ثنائية البراءة والدنس

قراءة في بيت من لحم ليوسف إدريس

د.ندى يسري– مدرس الأدب المقارن بآداب الإسكندرية 

لطالما مثّلت الرغبة في المعرفة صنوا مكافئا لرحلة الإنسان اللانهائية من الراحة والسكينة إلى الشقاء والتيه، ويحفل التاريخ الإنساني بنماذج عديدة كانت المعرفة فيها الوجه الآخر للشقاء، بدءا من آدم وحواء ثم بروميثيوس وحتى وقتنا الراهن، فمن يعرف يثور على وضعه، فيكون البؤس مصيره الذي لا فرار منه.

يدخلنا يوسف إدريس في قصته الشهيرة (بيت من لحم) إلى عوالم متصادمة من اللذة المفقدودة والجهل اللذيذ، جنبا إلى جنب مع السلطة الأبوية المفتقدة التي تتحول بفعل الرغبة في التجريب إلى اكتشاف مذهل لأبعاد الأنا الأنثوية بعد أن تعرض على مرآة الجسد الذكوري.

حيث يوقظ غياب المقرئ الضرير المفاجئ عن غرفة الأرملة الشابة وبناتها المراهقات الدميمات اليتيمات إحساس هؤلاء النسوة  بالحاجة إلى النموذج الذكوري في حياتهن، فالبنات كن يعتقدن أنهن يفتقدن النموذج الأبوي الذي يمثل السند والأمان،  وأن زواج الأم سيجلب لهن العرسان، ” أليس من الأفضل أن تتزوجي قبلنا ليعرف بيتنا قدم الرجال “، أمّا الأم فقد ولّد غياب هذا الرجل الذي لم تكن تراه بفعل اعتياد وجوده تساؤلات المرأة بداخلها عن رغبات الجسد.

ولأنّ الجهل بالشيء لا ينفي وجوده، بل يؤكده أحيانا، كانت النضارة وماء الشباب اللذين تدفقا في وجه أمهنّ بعد الليلة الأولى لزواجها منه بمثابة الشرارة التي أيقظت بداخلهن الرغبة في التجربة “كفيف فليكن فما أكثر أن نعمى عن رؤية الناس لمجرد أنهم عميان”.

وكما كانت التفاحة رمزا لانفتاح عيني أبوينا الأولين في قصة الخلق على حقيقة رغباتهما الحميمة، كان الخاتم رمزا لتحوّل البنات من التنعم في الجهل البريء إلى الغوص في  لذة وألم المعرفة المحرّمة.

فقبل تناوبهن على ارتداء خاتم الأم لإيهامه أنّه يعاشر أمهن كن ينتظرن العريس وينظرن إليه على أنه صاحب عاهة ” هن مازلن يحلمن بالعرسان، والعرسان عادة مبصرون، مسكينات لم يعرفن بعد عالم الرجال، ومحال أن يفهمن أن الرجل ليس بعينيه”.

يحيلنا يوسف إدريس في (بيت من لحم) إلى مثلث الآفات المجتمعية قاطبة؛ التعامي، والصمت، والاحتياج؛ فالكل في حالة من العوز الدائم، فهو إمّا عوز مادي وإمّا عاطفي وجسدي، وكلنا في حالة بحث دائم عن مبررات لعجزنا عن الإفصاح والبوح بالحقيقة، فالأم تصمت بعدما تكتشف حقيقة تناوب بناتها على زوجها، تماما كما نصمت وندعي العمى عن أي فساد حولنا خشية أن ندفع ثمن المعرفة وثمن البوح بمعرفتنا، بل ويقودها الصمت إلى تقديم المبررات لهن ولصمتها عنهن:

” ها هي ذي كمن استيقظ مرعوبا عللى نداء خفي، البنات جائعات، الطعام حرام صحيح ولكن الصبر أبدا ليس مثل الجوع حرام، إنها تعرفه، عرفها ويبّس روحها ومص عظامها. وشبعت ما شبعت ومستحيل أن تنسى مذاقه، جائعات وهي التي كانت تخرج اللقمة من فمها لتطعمهن…”

أمّا الزوج فيتخذ من كونه أعمى مبررا وذريعة أيضا ليتذوق ألوان المتعة بعدد النسوة الأربع ” الأرملة وبناتها الثلاث والبيت حجرة والصمت الجديد والقارئ الكفيف الذي جاء معه بذلك الصمت، وبالصمت راح يؤكد لنفسه أن شريكته في الفراش حلاله وزلاله وحاملة خاتمه، تتصابى مرة أو تشيخ، تنعم أو تخشن، ترفع أو تسمن، هذا شأنها وحدها.”

وهنا يصبح الظلام والصمت وجهي المسكوت عنه في بيت اللحم الصغير، تماما كبيت اللحم الكبير الذي يتشاركه الجميع متخذين من العمى القسري أو المفتعل مبررا لهم، ومتخاذلين عن دفع ثمن المعرفة الباهظ، الذي يستوجب الانتقال من مرحلة الصمت إلى الكلام فالفعل.

 وبعكس انفتاح عيني الإنسان الأول على اللذة قرينة الإثم والمعرفة، تطفئ النسوة الأربع الأنوار ويغمضن أعينهن على اللذة المحرّمة التي باتت تشكل محور حياتهن،أمّا الزوج فقد بات يستمتع بعاهته التي باتت تتيح له الاستمتاع بالنساء الأربع، وكما يعطي كل متغافل عن الخطأ في المجتمع لنفسه الأعذار يردد الزوج الأعمى دوما: “ليس على الأعمى حرج”.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, ندى يسري and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.