الخطاب الديني والعصر

محمد الشحات الشحات  

يظن الكثيرين ان الخطاب الديني منعزل عن سياقه الاجتماعي وتحولاته السياسية والاقتصادية لكن الحقيقة ان الخطاب الديني متماهي جدا مع التحولات الاجتماعية ويجيد استخدام اليات العصروالتطبيع معه لاحتواءه لكنه لايغير من جوهر خطابه فهو يأصل للتحولات ويشرعن لها حتي لاتطغي تلك التحولات وتهضمه في دولاب التغير وتعيد انتاجه متسقا مع السياق الاجتماعي ولو تأملنا الخطاب الديني من نهاية الثلاثينات الي عصرنا هذا سنجد انه كان يتماهي مع كل عصر فكن نهاية الثلاثينات الي من منتصف السبعينات عام الانفتاح والتحول للراسمالية الطفيلية كان اليسار هو المسيطر علي الشارع وكان اتجاه الدول في البلاد العربية نحو اشتراكية الفايبي والتحالف مع الاتحاد السيوفيتي ودول المعسكر الشرقي مع هذا التحول الي الاشتراكية قدم الكتاب ورجال الدين الاسلامين خطابا يحاول ان يأصل لفكرة الاشتراكية والعدالة الاجتماعية في الدين الاسلامي فمدام الاصل موجود فلاداعي ان نواكب العصر ونتخذ العلمانية والديمقراطية والحداثة طريقا للعدالة الاجتماعية انما نعود للاصل للدين والحكم الديني ففي حقبة صعود الفكر الاشتراكي في البلاد العربية. الف سيد قطب كتاب العدالة الاجتماعية في الاسلام ومصطفي السباعي اشتراكية الاسلام واخذ الكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي يعيد قراءة سيرة النبي والتاريخ الاسلامي في اعمال ادبية من زاوية انها ثورة اجتماعية ضد الفقر والاستغلال برزت في هذا العصر التركيز علي الايات التي تدعوا لعدم الاسراف وان المال ليس ملك لنا انما نحن مستخلفين فيه وايات الحث علي الانفاق علي الفقراء(وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)

(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ

مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا

لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ )

كما برزت سير الصحابة الزهاد كعلي بن ابي طالب وسلمان الفارسي المعادين للثروة والاستغلال وبرز ابو ذر كايقونة لهذا العصر ذاك الصحابي الذي عارض تكنيز الثروات ودعا الي تقاسم الثروة بين المسلمين فلايبقي غني وفقير ودفع ثمن موفقه باحضاره علي حمار بلا سرج الي الخليفة عثمان بن عفان من الشام الي المدينة حتي تلسخ امعانا في اهانته وقام بنفيه الي الربذة وحيداً فيها بقية حياته وفي مماته كان ابي ذر الغفاري هو بطل تلك المرحلةفي الخطاب الديني لتدليل علي ان هناك اصلا لفكرة الاشتراكية في الاسلام

لكن مع التحول للراسمالية الطفيلية الذي دشنه الرئيس السادات في عام ٧٥ عام الانفتاح الاقتصادي وانكسار الاتحاد السيوفتي والمعسكر الشرقي وصعود النيوليبرالية وثقافة الاستهلاك وتملك السعودية الدولة المحافظة السلفية المتحالفة مع الراسمالية العالمية زمام القيادة في المنطقة لم يعد ابي ذر الغفاري من الشخصيات المفضلة للخطاب الديني تم اهمال ذكره لان سيرته متنافيه مع سمة العصر واعيد تفسير ايات الانفاق علي الفقراء لا كتأصيل للعدالة الاجتماعية انما لقصر حق الفقراء علي الصدقة فقط لاغير او لشرعنة رفع يد الدولة عنهم فالفقراء ليس لهم بان يطالبوا الدولة باي دور اجتماعي لها تجاههم ليس من حقهم بان يطالبوها بتعليم ورعاية صحية جيدة وقضاء علي البطالة ووسائل موصلات إنسانية و لا العمل علي تحقيق مبدء تكافؤ الفرص العدالة الاجتماعية اصبح مفهومها قاصر ومبتسر علي الصدقة ورغم ان هدفها هو القضاء علي الفقر تحقيقا لمبدء من مبادئ حقوق الانسان ومبدء منصوص في الدستور هو التساوي في الحقوق والواجبات فالفقر ينتفي مع هذا المبدأ لان هناك حقوق لايستطيع الفقير التمتع بها كالقادر ماليا مثل التعليم والرعاية الصحية لذلك كان لازما علي الدولة العمل علي القضاء علي الفقر لتحقيق المساواة لاتكريسه بالصدقة اصبحت المطالبة بالعدالة الاجتماعية اعتراض علي القضاء والجبرية اشيعت ثقافة الجبرية في الخطاب الديني اصبح الفقر والبطالة والغلاء هو بلاء من الله لاختبار ايمانا او بسبب ذنوبنا وابتعدنا عن الدين فالغلاء بسبب ان النساء لم تتحجب وا البطالة والاستبداد السياسي وانتشار الامراض المزمنة بسبب تركنا للصلاة والاستغفار وعدم التوبة نشأ خطاب ديني متماهي مع الديكتاتورية المتحالفة مع الراسمالية الطفيلية يعتبر فسادها قضاءا وقدرا من الله بسبب ذنب او اختبار لتمحيص المؤمنين والاعتراض علي السياسات التي ادت لسوء الاوضاع هو اعتراض علي قضاء الله وقدره

ولان العصر تقاس فيه سعادة الانسان بشراء السلع الاستهلاكية شرعن الخطاب الجديد للاستهلاكية فمن حرم زينة الله التي اخرجها لعباده والطيبات من الرزق ونعم المال الصالح للرجل الصالح ورويت قصص الصحابة الاغنياء الذين فتح الله عليهم من مال الفئ والصدقات فشرط ان يفتح الله عليك وتتمتع بطيباته ان تلتزم بالشرع وتسعي للحكم الاسلامي حتي تنعم بكثرة المال مثل صحابة الغزوات قدم الخطاب الديني دعاة يلائمون بين حاجات الطبقات الصاعدة في التمتع بمزيا الحياة الاستهلاكية والشرع دعاة يرتدون احدث الازياء ويصورون برامجهم الدينية في فنادق الخمس نجوم واستديوهات مكلفة بملايين ويغشون النوادي الاجتماعية الراقية وقصور الاغنياء ولهم ارصدة في البنوك ويركبون السيارات الفارهة مثل عمرو خالد ومعز مسعود ومصطفي حسني وخالد الجندي دعاة لايشرعنون للعدالة الاجتماعية او يقدمون خطاب ديني متماهي مع الخطاب الانساني انما خطاب ديني يغذي التعصب واحساس التفوق في متابعيه ويعطي غطاءا شرعيا للرأسمالية الطفيلية التي قامت علي السمسرة والتوكيلات التجارية التي دمرت الصناعات الوطنية فلابأس ان يحصل المسلم الورع التقي علي توكيل استيراد لاجهزة استهلاكية فتسعة اعشار الرزق في التجارة لا في الانتاج والتصنيع والزراعة قدموا خطاب فرغ العبادات من جوهرها ورحانيتها اصبحت العبادات علاقة تعاقدية وكأن الله محاسب او تجار يقبل الصلوات والتسابيح بالكم وعدد الحسنات خطاب رسخ للذكورية وضياع مكتسبات وتسليعها خلف الحجاب

الخطاب الديني هو ابن عصره يتماهي معه دون ان يمس العصر جوهره بل هو يحتوي التغيير سواء كان يقدم بجلباب وعمامة او بدلة احدث موديل او مان ياخذ بمنحي اشتراكي او رأسمالي فالجوهر واحد تعصب والغاء للعقل وطائفية ومعاداة للتغير والعلم

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, محمد الشحات الشحات‎ and tagged , . Bookmark the permalink.