السلطة تدفع الطبقة الوسطى سريعا الى الهاوية

 د.رياض حسن محرم 

يبدو أن النظام المصرى القائم لا يسمح فى الواقع الاّ بوجود طبقتين، طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء، فجأة بعد تعويم الجنيه مقابل الدولار إنخفض مستوى دخل متوسطى الدخل الى النصف، فمن كان متوسط دخله الشهرى فى حدود 6000 جنيه يحقق له مستوى معيشة يوصف بالستر تحول بين ليلة وضحاها دخله الى ما يقارب من 3000 جنيه ما يجعله مضطرا الى تخفيض نفقاته مضطرا الى النصف تقريبا، تأتى أولوية ذلك التخفيض فى إستغنائه عن بعض أنواع الطعام  والمواصلات والملابس والترفيه، بينما هناك أشياء يجد صعوبة فى الإستغناء عنها أو التخلى عن الإنفاق عليها كمصاريف التعليم والدروس الخصوصية وما شابهها من مصروفات.

بلغة الأرقام، فأن أبناء الطبقة الوسطى في الوقت الحالى يجب أن تزيد دخولهم عن 5 آلاف جنيه شهرياً حتى يظلوا متشبثين بتلك الطبقة، وهو ما يعني تراجع نسبة أبناء الطبقة الوسطى بحوالى 50% دفعة واحدة، ففي العقل الجمعي للنخب المصرية فإن الطبقة الوسطى تتمثل فى تلك الأسرة التي تعيش في المدينة وتحافظ على أنماط سلوكية واجتماعية شبه ثابتة، التى هي معامل الأمان لتوفير التعليم الجامعي لأبنائها وتوفر لهم خدمة صحية معقولة ومستوى معيشة مناسب، هنا برزت طبقة وسطى جديدة بأنماط سلوكية مغايرة، مجموعات ضخمة من المهنيين والحرفيين والموظفين في الشركات الأجنبية والبنوك وكبار الموظفين التي قامت بتعليم أبنائها وحصلت على مكان ثابت في المدينة، فتشكلت أحياء مدينة نصر ثم امتدت في التسعينيات لتشكل حي أكتوبر وغيرها من الأحياء العمرانية الجديدة، علما بأن اتساع الطبقة الوسطى في العقود الأخيرة ترافق مع فشل الدولة في تحسين نوعية التعليم وخدمات الصحة والترفيه، فأصبح الطلب على التعليم الحكومي ينحصر على الطبقات الأفقر وينطبق نفس الحديث على خدمات الصحة والإسكان الحكومي، هذه المجموعة السكانية الضخمة تواجه وضعاً غير مسبوق بانخفاض دخلها الثابت الحقيقي بنسبة تزيد عن 50% وارتفاع الأسعار بنسب تزيد عن 100% على الأقل.

هذه الطبقة إذن في مواجهة أزمة لم تواجهها فى تاريخها، فقد أصبحت الوظيفة بدخل 5 آلاف جنيه ” وهى صعبة المنال” لا توفر لمن ينتمى اليها سوى حياة الفقراء، ليس معنى ذلك هو الإنقراض التام لتلك الطبقة ولكن وكما حدث سابقا سوف يحدث حراك إجتماعى يعيد تشكيلها مرّة أخرى،  كما حدث بعد ثورة 1952 وسقوط طبقة الأرستقراطية المصرية وصعود طبقة جديدة من العسكرين والتكنوقراط بدلا منها، وحدث ذلك أيضا بعد حرب إكتوبر 1973 والتحول الإقتصادى الحاد “الإنفتاح” من إنحدار طبقة “الأفندية” كما كان يسميها السادات وإستبدالها بشريحة أخرى من السماسرة والحرفيين والمهاجرين الى دول الخليج، وقد أطهر مسح أجراه البنك الدولي في 2016 أن الطبقة الوسطى شكلت ما يزيد على 10% من سكان مصر البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة قبل انتفاضات الربيع العربي مباشرة.

كان الجنيه يتداول عند 7.7 جنيه للدولار الواحد قبل تعويم العملة في نوفمبر 2017 الماضي، بينما إرتفع الى20 جنيهاً بعد التعويم، ويتداول حالياً عند مستوى من 17 الى 18 جنيهاً، مع ملاحظة عدم تحرك أحد من المسؤولين لتحريك الأجور لمواجهة تلك القفزة في الأسعار، وبعد تخطي التضخم 30 في المائة، إن من تقل أجرته اليومية عن 34 جنيهاً، نحو 1020 جنيهاً شهرياً، يدخل تحت خط الفقر الذي حدده البنك الدولي عند 1.9 دولار لليوم الواحد، بينما تضع الحكومة حداً أدنى للأجور عند 1200 جنيه شهرياً، ورغم ذلك فإنه غير مطبق في جميع المؤسسات، سواء حكومية أو خاصة، فيما تصل بعض المعاشات إلى 500 جنيه شهرياً، تغطي قطاعاً كبيراً من المصريين، ومازال ثمة حاجة ملحة لشبكة ضمان اجتماعي تحمي الطبقة الفقيرة من غلاء الأسعار وتحافظ على ما تبقى من الطبقة المتوسطة، وتشير بيانات غير حكومية إلى أن الطبقة المتوسطة في مصر انخفضت بأكثر من ثمانية وأربعين في المائة منذ عام ألفين وحتى عام ألفين وخمسة عشر لتمثل فقط نحو خمسة في المائة من المصريين الذين يتجاوز عددهم التسعين مليون نسمة، وبالرغم من تآكل الطبقة المتوسطة خلال ال 40 سنة الأخيرة فإن السنوات الست الأخيرة شهدت زيادة فى الأسعار جعلت الأسر المتوسطة تتراجع أكثر، بعد أن انزلقت أسر كثيرة منها لمستوى الأسر الفقيرة، وهذا يعد مؤشرا خطيرا جدا على أى مجتمع، فإن الطبقة المتوسطة هى دائما ما تكون نبض المجتمع، لما تحصل عليه من قدر كاف من التعليم والثقافة، تقدر من خلاله التعبير عن نفسها، وتوازن به المجتمع، ومن الملاحظ أن كافة الثورات الأخيرة قامت بها الأسر المتوسطة مع الأغنياء، وأبرزها ثورة 25 ينايرالتى لم تكن ثورة للفقراء

أن المستوى المعيشى للأسر المتوسطة يعنى حياة آدمية مع قدر معين من الادخار، يمنحهم الأمان، وأن أى زيادة فى الأسعار خاصة عندما تكون متتالية مثلما حدث فى السنوات الأربع الأخيرة تؤدى إلى تراجع المقاييس المعيشية، وبالتالى تنازل أسر كثيرة عن بند الترفيه وإلغائه من جدولها، فتضاؤل معدل زيارات السينما وألغى بند المسرح وتم الفضاء على فرصة المصيف، وتراجع مستوى الرعاية الصحية، ليصبح شغلهم الشاغل هو التعليم والمأكل والمشرب والمسكن، كضروريات للحياة، فى ظل دخلهم الثابت، إن أسوء ما قد يحدث من كوارث إقتصادية هو الكساد التضخمى، وهى أسوا درجة قد يصل إليها الاقتصاد، فالكساد راجع لتراجع حركة البيع والشراء، بعد ارتفاع الأسعار، يقابله زيادة لا تنقص فى أسعار السلع، خاصة إذا كانت الأسرة المتوسطة خارج منظومة الدعم، بمعنى أن لا تكون لديها على سبيل المثال بطاقة تموين، فيكون حالها أشد وطأة، كما أن أصحاب الدخل الثابت هم الأكثر عرضة للتأثر بارتفاع الأسعار، لأن أصحاب الأعمال الحرة يبادرون على الفور بزيادة قيمة خدماتهم فور زيادة الأسعار، وبالتالى يعوض من خلال خدماته عبء الزيادة فى الأسعار، ولا يشعر بها، ليظل ذوو الدخل الثابت فى صراع مواجهة الغلاء سواء كانوا موظفين حاليين أو سابقين أو دخل ريعى ثابت، فى مقابل ذلك فإن غلاء المعيشة جعل هؤلاء يلهثون فى السعى لإيجاد مصادر أخرى للدخل، فتجد المدرس وقد أهمل العملية التعليمية للتفرغ للدروس، وباع ضميره ببيع نسخة الامتحان والموظف الذى يسعى للانصراف مبكرا للعمل على تاكسى، يحقق له ربحا، أو الطبيب الذى بحث عن عيادة أو مستوصف فى حى شعبى لتحسين دخله، المشكلة ليست فى مطالب الحياة اليومية فقط بل تتجاوزها الى السكن، فمصر تعانى من نقص واضح في توفير إسكان للطبقة المتوسطة، إن ندرة السكن أثرت على حجم الطبقة المتوسطة، كثير من الأسر المتوسطة التى تسكن سكنا معقولا يضطر أبنائها للسكنى فى مناطق عشوائية، أن أرخص وحدات “رسمية” موجودة في منطقة الهضبة الوسطى بسعر 300 ألف جنيه، وأرخص وحدات إسكان اجتماعي يبلغ ثمنها 154 ألف جنيه، وهي أسعار مرتفعة مقارنة بدخول المصريين، وعموما إذا كان المتوسط العالمي لسعر امتلاك منزل هو ما يساوي 6 أضعاف الدخل السنوي،  فإن 54% من المصريين لا يستطيعون شراء شقة متوسطة السعر، وفي حالة الإيجار، فالمعدل العالمي ربع المرتب، وبالمقارنة بدخول المصريين، فعلينا أن نعلم أن أكثر من 50% من المواطنين لا يكفي ربع راتبهم لتأجير وحدة إسكان متوسط

تقدر صحيفة النيويورك تايمز أن قرابة 10 في المئة من الطبقة المتوسطة المصرية تنحدر الآن نحو الطبقة الفقيرة بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد،  وتضيف أنها ليست الطبقة المتوسطة فقط التي تعاني من الازمة، بل يوجد، بحسب التايمز، 23 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، وبيانات بنك “كريدى سويس”، المختص فى تقدير الثروات، شهدت مصر أكبر تراجع للطبقة الوسطى على مستوى العالم، منذ بداية الألفية وحتى العام الماضى، ويبدو أنها معرّضة لمزيد من التدمير، نتيجة الإجراءات التقشفية التى تبنّتها الحكومة، فى إطار برنامج الإصلاح الاقتصادى، أن الطبقة المتوسطة لن تواجه فقط غلاء الاسعار التي فرضته الحكومة بل أيضًا جشع التجار الذين استغلوا غياب الرقابة والحكومة الضعيفة لرفع الأسعار 300%، وتنافس مصر على صدارة العالم في تدمير الطبقة المتوسطة 4 دول، وهي الأرجنتين واليونان وروسيا وتركيا، بحسب تقرير كريدي سويس، لكن معدلات تآكل الطبقة المتوسطة في الدول الأربعة مازالت بعيدة عن الحالة المصرية، بفارق ملحوظ يصعب تضييقه خاصة بعد الإجراءات التقشفية الأخيرة في مصر، وبحسب كريدي سويس، فإن حجم وموارد وصحة الطبقة المتوسطة هي مفاتيح تحديد مدى سرعة واستمرارية التنمية الاقتصادية في أي دولة، كما أن الطبقة المتوسطة تكون دائما في قلب الحراك السياسي والتوجهات الاستهلاكية الجديدة، وهم أيضا الممولين للمشاريع الاستثمارية ولرواد الأعمال، إن الطبقة الأغنى ستتمكن من تقليل خسائرها عن طريق مدخراتها الدولارية والعقارية، كما أن التوسع في شبكات الحماية الاجتماعية من معاشات وسلع مُدعمة سيقلل أضرار الطبقة الأفقر، وهذا شيء جيد.. أما الطبقة المتوسطة، فليس لها من عاصم اليوم الاّ من رحم ربى ..السلام عليكم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, د.رياض محرم and tagged , , , . Bookmark the permalink.