد الذي يتوهمه في مركز الرؤية، يعتبره خالياً من الوعي الاجتماعي، وحين يكتشف مثل هذا الوعي قوانين المادة الطبيعية بموضوعية، وهذه عملية تاريخية كذلك، فهو يتصوره إن بإمكانه أن يطبق ذات المنهجية على وعيه الفردي في مجال الحياة الفكرية – الاجتماعية.

لكن هذا الفرد ليس فرداً في حقيقة أمره، بل هو تمثل للجماعة، وهو حامل لتراث وعلاقات الجماعة، ولهذا فإن الوعي الجماعي في أي بنية اجتماعية محكوم بعلاقاتها وإرثها المستقل عنه.

ولهذا فإن تحليل مفهوم المطلق أو الإله، لا يمكن أن يتم بأدواتٍ تجريبية معملية، لأن تحليله يتم في مستوى معرفي مختلف، هو التحليل الفكري الاجتماعي، والذي هو بالضرورة يتمظهر في عدة تيارات ورؤى، فليست  العملية التحليلية له مماثلة لعملية تحليل الحديد والذهب.

إن تصورَ الوضعية المنطقية بأنه يمكن مماثلة المنهجين، والوصول إلى حل للمعضلة التي منعت تطورها، سواء عبر الهروب المنهجي حين وضع (كانت) هذه المسائل في الحفرة العميقة التي لا يمكن الوصول إليها وهي حفرة (الشيء في ذاته) أو عبر حفرة أخرى لتلاميذه حيث ألقيت هذه المسائل الميتافيزيقية خارج البحث لأنها لا تعبر عن أشياء ملموسة في الطبيعة يمكن جرها إلى المعمل.

يناقش زكي نجيب عبارة لـ (برادلي) يقول فيها:   

[(يدخل المطلق في تطور العالم وتقدمه، لكنه هو نفسه لا يطرأ عليه تطور أو تقدم)). ومعنى ذلك عنده – فيما أظن – أن العالم في سيره التطوري الذي جعل يتقدم به من الحالة السديمية إلى الحالة التي هو عليها الآن، بما فيها من نبات وحيوان وإنسان، قد تأثر بعدة عوامل من بينها عامل اسمه ((المطلق)) – على الرغم من أنه قد عمل على تطور العالم وتقدمه من حالة إلى حالة – فإنه هو نفسه ثابت على حالة واحدة، لا تطور فيه ولا تقدم. ].

[ لو طالبت (برادلي) بأن يشير لي إلى المطلق الذي يحدثني عنه، كان أقل ما يعترضُ علي به، هو أن ما يــُشارُ إليه إنما يكون في مكانٍ معلوم وزمان معلوم، أما ((المطلق)) فلا مكان له ولا زمان، وإلا لما صح وصفهُ بأنهُ مطلقٌ من القيود.. كيف إذن عرفته يا صاحبي ؟ إنك لا تعرف إلا الأشياءَ ذوات المكان المعين والزمان المعين، أم وهبك الله باباً من أبواب المعرفة لم يفتحه أمامي ؟ أليست حواسي وحواسك سواء ؟ ]، (13).

إن عبارة (برادلي) الدينية تعبر عن وعيه الديني المسيحي، حيث يتصورُ الإلهَ قوةً خالقة أبدية للوجود، ولكنه ليس إلهاً منفصلاً عن هذا العالم بل هو يدخلُ فيه ويغيره، ولكنه يبقى ثابتاً لكونه إلهاً.

 

إن فكرة برادلي هي من وعي مسيحي تشكل في ظروف تاريخية معينة، أي يعود لرؤية تشكلت في بنية اجتماعية، وبالتالي فإن مطالبة زكي نجيب يرى هذا المطلق في زمان ومكان معينين، أمر صحيح لكي يرى هذه الفاعلية التي يقول عنها برادلي.

ولكنه يريد أن يطبق أدوات معمله التجريبية على المطلق، لا أن يدرسه كظاهرة فكرية واجتماعية وتاريخية، بمعنى إن هذا المطلق في الدرس الموضوعي يتحول إلى صورٍ متعددة لهذا الإله، كما تجلت هذه الصورُ في اللوحات الفنية وفي جمل الكتب المقدسة، وتعابير الرهبان والقساوسة والفلاسفة والجمهور.

وبطبيعة الحال فهذا الدرسُ لا يتم في الطبيعة بل في مجال الوعي الإنساني، ومن هنا يتمُ درسَ الصور باعتبارها منتجات لهذا الوعي في مختلف المراحل،  ويتم درس كيفية فاعلياتها المتعددة، وكيف قامت بتغيير المجتمعات، وذلك كله عبر  [ الملموس ] ؛ أي في الكتب الدينية، واللوحات التعبيرية، وفي القصص، والأناشيد والأمثال، والأفكار وفي الثورات والتضحيات للرهبان تحت عسف سلطة روما الخ.. وكيف قامت الصور هذه بتدمير الإمبراطورية الكبرى وتشكيل حضارة مختلفة الخ.. ، وذلك كله من أجل أن نرى ((المطلق)) وقد تجسد في النسبي، والغيبي وقد تمظهرَ في اليومي، والكلي وقد توغلَ في الجزئي، واستحال إلى كليات جديدة من المفاهيم لعصورٍ تالية.

إن تطبيق المناهج المعملية على ظاهرات فكرية – اجتماعية مركبة، والمطالبة بصور محسوسة لأي مفردة، هو أمر يمكن تحقيقه ولكن عبر استخدام أدوات منهجية مختلفة، كالشواهد التاريخية المكتوبة والمنحوتة والآثار المختلفة ودرس ظاهرات الحياة في العصور من سكنٍ وعملٍ ونقود  الخ.. فتصير الظاهرات الروحية والفكرية في متناول التشريح.

ولهذا فإن إلغاء زكي نجيب لظاهرات روحية أخرى كالخير والجمال هو أمر مماثل لإلغائه المطلق، وهي مفاهيم بشرية نسبية تعود لحقل الوعي، فلا يمكن دراستها إلا عبر هذا الحقل في تطوره الاجتماعي التاريخي لاستخلاص رؤى وتوجهات البشر في تجسيد وتمثل هذه القيم التي هي أيضاً ((كائنات)) موضوعية لها تجسد خارجي يقع في الوعي والظاهرات الاجتماعية بالنسبة للخير، وكذلك في الوجود الطبيعي بالنسبة للجمال، أما المطالبة بحضورها الملموس كالتفاح فهو أمر غير ممكن.

وقد مضى زكي نجيب محمود إلى تطبيق منهجه التقني التجريبي المستورد على الواقع العربي الإسلامي المسيحي الخ، لكن هذه المنهجية حدث لها انفصامٌ كبيرٌ، خاصة في فكرتها الأساسية بالابتعاد عن تحليل المفردات والجوانب الغيبية حيث أن هذه لا تخضع للفحص المعملي والتأكد الملموس، فلم يفعل مثلما قالت الفيلسوف الألماني (كانت) بترك هذه الجوانب الميتافيزيقية.

علينا هنا أن نقول بأن ثمة مسافة بين (كانت) وزكي نجيب فدرجة الموضوعية المثالية والعلمانية لم تتوفر لدى زكي نجيب، فذاك يقف فوق مجتمع ألماني ذي صناعة كبيرة رغم أنه بعدُ لم يحسم تطوره الرأسمالي الديمقراطي بشكل أساسي، نظراً لتخلف طبقته البرجوازية، عن مثيلتيها الإنكليزية والفرنسية، لكن المجتمع المصري / العربي الذي يقف عليه زكي نجيب، لم تظهر فيه هذه البرجوازية إلا بشكل فئات وسطى تابعة للإقطاع، وبهذا فإن العلوم الطبيعة والاجتماعية لم تكن بمستوى يتيح إعطائه وفرةً من المعلومات والنتائج العلمية ليتوجه بعدها إلى تعميمات فلسفية كما فعل  (كانت). وكما أشارَ هو بأن الفلسفة تأتي لتحصد ما زرعه العلماء.

ومن هنا فهو لم يلتزم بمدرسته وقوانينها، سواء بترك الاشتغال في الجوانب الميتافيزيقية والتركيز على الجوانب التقنية الملموسة واستثمارها فلسفياً، فتوجه ليس إلى تحليل الواقع الراهن المصري العربي، بل إلى تحليل التراث والإيمان مسبقاً بكائناته وظواهره الميتافزيقية، وجعلها أساساً للمجتمع الذي يقوم بتحليله.

وهو من بداية كتابه [ تجديد الفكر العربي ] يحس بالتناقض بين عصره وأفكاره وبين التراث، يقول:

[ فبدأتُ بتعصبٍ شديد لإجابة تقول إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بتراً،  وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علماً وحضارة  ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم ]، (14).

يقوم زكي نجيب بتحليل التراث عبر المرويات والقصص والاستشهادات المقتطعة من هنا وهناك عبر العصور، وخارج سياقاتها الاجتماعية البنيوية المحددة، بأسلوب أدبي شخصي يعترف فيه بقصوره عن درس التراث بشكل منظم.

فهنا هو لا يقوم بجعل ميدان التراث ميدان فحص تقني لغوي كما اقترح في كتابه [ خرافة الميتافيزيقيا ]، ولا بالاستعانة بعلماء فحصوا التراث قبله، فيقوم بالاستفادة من تحليلاتهم الواسعة والعميقة لكي يقدم خلاصات وضعية منطقية كما تقترح فلسفته، بل يقوم بالتحليل الشخصي من منطلقاته المشروخة هذه.

فتلك الميتافيزيقيا التي شن عليها كل هجومه في الكتاب السابق المذكور، قام بجعلها الأساس المعترف به للمجتمع التراثي الذي يقوم بنقده، وهنا ترتبت على ذلك إشكالية كبيرة، وتمظهرت الإشكالية أولاً في موقفه الأول الساذج بضرورة رفض التراث كلياً وعدم بعثه، لكنه لم يستطع أن يستمر في هذا الموقف ولا يعلمنا لماذا، ثم حلت الحيرة وليس الإشكالية جملة قرأها لهربرت ريد موجزها :

[ إنني لعلى علم بأن هنالك شيئاً أسمه ((التراث))، ولكن قيمته عندي هي في كونه مجموعةً من وسائل تقنية يمكن أن نأخذها عن السلف لنستخدمها اليوم ونحن آمنون بالنسبة إلى ما استحدثناه من طرائق جديدة ؟ ]، (15).

 

تلعب الطرائق والأسماء الفلسفية الغربية التجريبية كمواد مستوردة دور المفاتيح الكلية للمعضلة، مثلما حدث ذلك للسابقين، وهنا يلعب مفتاح الاستعمال القني للتراث المجلوب عن طريق هربرت ريد الدور المطلوب لحل الإشكالية :

[ أقول إنني وجدت في هذه العبارة مفتاحاً للموقف كله ؛ فماذا عسانا أن نأخذ من تراث الأقدمين ؟ الجواب : نأخذ من تراث الأقدمين ما نستطيع تطبيقه اليوم تطبيقاً عملياً ]، (16).

لا يحدد زكي نجيب هنا طبيعة الضمير الجماعي في (عسانا) و(نأخذ) و(نأخذ) الثانية، و(نستطيع)، فمن هم الذين يأخذون ويفرزون في حالات الأخذ ؟

لقد أقام من هذا الضمير المجردِ سلطةً كلية على التراث وإعادة تجديده في الزمن الراهن، وحددت السلطةُ عمليةَ الجلبِ التراثي هذه بمدى نفعيةِ المواد في البناء الاجتماعي الإسلامي – المسيحي – العربي الراهن.

ويمضي الفرزُ في تحديد نفعية أو ضرر، وتحلل واهتراء الأدوات أو استمرار دورها النفعي المفيد حديثاً. وبهذا فإن المواد المضرة وغير المفيدة تـُهمل وتترك في الزمن السابق.

وقد لاحظنا أن الهيكلَ الميتافيزيقي الغيبي برموزهِ وعالمهِ العام قد أُعتبر من قبل ضمير الفرز الجماعي السابق ذكره، هيكلاً مؤسساً للنظام المفروز، ولم يقم الأنا الجماعي الفارز بأي رفض أو تحليل لتاريخية هذا الهيكل ورموزه، فُجعل كما هو غيبياً ميتافيزيقياً مقبولاً.

وبهذا فإن الدعوى الأساسيةَ في الكتاب السابق غدت منتفيةً، فبدلاً من ((خرافة)) الميتافيزيقيا كما كان الأمر في الطبعة الأولى من الكتاب، يغدو العنوان ((موقف)) من الميتافيزيقيا، كما قرأنا ذلك في الطبعة الثانية، ولكن الآن يتحول حتى ذلك الموقف وتغدو الميتافيزيقيا غير منتحية من عالم البحث، بل تعتبر أساسه!

وهكذا فإن الفرز يتم من قبل الأنا الجماعية التي يتكلم بها باسمها زكي نجيب محمود، في عالم تسيطر عليه الميتافيزيقيا. والإشكالية تتعمق هنا بدلاً من أن تنحل.

لأن الميتافيزيقيا المُبعَّدة من ميدان البحث في الكتاب الأول لم تــُبحث، فهي أُبعدت عن مجال البحث باعتبارها قضايا خارج التحليل الملموس، فغدت ثمة هوة غير مدروسة، لأنه كان ينبغي تحليل تلك الميتافيزيقيا سواء بفحص رموزها تاريخياً، وكذلك بأن يجري الفحص داخل الأبنية الاجتماعية المتنامية عبر التاريخ في المنطقة، ولكن هنا عبر القفزة من غياب التحليل الكلي إلى أن تكون هي أساس العالم الُمراد بحثه، حدث تصدعٌ في تبيانِ جذورِها وطرقِ تطورها، فغدت معلقة هنا في الهواء!

إن الضمير الجماعي الفارز سيتعامل مع المواد المفروزة من خلال تلك الرؤية السابقة الذكر، فهو قد أكد على أن البنيةَ الاجتماعية الماضية والمعاصرة أساسها هو الدين، وهو هذا الضربُ من الوعي الميتافيزيقي – الواقعي الذي يشكلُ أبنيةً اجتماعية، كما يتمظهرُ ذلك للوعي الفارز، ولأنه يشكل هذه الأبنية التي تغدو مقدسة، فإنه لا بد من استمرارها للوعي الذي يقوم بعملية الفرز، رغم أنه قد بدأ كتابه بالتفكير في إلغاء ذلك البناء القديم بكليته!

ويتمحور الوعي التحديثي هنا وقد فقدَّ تاريخيتـَهُ وفقدَّ تجريبيته النقدية فصار مثالياً، بمعنى أنه جعل العالم الواقعي مخلوقاً من تلك الرموز الغيبية الميتافيزيقية، حيث أن هذه الرموز لم تــُبحثْ في مسارها التاريخي الإنساني، فلم تقرأ باعتبارها نتاج هذا التطور التاريخي الخاص للمنطقة، ولم تــُـقرأ باعتبارها خالقة للتطور التاريخي في مراحل تالية، وبهذا فإن موقعَ الحلقة الإسلامية فيها، غيرَ محددٍ ولا مدروس ولا معروف، بل هي حلقةٌ تراثية كما يراها زكي نجيب محمود قد انقطعت، ولكنها في الزمن الحاضر مستمرة، ولا يعرف لماذا تستمر رغم أن العصر الغربي الكامل موجودٌ خارجها ؟! وهذا العصر الغربي هو أيضاً مأخوذٌ في كماله وليس في تاريخيته، بمعنى أنه كان ناقصاً ودينياً في مرحلة سابقة، ثم صار حديثاً. ولأنه غير مأخوذ في سيرورة تناقضاته، ويبدو كياناً تجريدياً، فكذلك تبدو الحلقة الإسلامية من ذلك التاريخ الشرقي الميتافيزيقي، كحلقةٍ مقطوعةٍ عن سلستها، ومعلقةٍ في فراغ تاريخي.

بمعنى أن المنطق اللاتاريخي في رؤيته لتجريبية الغرب النهائية، هو نفسه المنطق الذي لا يكشف ميتافيزيقية الشرق  في سيرورتها المركبة والمعقدة، فالحلقات التاريخية تتقطع، والبنى التي تتشكل فيها غير مدروسة، ولهذا يروحُ الوعي الفارزُ يستورد عناصرَ من الغرب يراها هي أدوات الشغل التحديثي، ومن ثم يبحثُ عن مثيلاتها وأشباهها في ماضي المشرق. وهذه العناصرُ مقطوعةُ السياقات، متناثرةُ الأحوال.

لكن أي منطقٍ إيديولوجي يتحكمُ في عملية الفرز ؟

يغدو الغرب التحديثي هو النموذج، وهو يظهر في مرات عدةٍ كأسماء وحركة علمية مقطوعة بسياقاتها العميقة كالحديث عن ((المعهد القومي للعلوم)) في فرنسا الذي أنشئ بعد ثورة 1789، والمناقشات العميقة التي دارت فيه حول اللغة، (الفصل السابع) تغدو مفصولة عن متن بحث (تجديد الفكر العربي)، فهنا يقوم رواد البرجوازية الفرنسية الثورية بإنشاء معاهد علمية لكشف الظاهرات بموضوعية، وهو أمر يود زكي نجيب نقله إلى الوسط العربي العلمي لكن بدون المسار الثوري البرجوازي الفرنسي. أي أن تظهر عمليات البحث الموضوعية بدون اصطدام بالقوى التقليدية العربية الإسلامية المسيحية الخ..، ومن خلال الدراسات العقلية واللغوية المتخصصة فحسب.

إن الفرز كذلك يتوجه إلى ترك الجوانب الميتافيزيقية الكلية كمبحث صور الإله والغيب عموماً، ويتناول التيارات والأفكار الدينية بملاحظات جزئية، تحبذ ما هو قريب من المعاصرة، كاهتمامه بمسألة الحرية لدى المعتزلة رغم أنهم ربطوا الحرية كما يقول بالغيب، ولم يبحثوها بشكل واقعي.

هنا يصل زكي نجيب محمود إلى [جوهر الروح العربية ]، أي إلى القسم الميتافيزيقي من الوعي الذي يظل خارج سيرورة التاريخ :

[ إن نظرتنا إلى الكون في صميمها، تفرق تفرقة واضحة بين عالمين : عالم الكائنات المتناهية – أعني الكائنات المقيدة في وجودها بمكان وزمان معينين، وعالم اللامتناهي، الذي يتعالى عن أية صفة تحدد له مكاناً أو زماناً. هذه التفرقة الحادة الواضحة لا تجدها في أية ثقافة أخرى بمثل هذا الوضوح الناصع الذي تجدها به عندنا ]، (17).

هنا تتضح بعض جوانب الوعي الفارز، فهو وعي ديني – واقعي، فهو يترك مساحة الجذور الدينية وظاهراتها المعاصرة بلا تحليل تجريبي منطقي، كالذي اعتزم عليه تجاه الظاهرات عموماً، و[ الشيء في ذاته ] لدى [ كانت ] يصبح ظاهرات كبرى في ذاتها، فيضم مع الدين الأخلاق وغيرها، بحيث تصبح الظواهر التي هي خارج البحث الموضوعي جوانب كبيرة من البناء الفكري والاجتماعي.

أما الجوانب القابلة للتحليل العلمي فهي الظاهرات الفيزيقية عموماً. وبهذا فإن البناء الديني وظواهره تبقى خارج التحليل والنقد، وبهذا فإن الميتافيزيقيا كما تتشكل في أذهان الجمهور وفي البناء الفكري – الاجتماعي تغدو خارج العلوم، بل تغدو [ القيم غيث من السماء ]، ص 285، [ وهذا ما حاوله الإمام محمد عبده، وما حاوله من بعده كل أعلام الفكر في بلادنا، كل بطريقته الخاصة ]، (18).

وبهذا فإن إغلاق أبواب العصر أمام التراث قد تم بشكل موارب، فقد جُعل ذلك التراث الغيبي خارج المعمل اللغوي التجريبي لزكي نجيب محمود، وهو معمل تعيش في حظائره وخلفياته كافة الكائنات الميتافيزيقية المشكلة لعصير القيم، والوجود الروحي.

أي أن العصر القديم صار منتهياً، وما عاد التراث سوى قيم مضيئة من الماضي الغابر، وبهذا فإن البناء الإقطاعي – المذهبي تم استمراره في حداثة الوضعية المنطقية التي اعترفت بوجوده ضمنياً، وحددت نطاق عملها في التحليل المنطقي لعمل العلوم، أي هي تتحول إلى هتاف من أجل الصناعة.

إن النظام الاجتماعي القروسطي الذي يلحق الصناعة بالهيكل السياسي والاقتصادي الإقطاعي، يتأبد عبر الوعي الديني المحافظ الذي أيد استمراريته زكي نجيب ولم يقم بتحليله ونقد ظواهره، مثلما فعلت مدرسة محمد عبده عموماً، أي تتم السيطرة على نتاجات العلوم من قبل الوعي الديني، فنظراً لشموليته واستمراريته الطويلة وعدم تحليله ونقده، يغدو أقوى من الوضعية المنطقية التي تستخلص نتائج العلوم فلسفياً وتعممها لكن داخل هذه السيطرة للوعي الديني.

إن قراءتها تكون للعالم الطبيعي وظواهره وهي قد أبعدت جزءً كبيراً من البناء الاجتماعي عن التحليل، وهذه التعميمات الفلسفية تغدو عن الظاهرات الطبيعية وليس عن الظاهرات الاجتماعية التي يلعب الدينُ دوراً أساسياً في تشكيلها، فتنحشرُ الوضعيةُ المنطقيةُ في زاويةٍ أصغر من الزاوية التي انحشرَ فيها عمانويل كانت.

هنا تقدم الوضعية المنطقية أداة للجمع بين الوعي الديني المحافظ والوعي التقني غير المتدخل في ظواهره، وتغدو الأساطير الغيبية والآراء المنتهية الصلاحية علمياً واجتماعياً، غير معرضة للفحص العلمي، وبالتالي يتم الحفاظ على شبكة الوعي المتخلف جماهيرياً، وهو أمر يناقض منطلقات الوضعية المنطقية التي كرست نفسها من أجل نقد الخرافات وفتح السبل للتصنيع.

إن المشكلة الرئيسية في وعي الوضعية المنطقية تبقى قائمة وهي اقتصارها الفهم العلمي على معامل الصناعة ومختبرات الفيزياء والكيمياء، وليس أيضاً ميدان العلوم الإنسانية، وبالتالي حيرتها إزاء إخضاع الظواهر الدينية والفكرية والاجتماعية عامة للدرس الموضوعي.

إن شبكة الإقطاع – المذهبي المستعادة عند الوضعية المنطقية وهي تتمصر لدى زكي نجيب محمود تقوم برفض المذاهب الإمامية عامةً، ولا تقوم بتحليل جذورها الاجتماعية العائدة لسيطرة ذلك الإقطاع، ثم تقترب من المركز العقلي المعتدل في سيطرة الإقطاع – المذهبي عبر المذاهب السنية الاجتهادية والاعتزال، ورفض التطرف السني المحافظ لدى ابن تيمية وغيره، أي أن الوضعية المنطقية الممصرة هنا تواصل عمل محمد عبده فيما يتعلق بسيطرة الإقطاع – المذهبي المعتدل، مع فتح المجال للصناعة والعقل التجريبي داخل الطبيعة المسيطر عليها غيبياً، والمجتمع المهيمن عليه دينياً ونخبوياً.

إن الفرق بين جان لوك وهيوم وغيرهما من الفلاسفة التجريبيين الإنجليز وبين زكي نجيب محمود، إن أولئك الفلاسفة كانوا مستقيمين في رفضهم لإدخال الوعي الديني إلى مجال الفلسفة، جاعلين التجريبية الحسية الكاملة سداً أمام تسلل العلاقات والكائنات الغيبية إليها، وهذا أمر عضدته الثورة الصناعية في إنجلترا، ولكن التي أتاحت للدين مجالاً اجتماعياً واسعاً بعيداً عن المعامل والصناعة والبحوث، وليس بعيداً عن رؤوس العاملين.

أما زكي نجيب فإنه لا يمتلك أصلاً مثل هذه الثورة الصناعية ولا مثل هذه البرجوازية الحاسمة، ولهذا فإن تجريبيته مخترقة على كافة المستويات، ومن هنا فهي تتحول إلى نثر أدبي وإلى ما يشبه دعوات العجائز بتمني انتصار الصناعة والعلوم.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   انظر عبــدالله خلـــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.

ـــــــــــــــــ

المصادر :

(1)، (2) : (موقف من الميتافيزيقيا، د. زكي نجيب محمود، دار الشروق، ط 4، ص ح).

(4) : (المصدر السابق، ص (ص)).

(5) (المصدر السابق، ص 20)

(6) (المصدر السابق ص 22 – 23).

(7) : (المصدر السابق ص 27.).

(8) : (المصدر السابق ص 34.).

(9) : (المصدر السابق، ص 36).

(10) : (المصدر السابق ص 48).

(1112 : (المصدر السابق ص 51).

(13) : (المصدر السابق ص 12 – 13).

(14) : (تجديد الفكر العربي، دار ومكتبة الهلال، ط9، 1993، ص 12 – 13).

(15) : (المصدر السابق، ص 17).

(16) : (المصدر السابق، ص 17 – 18).

(17) : (المصدر السابق، ص  280).

(18) (المصدر السابق، ص 272).

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Essays مقالات علمانية, Secular Figures أعلام العلمانية, عبدالله خليفة and tagged , , , . Bookmark the permalink.