“الوحي”اللاإرادي

 أرنست وليم  

لوقا الذي كتب في الربع الاخير من القرن الاول الميلادي – ما بين 80 -90 م – روايته عن يسوع الذي لم يكن شاهد عيان لأي حدث يذكره عن بطل روايته وهو يسوع الناصري موضوع روايته، ولا بأذنه قد سمع حرف مما وضعه على لسان يسوع في انجيله إذ انه وبكل بساطة لم يرى يسوع بالجسد مطلقا ولم يكن حتى من سكان فلسطين اصلا، فهو من ابناء انطاكيا بحسب المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (القرن الرابع الميلادي) بينما هو حسب التقليد السرياني كان سكندري المولد والنشأة –(حسب مار يعقوب الرهاوي، اسقف الرها اواخر القرن السابع مطلع الثامن، واشهر كتاب السريان).

يقول لوقا في افتتاحية روايته عن يسوع الذي جرى الاعتياد على تسميتها انجيل [ أي بشارة باليونانية] الآتي: ” إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة، رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به” (لو 1: 1- 4)

من الفقرة السابقة يتضح أن كثيرين قاموا بتأليف رواية، او كتابة سيرة عن يسوع، ونظرا لكثرة ما كُتب ربما اراد لوقا ان يدلوا بدلوه إذ يعتبر انه قام بتدقيق وتحقيق ما يتم نشره وإعلانه فيما يخص بحياة يسوع كما سمعها عن الذين عاينوا وخدموا يسوع، لذلك فهو يكتب إلى صديق له اسمه “ثاوفيلس” هذه الرسالة المطولة ليكون على ثقة مما بُلغه عن يسوع، وربما ضمنيا حتى لا يتزعزع ايمانه بسبب كثرة ما يقال او يكتب عن يسوع مخالف ربما لما هو حق وأصيل كما يراه لوقا معتمدا على مصادره التي يعتبرها ثقة.

الغريب ان معظمنا عند قراءة هذه المقدمة لا يلتفت كثيرا إلى الآتي:

أولا: أن الكاتب نفسه، وهو لوقا، لم يقل لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، لا صراحة ولا ضمنيا، لا اعلانا ولا تلميحا، ان روح الرب نبهه، حثه، ايقظه، “زغده”، لضرورة كتابة أي شيء!

ولا انه يطلب حتى من الله أو روحه القدوس ان يعينه في هذا العمل الذي “تنوء بحمله الجبال” لأنه يتصدى للحديث عن يسوع الذي ضل كثيرون في معرفة كنهه، واعثر كثيرون لصلبه، وكذّب كثيرون قيامته، وشكك من شكك في معجزاته!

ولا هو، أي لوقا، ادعى مجرد ادعاء أنه على الثقة واليقين الايماني أو حتى من باب الرجاء والتمني، إن الله سيرضي عن هذا المجهود وسيشمله برعايته!… لا، لا شيء من ذلك على الاطلاق!!

ثانيا: ما دامت هذه مبادرة منه، بشرية، لأجل صديق تُوجه له هذه الرسالة، والتي ربما قد تحمل في طياتها طلبا لنشرها إن لاقت قبول مَن وجهت له، كما كان هذا اسلوب الكُتاب في هذا العصر: يرسلون كتبهم في صورة رسالة بناء على طلب شخص رفيع المقام أو إهداء لعظيم شأن، أو بدعوة صديق، او بمبادرة رجل متبحر لسؤال عُرض عليه أو قضية طُلب منه ان يقول فيها قولته ويعرب فيها عن رأيه… في كل هذا، لا توجد اشارة في كامل النص [ 24 فصل أو اصحاح]، مهما شط تأويل المؤولين – وما ابرعهم! -، يستشف منها أنه نسب لنفسه أي عصمة أو حفظ من الزلل أو الدخول في أي حالة نشوة أو تهلل بالروح أو رأى في المنام رؤية أو ظهر له ملاك بهيئة الطير أو بشكل إنسان أو خليط بين هذا وذاك يدفعه دفعا أن “يغزى الشيطان” ويدون ما لم يكن عليه شاهد عيان، موجها ومهيمنا عليه فيما يكتب عمن يكتب لمن يكتب. لا، لا شيء من ذلك على الاطلاق!!

فمصدر روايته ليست وحي لا لفظي ولا بالمعنى من أي قوة خفية غيبية تقوده أو تدفعه وتتداخل معه لفعل ذلك أو ترشده لما يكتب أو ما يجب ان يقول، بل هي بمبادرته، كما سبق القول، معتمدا فقط على ما قد سمعه وتتبعه بدقة [ كإنسان ] من شهود يفترض فيهم الصدق والأمانة “والعقل والتعقل” و “البعد عن الخرافة والهوى” من الذين كانوا معاينين “للكلمة” [ربما يقصد بها يسوع نفسه أو البشارة به أو اقواله ] أو الذين صاروا لهذه “الكلمة” خداما، أي مبشرين بدورهم، فهذه شهادة من شهود ومَن سمعوا عن شهود، وفقط. ولا ضامن لها غير تحققه “البشري” كمدقق فيما بلغه منهم عن موضوع روايته وهو يسوع، بغير ادعاء أي عصمة من أي نوع تظلله وتأخذ بيده وترشده أو تجنبه الخطأ فتعصمه من الزلل.

ثالثا: هل يتصور عاقل، مهما قل عقله أو كبر، أن مَن قال ما قاله في مقدمته هذه كان يتخيل مجرد تخيل أن ما تخطه يده لشخص، صديق عزيز، اسمه ثاوفيلس، وربما لجماعته ومعارفه، أنه يكتب “انجيل مقدس ” “كلمة الله الموحى بها والتي لا يأتيها الباطل من امامها أو من خلفها أو من بين رجليها “؟!!!

ولكن الاحداث اخذت مجراها بحيث صارت هذه الرواية في رسالة جزء من كلمة الله التي سيقوم لاهوتيين ورجال دين بتجميعها. مع التأكيد، وللحق والتاريخ، أنهم ورغم كل ادعاءاتهم لم يعتبروا انفسهم ابدا يقومون بهذا العمل -وهو تجميع كتب تصير كتاب مقدس واحد ينزل عليه الجميع – بناء على وحي أو إلهام من الروح القدس ولا عن رؤيا رآها احدهم أو اعلان سمائي او ملائكي من اي نوع، فأرشده لما هو موحى به، بل وضعوا قوانين بشرية توافقية اخضعوا كل كتاب لها فإن اجمعوا على انها قديمة وكاتبها من التلاميذ او الرسل او تلاميذ التلاميذ، وغير متعارضة مع ما يفترضون أنه الحق عن يسوع، قبلوه وإلا حكموا عليه بالابوكريفا [أي “المخفية” من حيث الترجمة، والمزورة المدسوسة اصطلاحا]

…..  

وهكذا صار العهد الجديد به اربع اناجيل فقط وقع عليها الاختيار من بين الاناجيل المنتشرة، مضاف إليه كتاب واحد باسم “اعمال الرسل” ينسب ايضا للوقا ومهدى كذلك لنفس هذا الصديق العزيز الذي لا نعرف عنه شيء تقريبا واسمه “ثاؤفيلس” كتكملة لباقي الرواية فيما يختص بسيرة مَن قاموا بنشر رسالة من حدث عنه اولا، هذا الكتاب الواحد الذي اختاروه – كتاريخ للرسل الاطهار واعمالهم واقوالهم – هو الذي ثلاث ارباعه عن بولس وحده دون سواه رغم انه ليس من تلاميذ يسوع اصلا!

بولس هو فقط معلم لوقا وصديقه وصاحبه في بعض اسفاره. فكتاب اعمال الرسل الذي بين ايدينا لا ذكر فيه تقريبا إلا لماما بأعمال بطرس، ويوحنا و يعقوب اخيه، وفيلبس – ولا ذكر مطلقا لأعمال اندراوس، وبرثولماوس، ومتى، وتوما، ويعقوب بن حلفى، وتداوس، وسمعان القانوي… الذين هم بالحقيقة تلاميذ يسوع المذكورين بأسمائهم في الاربع اناجيل في قائمة واحدة كما في (متى 10، مر 3، لو 6) أو بشكل متفرق كما في يوحنا، وهم الذين تسلموا من يسوع مباشرة ارساليتهم ليكونوا له شهودا في كل الامم (مت 28: 19 – مر 15: 16 – اع 1: 8) لا هذا “الدخيل” بالنسبة لمن هم بالحقيقة تلاميذ يسوع الذين دعاهم اخوة له ولهم فسر كل شيء وشرح لهم اسرار ملكوت الله ليعلنوها في وقتها شهادة للأمم قبل ان يأتي المنتهى.

فكان الواجب يقتضي بحكم المضمون أن يسمى كتاب الاعمال هذا بــ “اعمال بولس ” وليس “اعمال الرسل” الذين هم على هامش السيرة المباركة لرسولنا المبجل فيلسوف المسيحية الذي دعاه المتيمين به: ” الواحد بعد الأوحد” – [أي الاول بعد يسوع] ونحن نظنه “الواحد الذي ابتدع الأوحد”.

فلا عجب إذا، مادام هذا هو المنطق الحاكم للأشياء، أن يصير هذا المدعو بولس الذي لم يعرف يسوع حسب الجسد ولا سمع منه حرفا صار هو صاحب الرأي الفصل والقول الذي تنتهي عنده الغاية!! – وهكذا فمن الطبيعي جدا جدا جدا أن يكتمل العهد الجديد برسائل بولس، فيصير العهد الجديد فيه من اقوال وأعمال بولس أكثر مما كُتب على لسان يسوع نفسه، خاصة بعد ان صار يسوع ليس الإنسان الذي عاش بين التلاميذ، بل الكلمة – اللوغس الافلاطوني – بدء الخليقة وبكر كل المخلوقات، والجالس عن يمين الله يصنع مجدا، الحامل كل الاشياء بكلمة قدرته… والذي يقول فيها كل قائل ما يرى بما تفتق ذهنه به…. لقد قتلوا يسوع حقا، فعلوا ما عجز الرومان عن فعله، وخلقوا من ذكراه مسخ لو سمع يسوع به لربما مات كمدا.

ولكن اعجوبة الاعاجيب ليست في شخص بولس ولكن فيمن جعلوا من رسائل رجل، مهما على شأنه، ولو كان بولس نفسه، كتاب مقدس موحى به من الله بينما كان بولس تماما مثل لوقا ما عَلِم ولا عَلَم ولا اشار أو المح بدورة أنه يكتب رسائل ستصير جزء من كتاب الكتب، النص المقدس، كلمة الله الامضى من كل سيف ذي حدين خارقة إلى مفرق النفس والروح، والمفاصل والمخاخ، ومميزة افكار القلب ونياته… وإلا ما قال مثلا في قضية عرضت عليه حول زواج العذارى، فهداه عقله حسب رؤيته للأشياء في ضوء نهاية العالم الوشيكة الحدوث، إذ انه آمن أن يسوع المسيح المُقام عائد بمجد عظيم معلنا نهاية العالم وتطهير السماء والأرض من الاشرار وتحقق ملكوت الله، وعليه ومادمنا نعيش في وقت النهاية [ قال ذلك منذ 2000 سنة ] فما الداعي من زواج العذارى؟ فلتبقين بتوليات حيث ان الرب [ يسوع] على الابواب وشيك الحضور فما معنى الزواج أو الامتلاك أو الارتباك بهذه القضايا الصغيرة التافهة، فيقول: ” وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن، ولكنني أعطي رأيا كمن رحمه الرب أن يكون امينا ” (1 كو 7: 25)، فهو يقول كمن رحمه الرب ان يكون امينا، ولم يقل بوحي من الروح القدس الذي القى في روعي كما يوحي الي في هذا النص أو الرسالة التي ما هي بمشيئة انسان بل كلمة الله الناطقة بي…

وما كان تحدث في رسالة اخرى، صارت ايضا جزء من الكتاب المقدس المسيحي بين ايدينا، مجتهدا في خطأ علمي شنيع، في “سهوة” من الروح القدس الموحي، ناصحا تلميذه تيموثاوس بأن يشرب قليلا من الخمر لأجل اسقامه الكثيرة وآلام معدته، حيث يقول نصا: ” لا تكن فيما بعد شراب ماء، بل استعمل خمرا قليلا من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة. ” (1 تيم 5: 23)

ولا طبعا كان تحدث عن رداء نسيه فيقول بما معناه: “والنبي يا جماعة أي حد جاي من تراوس ما ينساش جلبيتي الي نسيتها عند الاخ “كرابس” مع الكتب ” (2 تيم 4: 13)

….

خلاصة القول، ان لوقا، على سبيل المثال، لم يدعي وحي ولا عصمة ولا انه يكتب انجيل للعالمين، يقولون عنه أنه جزء من كلمة الله التي ينطبق عليها ” تعسفيا ” ما نسب لبولس من القول ان ” كل الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر ” (2 تيم 3: 16) إذ انه عندما قالها لم يكن هناك عهد جديد قد كتب او حتى شُرع في كتابته، بل كان الحديث عن الكتاب العبراني –العهد القديم – فبخديعة لاهوتية تبشيرية تستخدم وحتى اليوم في كل اجتماع ومحاضرة عن الوحي لإثبات صحة النص ووحيه وسلطانه، تلقى على العوام هذه الآية وكأنها يقصد بها الكتاب المقدس بعد اكتماله بما فيها العهد الجديد، في حين انها قيلت قبل الشروع حتى في التفكير في كتابة نص جديد غير العهد القديم كقانون كامل ووافي للمسيحي لا حاجه لغيره.

وعلى العوام صارت ” كل الكتاب موحى به من الله ” لا تعني فقط العهد القديم، رغم انه وحده المقصود بها، بل وما لم يكتب عندما نطق بها بولس، وتستخدم هذه العبارة لتلقي بظلال كاذبة على ما جمع بغير وحي ولا إلهام بعد هذا القول بعشرات السنين – اكثر من 200 سنة، بمبادرة جماعات مسيحية اختلفت اشد الخلاف إلى حد اتهام احدهم للأخر بالهرطقة على تحديد أي الكتب هو المقدس والذي يمكن الاعتماد عليه في تحديد العقيدة الصحيحة حيث صار يسمع كل شيء وعكسه بين المسيحيين، وتتصارع الكنائس فيما بينها عليه، لذلك كان حتما ولابد من وضع حد لهذه الفوضى باختيار مجموعة كتابات في مجلد واحد، كان لبولس فيها نصيب الاسد على حساب الرسل بل على حساب يسوع الذي غرق ومات في كثرة الكتابات عنه من عقول مهوسة من اهل التوهم الانفعال العاطفي الذي يحمل الناس على العيش في عوالم موازية يرون فيها ما لا يراه غيرهم، حيث نسبت له كل شيء وأي شيء يعتبرونه خارق في زمانهم من باب التعظيم الذي قتل في النهاية يسوع التاريخي مرة وإلى الابد.

هذه الكتابات، موضوع مقالنا القادم، سنقسمها لثلاث مجموعات:

أولا – اناجيل غنوصية – عرفانية – ميستيكية (سرائرية) فيها يسوع بغير جسد مادي حقيقي.

ثانيا: اناجيل يسوع الإنسان الذي لم يكن اكثر من المسيا – المشيح- أي الممسوح ليكون ملك على اسرائيل كما أعتقد من اتبع يسوع من يهود الذين جاء لهم وهو منهم.

ثالثا: الاناجيل الخليط، التي ابقينا على اربعة منهم، والتي ارادت التوفيق، فكانت روايات مبهرة جميلة عن يسوع، ابن الله، ولكن عندما صارت مصدر لتحديد مفاهيم عقائدية محددة بدأ يتضح ليس فقط عدم كفايتها بل أنها مصدر بلبلة لا أول له ولا اخر إذ انها تحمل فعلا الشيء ونقيضه، المعنى وعكسه، الاعتدال والانحراف، ادعاء التعقل والتمسك بكل خرافة وتطرف.

وهذه المجموعات الثلاث من الاناجيل التي انتشرت بغزارة حتى القرن الرابع، لم تقبل منها الكنيسة إلا اربعة من الفئة الثالثة، ثم تفرغت لشن حرب شعواء على كل انجيل او كتاب غير ما ارتضته بموافقة القائم على سلطة السيف، الامبراطور المسيحي حامي الإيمان وحافظه، ولم تكتفي بالمصادرة والإتلاف أو حتى الحرق بل بتجريم حملها والبطش بحاملها، والتنكيل بمن يؤمن بها حتى النفي او القتل على هوى القائمين على الأمر… في برهان تاريخي لا ينكره إلا من جهل التاريخ لأجل الدوجما، ان النص فرض فرضا لا بوحي وإلهام. (وسنتناول هذا في مقال منفرد)

وهكذا وعلى هوى رجال الدين اصحاب السلطة في المؤسسة الدينية بدأ وتم تجميع الكتاب المقدس، الاسفار اليونانية، العهد الجديد، ورغم عدم ادعائهم في انتخابهم للكتب المشتملة على ما سيصير النص المقدس المسيحي المعتمد أي وحي أو عصمة من الله، – اخذناه نحن بالوراثة مُصرين على انه كتب بالوحي وجمع بإلهام رغم انف كتبته وجامعيه ومجمعيه!! أو لعله وحي “لاإرادي” وهو على كل شيء قدير!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, ارنست وليم and tagged , . Bookmark the permalink.