الماركسية والعولمة

رمضان عيسى 

درجت العادة في النظر الى المجتمع على أنه مكون من طبقات، وحسب المادية التاريخية التي نظرت الى المجتمع بحركته التطورية المرتبطة بمدى ما وصلت وسائل الانتاج من تطور، ومن هم مالكي وسائل الانتاج ؟

فقد بدأ التمايز الطبقي في الظهور مع بداية تركز أشكال التملك في أواخر التشكيلة المشاعية والتي تبعتها تشكيلة أكثر تمايزا في التقسيمة الطبقية، وهي تشكيلة ” الرق ” والذي تميز باسترقاق طبقة ” الأسياد ” لجموع غفيرة من البشر سواء من وقعوا في الأسر بعد هزيمة قبيلتهم في الحروب الدائرة بين القبائل، أو من وقع تحت فاقة الدَين، وأصبح عبداً لمَدينه. ومع تطور وسائل الانتاج وتغير شكل التملك من استعباد البشر، وملكية قطعان الماشية الى ملكية الأرض، أصبح لزاما ظهور طبقات مواكبة لهذا التغير، وهي طبقات مُلاك الأرض، وطبقة الفلاحين العاملين في الأرض، سواء بالسُخرة، أو بالتأجير!!

ومع نمو العمل الحرفي في رحم الاقتصاد الاقطاعي، تطور العمل الحرفي الى مانيفاكتورات ارتبطت بها جموع غفيرة من الطبقة العاملة، فكانت نواة الاقتصاد الرأسمالي الصناعي الذي تسيطر عليه الطبقة البرجوازية المالكة لوسائل الانتاج والرساميل. ان الاخطبوط الرأسمالي قد مد أذرعه الى كل قارات الأرض مستهدفاً مطمورات الأرض ومنتوجاتها، وقاوم بالقوة العسكرية كل طموحات الشعوب للتحرر والاستقلال.

 ومع نجاح الثورة البلشفية في روسيا سنة1917م، وهزيمة النازية الأروبية سنة 1945 م وتكون الاتحاد السوفياتي، فقد سرت عدوى الثورات والنزوع الاستقلالي الى معظم دول قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مما فرض على الرأسمالية العالمية أن تغير من شكل وجودها الخارجي وعلاقتها مع الدول الفتية ذات النوع الوطني الاستقلالي، بأن جعلت من الشركات والرساميل – الامبريالية – أن تلعب الدور الأكبر في التحكم وتقوية تبعية اقتصاد الدول الفقيرة لها.

والآن وبعد تفشي العولمة الاقتصادية نلاحظ هرولة الاقتصادات الاستهلاكية للتفاعل معها. وأثر هذا على دور أنظمة الحكم في الدول التي لم تستطع بناء قاعدة صناعية، انتاجية تنافسية، مما أدى بالطبقة البرجوازية وسلطتها القمعية الى الاكتفاء بالوظيفة الكمبرادورية واستيراد المنتجات، واختزال دور أنظمة الحكم الى شرطة لحماية عبور المنتجات الاستهلاكية.

في زمن “التحول الثالث في تاريخ تطور المجتمعات البشرية ” زمن اقتصاد المعرفة بحسب (مصطفى عبد العظيم – دبي) وفي زمن نشهد فيه متغيرات هي الأعظم منذ وجدت البشرية “متغيرات هي التحول الثالث أو الثورة الثالثة بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية، ثورة العلوم والتقنيات الفائقة التطور في المجالات الإلكترونية والنووية والفيزيائية والبيولوجية والفضائية” (بحسب ألفن توفلر المفكر الأميركي المتخصص في مجال دراسات المستقبل).

في زمن باتت منتجات العقل والمعارف و”العلوم النظرية سابقة على أي تطبيق” ( بحسب د. محمد دياب /تموز 2008. اقتصاد المعرفة: حقبة جديدة نوعياً في مسار التطور الاقتصادي)،

في زمن “الاستخدام الأمثل للمعرفة واستثمارها بفعالية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحول الحضارة من اقتصاد صناعي إلى اقتصاد معلوماتي” (بحسب البنك الدولي).

وفي زمن وصل فيه مثالا عدد العاملين “ممن يتصل عملهم بأنظمة المعلومات أكثر من ثلاثة أرباع القوة العاملة في الولايات المتحدة”، في زمن بات فيه العالم “يتعامل مع صناعات معرفية تكوِّنُ الأفكار منتجاتها والبينات موادها الأولية والعقل البشري أداتها” بحسب المفكر العالم المتخصص في مجال الادارة (بيتر دروكر).

أصبحت العولمة المعلوماتية بوصفها خيمة شبكية ضخمة تُحيط بالكرة الأرضية ولا تترك شاردة ولا واردة إلا وتمسك بتلابيبها، نجدها قد شوهت المفاهيم: الوطن، الطبقة، الأحزاب، الحرية، الوعي الاجتماعي، الأهداف، القيم، وحتى التسلسل التطوري للتاريخ!!

 ان العولمة المعلوماتية قد كانت امتدادا للعولمة الاقتصادية العابرة للحدود!! وكان من نتائجها الأولية زيادة سطوة القهر السلطوي، وتشويه الوعي الطبقي بسبب سيطرة التكنولوجيا الناعمة على الوعي، والافتقار الى الحرية، أدت الى تشويه المشاعر وروابط الانتماء للوطن، مما أدى الى اختلاف الأهداف في وعي الجيل، الذي أُصيب بالاحباط وفقدان الاتجاه، وفقدان الثقة بالأحزاب التي تميعت شعاراتها واختلفت مادتها !!  فبدلا من انخراط الشباب في تجمعات أو أحزاب من أجل التحرر الداخلي في البلد، صار الهدف الخلاص من البلد!! والهجرة!!

لقد شوهت العولمة الواقع في وعي الجيل، بأن جعلته مختلطاً مع ” عالم افتراضي ” لا يُورث اليقين لا في الأصل ولا في الصورة، وفوق هذا يسرق الزمن، العُمر الذي هو أغلى ما يمتلكه الانسان!!

والسؤال: هل زال الصراع الطبقي وتوقف التاريح عند العولمة التي ولدت طبقة لها ملكية خاصة، ورأسمال خاص هو ” الرأسمال الثقافي ” ؟

  يبدو للبعض أن مفهوم ” الرأسمال الثقافي ” قد ألغى الفوارق الطبقية، فلا البروليتاري الفني بقي بورليتاري، ولا البرجوازية الصغيرة بقيت كما هي كطبقة وسطية تتأرجح بين الطبقات!! ونقول إن تضخيم دور ” الرأسمال الثقافي ” سيحتك بمفاهيم ماركسية أصيلة كقانون ” وحدة وصراع الأضداد، ومفهوم أن الصراع الطبقي هو المحرك الديناميكي الذي يكمن خلف كل مظاهر التقدم والتطور الحادث في المجتمعات البشرية.

إن التكنولوجيا كمحتوى مادي، ومظاهرها التفاعلية بشقيها: ” الفني المعرفي”، وشقها ” التفاعلي الافتراضي ” لهما تأثير واضح على المجتمع بأن عملت على تمييع الفوارق والمسميات الطبقية!!  ولكن هل أنهت التكنولوجيا إحساس الفقراء بالفقر ؟ وهل العاملين بالتكنولوجيا ممن يملكون ” الرأسمال الثقافي، المعرفي ” لا يتأثرون بالأزمات الاقتصادية والكساد والبطالة والمنافسة والعرض والطلب وغلاء أسعار الخبز والمواصلات ؟ بالطبع لا!! إذن، المنهج الماركسي في التحليل، والذي ينطلق من أن الصراع الطبقي هو المحرك للتاريخ الاجتماعي، لا زال في الساحة!!

والآن ما النتيجة ؟ هل توقفت حركة التطور الاجتماعي، وهل انتهى دور الأحزاب الشيوعية ومنهحها في التحليل وديناميكية التطبيق، وبرامجها لبناء المجتمع اللاطبقي بسبب تميع الفوارق الطبقية، وأن التكنولوجيا والرأسمال الثقافي قد أذاب الفوارق الطبقية، ولكن تحت سُلطة ديكتاتورية البرجوازية، وليس تحت سلطة ديكتاتورية البروليتاريا!!….. بالطبع لا ّ!!

 في الحقيقة أصبح العمل الثوري لتغيير المجتمع من الصعوبة بمكان نتيجة لترهل التجمعات العمالية، النقابات!! ولكن الصراع بين الطبقات المالكة لوسائل الانتاج والطبقات التي تؤجر قوة عملها أو تُشغِل رأسمالها الالثقافي لا زال قائماً، وينكشف هذا في الانفجارات الاجتماعية المفاجئة التي اجتاحت العديد من الدول.

وفي التحليل النهائي:

الانسان وعي، وموقف!! والاخلاص للوعي والحقيقة يجعلنا لا نستطيع أن نهرب أو نكون خارج المنهج الجدلي في التفكير، ولا خارج التصور الماركسي للتاريخ، ففي التحليل النهائي، حينما تزدحم الأرض بالبشر، لا مفر لهم إلا طريقين: إما أن يدمروا أنفسهم بحرب نووية، وإما الشيوعية كتشكيلة تُعطي لكل حسب حاجته!!

ان المستقبل ليس حديقة أو متنزه نذهب اليه، بل هو نتيجة مستقبلية لما نقوم به من أعمال حالية، وبقدر ما ننجح في إرساء مقدمات واقعية للمجتمع الأفضل، بقدر ما تزول الرؤى التي تحاول أن تُبقي السيطرة للطبقات المالكة لوسائل الانتاج والتي تقول بأبدية النظام الرأسمالي، وأيضاً بقدر ما تزول الرؤى الخيالية لإعادة ترسيم مجتمعات قديمة مبنية على الوصايا الدينية، أو على السمات الأخلاقية لشخصيات من التاريخ الغابر، كما تنادي أحزاب الاسلام السياسي. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in رمضان عيسى and tagged , , . Bookmark the permalink.