تجاوز الإنسانية وتغيير خلق الله

د. السيد نصر الدين السيد  

وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا” (سورة النساء 119-120)

الرجل الوطواط” Batman و”الشرطي الربووتي” Robocop و”الرجل العنكبوت” و” السوبر مان” أسماء لشخوص قدمتها صناعة السنيما في أفلام حققت نجاح غير مسبوق. ويتمتع كل من هذه الابطال بقدرات غير عادية أهلته للفوز بإعجاب المشاهدين. وهو الإعجاب الذي يعكس رغبة الانسان الملحة في التغلب على محدودية قدرات جسده ليصبح قادرا على التحليق في السماوات مثل الطيور او الغوص في البحار مثل الاسماك. أنه حلم الانسان الدائم بتجاوز أوجه القصور في جسده الحالي والحصول على جسد جديد ذو قدرات أعلى أو بعبارة أخرى تجاوز انسانيته بشكلها الحالي الى إنسانية جديدة ترضي طموحاته.

ولقد ظلت محاولات زيادة قدرات الانسان محاولات فردية متفرقة لا يجمعها إطار فكري يصوغ أهدافها ويحدد خطواتها الى ان جاء النصف الثاني من القرن العشرين. فلقد شهدت هذه الفترة ثلاث ثورات تكنولوجية كبرى هي: ثورة “تكنولوجيا المعلومات” (او “الثورة الرقمية” Digital) التي حوسبت الفكر وعززت التواصل بين البشر، وثورة “التكنولوجيا الحيوية” Biotechnology (أو “الهندسة الوراثية” Genetic Engineering) التي منحت الإنسان القدرة على تغيير الصفات الوراثية للمادة الحية، وثورة “التكنولوجيا النانووية” Nanotechnology التي منحته القدرة على تغيير المكونات الأساسية للمادة غير الحية من ذرات وجزيئات. ولقد مهدت هذه الثورات مجتمعة الطريق لظهور حركة “تجاوز الإنسانية” Transhumanism التي يعرفها ماكس مور Max More، الفيلسوف وعالم المستقبليات، بأنها “فلسفة تسعى إلى تسريع عملية تطور الإنسان (بوصفه شكلا من أشكال الحياة الذكية) وضمان استمراريتها لتتجاوز هيئته الحالية بكل عناصر محدوديتها وذلك باستخدام العلم والتكنولوجيا مسترشدة في ذلك بالقيم والأسس الداعمة للحياة”. انه اذن مبدأ “التطور المستدام” الذي مؤداه أن الهيئة الحالية لأفراد الجنس البشرى لا تمثل أقصى مراحل تطوره بل هي مجرد مرحلة عابرة ينبغي تجاوزها الى مراحل أخرى أكثر تقدما وذلك باستخدام التكنولوجيات المتوفرة وتطوير التكنولوجيات الممكنة.

واذا كانت قابلية الانسان للتطور هي احدي ركائز حركة “التكنولوجيا الحيوية” فإن تسريع هذه العملية هو الركيزة الثانية. فعلى سبيل المثال تعتبر هيئة جسد الانسان الحالية هي هيئة انسان “الهومو سابين” Homo Sapiens الذي ظهر منذ أكثر من 120,000 سنة، نتيجة عملية تطور استغرقت حوالي خمسة ملايين سنة. أي ان عملية “التطور البيولوجي” غير الموجه، سواء كانت متعلقة بالإنسان أو كانت متعلقة بكافة الكائنات الحية، تتميز بإيقاعها بالغ البطء وبمحدودية خياراتها. إلا أن عملية التطور الإنساني تتميز عن غيرها بالدور الذي يمكن ان تلعبه “المعرفة” في تعديل مسارها وفى تسريعها. واستخدام المعرفة، العلمية والعملية (التكنولوجية)، في توجيه وتسريع عملية تطور الانسان الهدف الرئيسي الذي تسعى حركة “تجاوز الإنسانية” الى حقيقيه. فهي تهدف إلى تحرير الإنسان من محدودية “التطور البيولوجي” غير الموجه وإلى قيادته نحو عملية “التطور الذاتي” Autoevolution التي تتميز بسرعة إيقاعاتها وبراح خياراتها. مما سبق يمكن تمثيل حركة “تجاوز الإنسانية” على هيئة المعادلة التالية:

تجاوز الإنسانية = التطور المستدام + التكنولوجيات الداعمة 

وهي المعادلة التي يمثل شقها الأول، “التطور المستدام”، القناعة التي قامت على أساسها الحركة بينما يمثل شقها الثاني “التكنولوجيات الداعمة”، وهي كافة التكنولوجيات التي ترفع من قدرات الانسان.

وسنأخذ متوسط عمر الإنسان كمثال للشق الأول من معادلة تجاوز الإنسانية. فلا يوجد سبب منطقي أو عضوي يمنع زيادة متوسط عمر الإنسان من 70 سنة إلى 200 سنة. وحاليا يوجد عدد متزايد من البحوث الجادة التي تؤكد إمكانية زيادة متوسط عمر الإنسان ليصل إلى 120 سنة. والشواهد التاريخية تؤكد بوضوح لا يقبل الشك هذا الأمر ففي فترة لم تتجاوز 160 سنة (من 1840 إلى 2000) ازداد متوسط عمر الإنسان من 45 سنة إلى 85 سنة وذلك نتيجة لتحسن مستوى الخدمات الطبية في أغلب المجتمعات. كما يشهد تحطيم الأرقام القياسية في المسابقات الأوليمبية بقدرة “علم الألعاب الرياضية” Science of Sports على تحسين الأداء الحركي للإنسان.

والأساس الثاني لحركة ما بعد الإنسانية هو ما يعرف بالـ “التجاوز التقني” Techno-Transcendence وهو استخدام التكنولوجيا للتغلب على وتجاوز حدود قدرات الجسد الإنساني في صورته الحالية الفيزيائية والعقلية. ولم يكن استخدام الأشياء المصنعة، كالأرجل الخشبية والنظارات والأسنان الصناعية، لمساعدة الإنسان على التغلب أوجه القصور في جسمه بالأمر الجديد. إلا أن هذه الأشياء هي أشياء ميتة تفتقد القدرة على الالتحام بالجسد البشرى والاستجابة لإشارات عقله الواعي. إلا أن التقدم غير المسبوق للتكنولوجيا المعاصرة بدء في تغيير هذا الوضع. فعلى سبيل المثال يعمل باحثوا معهد نانو تك NanoTech، التابع لجامعة تكساس في دلاس UTD، على تطوير “عضلات صناعية” قادرة على تحويل طاقة الجسم الكيماوية إلى طاقة حركية وتفوق إمكانيتها إمكانيات عضلات الإنسان الطبيعية. ومثال آخر لما يمكن للتكنولوجيا أن تفعله هو التليفون الخلوي المزروع والذي يتيح للإنسان العادي قدرة “التخاطر عن بعد” Telepathy. وتطول قائمة الأمثلة لتشمل تطبيقات “الهندسة الجينية” Genetic Engineering الساعية لتعديل الصفات الوراثية للإنسان، والمنتجات الـ “كمبيوعصبية” Neurocomputational التي تضم الـ “مشغلات المدارة بالتفكير” Thought-Controlled Actuators (Bostrom, 2003 More, 1994 Sandberg, 2000) فمجرد تفكيرك في الاتصال بشخص ما سيجعل تليفونك يطلبه لك لتبدأ معه الحوار دون الحاجة للمس لوحة المفاتيح.

اننا باختصار نشهد بداية تشكل حركة تكنولوجية/فكرية تهدف الى “تغيير الخلق” على اقل تقدير والي “إعادة الخلق” على اقصى تقدير. وإزاء هذا الوضع الجديد نقف لنتساءل عن موقف مفسرو النصوص،

المراجع

Bostrom, N. 2003. The Transhumanist FAQ, Version 2.1, Vol. 2007.

More, M. 1994. On Becoming Posthuman: http://www.maxmore.com/becoming.htm.

Sandberg, A. 2000. The Transhuman Vision, Vol. 2007.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Science جامعة تحوت, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , . Bookmark the permalink.