الصّومُ بينَ روحانيةِ الأصلِ وطقوسِ اليوم

راني صيداوي  

لمّا كانَ مِنَ المُفتَرَضِ أن يكونَ صيامُ المَرءِ شأنًا خاصًّا لا يتعدّى بُقعةً رَوحانيّةً مصبوغَةً بنكهَةٍ دينيّةٍ بَحتَة، أصبَحَ الهَدَفُ العامّ منهُ تَقويمَ النّفسِ وتَهذيبَها دونَ الوصولِ إلى المُغالاةِ في حِرمانِها (الأمرُ الذي من شأنِهِ أن يعمَلَ على أذيّتِها). أي أنّ حقيقةَ الصّيامِ تنحَصِرُ في ذاتِ المرءِ معَ نَفسِه، ولا يجبُ أن تَخرُجَ مِن تلكَ البَوتَقةِ لتَشمَلَ الآخَرينَ، وإلاّ فَقَدَت مَغزاها وهَدَفَها الأساسيّ بأن تعلوَ بالنّفسِ البّشَريّةِ فوقَ كلِّ ما هوَ ماديّ.

 في بلادِنا للأسَف، مازِلنا نُصِرُّ على حَصرِ الصّيامِ بغُرفةِ الطّقوس الضّيّقةِ الخانِقَةِ، وهذا برأيي جَعَلَهُ يفقِدُ بَريقَهُ ليُصبِحَ ثقيلَ الظّلّ مُشَوّهَ الملامِح. حيثُ عَمِلَ المَرءُ فينا على تجريدِ الصّيامِ من لباسِهِ الرّوحانيِّ دونَ دِرايةٍ منهُ، حينَ عَمِدَ المسيحيّ منّا مَثَلًا على أكلِ ما مذاقُهُ مطابِقٌ للّحومِ لكنّهُ ليسَ لحمًا فعليًّا طيلَةَ فترَةِ الصّيام. مُعتَقِدًّا أنّهُ بذلِكَ أتمّ صيامَه على أكمَلِ وَجه. رغمَ أنّ ما فَعَلَهُ حقيقةً لهو خِداعٌ لِنَفسِهِ ليس إلاّ. أو حينَ يَعمَدُ المُسلِمُ منّا

على إلزامِ الآخَرينَ من حَولِهِ على الصّيامِ -تِباعًا- عَن أمورٍ من شأنِها أن تختبِرَ صيامَه هوَ. كأن يُجبِرَ أصحابَ المطاعِمِ على إقفالِ مطاعِمِهِم طيلَةَ فترةِ الصّيامِ في شهرِ رَمَضان. أو أن يَسُنّ قانونًا يُجَرّمُ ويُعاقِبُ كلَّ مَن يأكُل أو يدخّنَ على مرأىً من العامّةِ طيلةَ هذا الشّهرِ أيضًا. والقائمةُ هنا تطولُ، ولعلّ أكثَرَ ما يستوقِفُني بها، وما يثيرُ استهجاني هوَ الإلقاءُ بعباءَةِ التّقصيرِ الثّقيلَةِ لَوْمًا على لباسِ السّيّداتِ والفتياتِ في مُجتَمَعاتِنا. فأستغربُ مِن شخصٍ يصرخُ في وَجهِ فتاةٍ صادَفَها في الشّارِعِ تَلبَسُ بنطالاً عاديًّا و (تي شيرت) قائًلا: “استُري نَفسَكِ ودَعينا نَصومُ بِسَلامٍ أيّتها المُتَبَرّجة!”. لا يستوقِفُني في هذا المَوقِفِ حقيقةَ أنّ هذا الشّخص مثلًا، قد يكونُ بعُمرِ جدّ تلكَ الفتاةِ، على قدرِ ما تَستَوقِفُني حقيقةُ أنّ جملةً خطيرةً كهذهِ، إنّما تُعبّرُ عَن شعورٍ مُضاعَفٍ بالاستعلاءِ: مرّةً كَونَهُ ذَكَرٌ وهيَ أنثى في مجتَمَعاتِنا الذّكوريّةِ البَحتَةِ التي تَعتبرُ الأنثى شمّاعةً لهَفواتِ وأخطاءِ وحتى خطايا الذّكَرِ (مع أنّها وبنفسِ الوَقتِ تعتبِرُها “ناقصةَ عقلٍ ودين” كما يتغنّى شيوخُها في كلّ مناسبةٍ سانِحةٍ ليزرعوا في عقولِ أجيالنا البائسة وللأسف)، ومرّةً كَونَهُ صائمٌ ويقومُ بما فَرَضهُ اللهُ عليهِ إذْ فَضّلَهُ عَن جميعِ الأمَمِ والطّوائفِ والدّياناتِ الأخرى، حينَ اصطفاهُ  وأوجَدَهُ في ثنايا “خير أمّةٍ أخرِجَت للنّاسِ” أيضًا كما يتغنّى شيوخُ الظّلامْ. حيثُ يَفتَرِضُ ذلك الشّخصُ أوّلًا: أن تكونَ تلكَ الفتاةُ مَسيحيّةً فتحقّ عليها اللّعنةُ باعتِقادِهِ، وبالتّالي من حقّهِ -الذي مَنَحهُ لهُ الشّيوخُ- أن يُعنّفَها ويضيّقَ عليها حتى تحتَرِمَ شعورَهُ كَمُسلِمْ (فالجِزيَةُ لا تُدفَعُ فقط بالمال)، وثانيًا: أن تكونَ مُسلِمَةً تُقلّدُ غيرَ المُسلمينَ في لباسِها، وبالتّالي أيضًا تحقّ عليها اللّعنةُ، بإيمانِهِ بما أقنَعَهُ بهُ الشّيوخُ أيضًا من أمثِلَةِ “فلغيّرهُ بِلِسانِه”، مِن ثمّ الأمرُ عليها وليسَ النّصحُ لَها بأن تَستُرَ نَفسَها كَونَها “ناقصةَ عقلٍ ودين” وأيضًا باعتِبارِ وَلِيّها الذّكَر دَيوثًا كحُكمٍ نهائيٍّ، كَونَهُ قد “سَمَحَ” لها بأن تخرُجَ من البيتِ مرتديةً تلكَ الثّياب. والأمرُ غايةً في الخطورةِ إذاما أخذنا بعينِ الاعتبارِ ما يترتّبُ عليهِ من تفتيتِ كلّ أوصالِ المجتمعِ على المدى البعيدِ لأنّهُ يعبّرُ عَن اعتلالٍ نَفسي باتَ يرسمُ ملامِحَ مُجتمعاتِنا وللأسف.

  المُضحِكُ المُبكي في هذا الأمرِ هوَ أنّ مَن يطلُبُ منَ الفتياتِ والسّيداتِ أمرًا كهذا، فكأنّما يقولُ لكلّ مَن اشتمّ رائحَةَ الطّعامِ لديهِ تحضيرًا للإفطارِ قبل الأذانِ:” لا تطبخ! فرائحةُ طعامِكَ تثيرُ شهوَةَ الأكلِ لَدَيّ وتَحُثّني على الإفطار”. فعن أيّ صيامٍ وعن أيّ إفطارٍ يتحدّثُ هؤلاء!.

ونهايةً، لابدّ لَنا مِن أن نُعيدَ الصّيامَ لمرتبةِ الرّوحانيّةِ العاليةِ التي لطالَما اعتلاها. حتى نظفَرَ بهِ مُكتظًّا بنفوسٍ غنيّةٍ تهرَعُ  للوُصولِ إلى عَميقِ الأمورِ سلامًا، لا أن نُثقِلَ كاهِلَهُ بنفوسٍ تَلهَثُ وراءَ قُشورِ الأمورِ وتُحمّلُ البشريّةَ جَمعاءَ من حَولِها تَبِعاتِ صيامِها الظّاهِريّ.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, راني صيداوي and tagged , , , . Bookmark the permalink.