قراءة لـــ إسماعيل مظهر

عبدالله خليفة  

في مقالته (أسلوب الفكر العلمي: نشوءه وتطوره في مصر خلال نصف قرن)، (19) يعرض الباحث إسماعيل مظهر وجهة نظره في النهضة العربية الإسلامية في المنطقة عامة ومصر خاصة، وهو يوجه نقداً شديداً إلى المصلح المعروف جمال الدين الأفغاني فيقول:

(تعلم  السيد جمال الدين الأفغاني منتحياً الأساليب العملية العتيقة التي عكف عليها العربُ منذ القرون الوسطى، فهو بذلك صورةٌ مصغرة أو مكبرة لعصر من العصور البائدة في تاريخ الفكر الإنساني. وهو بنزعته السياسية أشبه الأشياء في عصره بالحفريات التي تعيشُ بيننا بجثمانها وأن رجعت بتاريخها إلى أبعد العصور إيغالاً من أحشاء الزمن)، (20).

وينتقل إسماعيل مظهر من النقد العنيف للأفغاني إلى النقد العنيف لكل ما أنتجه العربُ فهو في رأيه غير جدير بالحياة فيقول:

(ذاعت بينهم مذاهبٌ فلسفية نقلها المترجمون)، (ولكنك لا تجد عندهم مدارس فلسفية يــُنسبُ إليهم ابتكارها. فليس لهم مدرسة تــُعزى إلى الفارابي أو ابن رشد أو ابن سينا مثلاً)، (21).

(هذه العقليةُ بذاتها هي التي ورثها السيد الأفغاني عن العرب. عقليةٌ وقفت عند حد الأسلوب الغيبي لم تتعده وتنكبت كل سبيل كان من الممكن أن يسلم بها إلى الأسلوب اليقيني.)، (22).

يقيمُ إسماعيل مظهر تعميماً فكرياً كبيراً، عبر جملٍ صغيرةٍ تختزلُ قروناً من التطور والإبداعات والمساهمات النقدية، فكلُ ثقافةِ العرب والمسلمين خضعت لفكر معين يسميه الفكر الغيبي، ولم تعرف ما يسميه كذلك (الفكر اليقيني)، وكلا التسميتان ترجعان إلى مصطلحات أوربية مأخوذة من مدرسة معينة، يقول إسماعيل مظهر:

(إذا كان ناموس جاذبية الثقل أعظم استكشاف وصل إليه العقلُ البشري في عالم الكون والفساد، فإن قانون (الدرجات الثلاث) الذي كشف عنه الفيلسوف الكبير (أوغست كونت) لأكبر اكتشاف وصل إليه العقل البشري في الطبيعة الإنسانية. وإن متابعتنا لشرح هذا القانون لهي النواة التي تدورُ حولها أبحاثنا)، (23).

يجعلُ إسماعيل مظهر بؤرةَ التطور النهضوي في ابتكارِ النظريات العلمية فهو يبتدئ التاريخ الأوربي بنظرية الجاذبية، ثم بالوضعية الاجتماعية، والمصطلحات التي يستخدمها هي مصطلحاتٌ مستعارةٌ من هذه المدرسة الأوربية الأخيرة التي قسمت التاريخَ الإنساني بشكلِ مراحل معرفية، فهو يعتبر بأن هناك (قانون ضروري يخضع له العقل)، ولهذا فإن كلَ مدركاتنا وفروع معرفتنا وتجاربنا التاريخية لا بد أن تمر بالمراحل الثلاث:

(الأولى اللاهوتية أو التصويرية التخيلية، والثانية الميتافيزيقية الغيبية، أو المجردة، والثالثة اليقينية الإثباتية أو الواقعة)، (24).

ويقومُ بتفسيرِ تعدد هذه المراحل بشكل يعود للعقل نفسه، فيقول:

(.. أن العقل الإنساني فيه بطبيعته كفاءة لأن ينتحي ثلاثَ طرق مختلفة للتأمل من حقائق الأشياء وطبيعته في كل من تلك الطرق تختلف عن الأخرى تمام الاختلاف، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها تتضاد تمام التضاد)، (أما الأسلوب الأول فخطوة ضرورية يبدأ بها العقل في سبيل تفهم الحقائق أو البحث عن مصادرها، وأما الأسلوب الثالث فهو يمثل العقل في آخر حالات ارتكازه على الحقائق البارزة الملموسة. وليس الأسلوب الثاني إلا خطوة انتقالية تتوسط بين الأسلوبين)، (25).

يقومُ إسماعيل مظهر عبر هذا المنهجِ بإدخالِ العرب والمسلمين في المرحلة الثانية من منهجه طبقاً للمخطط التاريخي المعرفي الذي قال به أوجست كونت، وهو مخطط لأنه يشمل الإنسانية جمعاء، فيضع لها مراحلَ معينةً، كذلك فإنه مخططٌ معرفي لكونه يتعلقُ ب  [العقل]، وبطرقِ التفكير التي سادت حسب قوله هذه المراحل، ووسمت كلَ مرحلةٍ بطابعٍ خاص من التفكير الذي يختلف عن سابقه.

إن العقلَ هنا منفصلٌ عن بنائه الاجتماعي الذي تكون فيه، بل أن العقلَ هو الذي يشكلُ المرحلةَ والتاريخ والبناء الاجتماعي. 

إن العقل المجرد تتشكلُ فيه قوى ونزعاتٌ تحددُ هذا التطور وكأن العقلَ يتطور من داخله، كقوةٍ غيبية مفارقة، فهو يبدأ مرحلةً ولكننا لا نعرف كيف ولماذا يتحول عنها وينتقل إلى المرحلة الأعلى منها.

إن العقل في الدرجة اللاهوتية (يبحثُ في طبيعةِ الأشياء وحقائقها، وفي الأسباب الأولى والعلل الكاملة، يبحثُ في الأصل والماهية والقصد من كل الأشياء التي تقع تحت الحس. وعلى الجملة يبحثُ في (المعرفة المطلقة) وهناك يفرض أو يسلم بأن كل الظواهر الطبيعية ترجع إلى الفعل المباشر الصادر عن كائنات تختفي وراء الطبيعة المرئية)، (26).

يقومُ هنا بتجريدِ الأفكارِ السحرية البدائية المتعددة عند ظهور الإنسانية الأول ويصفها بأنها [ عقل ] يبحث في [ الأسباب والعلل الكاملة ] في حين إن الوعي البدائي السحري كان يسقطُ مشاعره وانفعالاته على الطبيعة، فتصبح الظاهرات الطبيعية حيةً تعكس ذاته، ولهذا فإنه لا يبحث عن العلل الكاملة أو يبحث في طبيعة الأشياء، وهذه المرحلة الأرواحية تتمظهرُ بعدئذٍ في الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، وتتحول بعدها إلى كائنات [ تختفي وراء الطبيعة المرئية ] حقاً وكما يقول.

وإسماعيل مظهر هنا لا يبحثُ هذه الظاهرات الفكرية بشكلٍ متكامل مع البُنى الاجتماعية البدائية التي ينشأُ فيها هذا الوعي، ومن هنا يقومُ بعملياتِ سلقٍ للتطورات الفكرية، ولا يقرأ عمليات توزعها الجغرافي، أو تناقضاتها الداخلية، أو حتى تداخلاتها مع المرحليةِ الدينية على تنوعاتِ هذه الأخيرة، وصلة ذلك كله بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية، ففي حين تبقى مناطق جغرافية كأفريقيا مستمرةً في المرحلة الأرواحية لضعف تطور قوى الإنتاج، تتوجه مناطقٌ أخرى إلى مستوى أرقى بسببِ تطورات البنى الاجتماعية – الاقتصادية.

فالعقلُ هذه المفردةُ الفكريةُ ليست مُشكَّلةً بمثل هذا التجريدِ الغيبي، فهي تعبرُ عن مجملِ العملياتِ الفكريةِ – الفنية التي تجري لجمهور معين لزمن معين، فإذا كانت تعبرُ عن العملياتِ الفكريةِ الباحثة عن سببياتِ الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، فإن السببيات هنا مُـغلفةٌ بعمليات الإسقاطات الطفولية لهذا الوعي على الأشياء وعلى العمليات الفكرية، فالآلهة مثلاً تتجسدُ كقبيلةٍ سماوية، تحكمُ الوجودَ وبإمكانيات خارقة، وهي بهذا تعبرُ عن عجز القبيلة الأرضية  وطلبها للمساعدة من هذه القوى الماروائية.

لكن ذلك لا يزول إلا بتطور القبيلة الأرضية واستقرارها الزراعي والمدني الخ.. فعملياتُ الاستقرار والصراع الاجتماعي والسياسي تعيدُ تشكيلَ هذه المادةِ الفكرية السحريةِ باتجاهاتٍ يبلورها ذلك التطور المعقد في التمدن وعبر التأثيرات الأجنبية والصراعات السياسية والحربية والتجارة الخ..

فالعقلُ ليس هو العصا التي تسوق الماشية البشرية نحو المراعي الخضراء، بل هو عملياتٌ فكريةٌ مركبة معقدة، يتداخلُ فيها اللاعقلُ والعقل، أي المراحل السحرية والمراحل التالية الدينية والعلمية والموضوعية، فكلمة العقل ليست سوى تجريد يمثل عمليات اكتشاف الوجود الموضوعية..

ومن هنا فإن إسماعيل مظهر يقومُ بإحضارِ لوحةٍ تقنيةٍ أوربية، ويقومُ بتركيبها على الجسمِ العربي الإسلامي المسيحي المدد فوق طاولة التشريح، فهو يرى بأن هذا الجسم قد عبر المرحلة اللاهوتية السحرية ولكنه لا يزال في المرحلة الميتافيزيقية الغيبية، ولكنه بعد لم ينتقل إلى المرحلة الثالثة اليقينية فإذن لا بد من قطع هذا الجزء من الجسم وإدخاله إلى المرحلة الثالثة.

وإذا كان هذا صحيحاً فليس ثمة دراسة لهذا الجسم، أي لا توجد قراءة للمرحلتين السابقتين وكيف تجسدتا وتداخلتا وأسباب تشكلهما وبقائهما الخ..

فهو ينطلق من تكامل ونظافة المرحلة الثالثة التي تشكلت أوربياً لكي يضع شعاراتها فوق الجسد العربي – الإسلامي – المسيحي، القديم والحديث، دون أن يقومَ بقراءة عبر هذه الشعارات نفسها لذلك الجسد بأن يبين متى وكيف بدأت المرحلة السحرية ومتى وكيف بدأت المرحلة الدينية، أي أن يدرسَ الحضارات القديمة في المنطقة ثم الوسيطة، وبالتالي يصلُ إلى الأسباب التي أعاقت هذه المرحلة الدينية الأخيرة من الانتقال إلى المرحلة  [ اليقينية ]، أي إلى المرحلة الرأسمالية المعاصرة لزمنه.

إن مصطلح [ اليقينية ] سيُعرف عند تيارات أخرى لاحقة بأسماء أخرى تقلل من طابعه الغيبي الميتافيزيقي ليغدو أقرب إلى الرؤية التقنية المستعارة من الثقافة الغربية، فيصيرُ التحليلُ اللغوي التجريبي، أو البنيوية، وغير ذلك من تسميات، تنقلُ آخر منجزات التقنية الفكرية الغربية، وتضعها في أدوات بحثها.

وإذا كان إسماعيل مظهر يمر بسرعة شديدة على خمسة قرون من التحولات النهضوية العربية بتضاداتها المختلفة، فإنه يقف وقوفاً مماثلاً عند نهضة مصر الحديثة، دامغاً إياها بالعقم.

فهو يصف ثورة 1919 المصرية بأنها [ لم تمس من الحياة الكامنة في الأمة شيئاً ] وهو يقصد هنا إزالة طابع الوعي الديني المهيمن، فهو يقارنها بالثورة الفرنسية الكبرى التي قامت على جهود الموسوعيين والفلاسفة الاجتماعيين (بل على مجهود سلسلة من العظماء، تعهدوا الفكر الكامن في طبقات الأمة المنتقاة منذ عهد ديكارت بتلك الفكرات الثابتة التي يذهب أثرها إلى أبعد غور من أغوار الحياة الخفية في نفس الأفراد والجماعات)، (27).

تغدو المقارنة بين مصر المحتلة من قبل السيطرة الإقطاعية التركية التي كرست البناء التقليدي المتخلف لعدة قرون، ثم لم تفلح إقطاعية أسرة محمد علي في تغييرها بشكل كبير، ثم جاء الاحتلالُ البريطاني وكرس البناء الإقطاعي وجعله تابعاً، وبين فرنسا المنسلخة عبر عدة قرون من السيطرة الإقطاعية والتي شكلت رأسمالية صناعية متجذرة في أرضها، تصبح هذه المقارنة لا تاريخية، ومطالبة مظهر بأن يعيدَ المثقفون المصريون التاريخ النهضوي الفرنسي بشروط وضعهم الخاص، أمراً غير ممكنٍ، وبهذا فهو يفصل مراحل أوغست كونت التي تشكلت في تلك البيئة الفرنسية المتطورة عقلياً، عن تاريخها الخاص فهي تتويجٌ فكري بحثي لنهضوية فرنسا وأوربا في تحليل التاريخ الفكري السحري والديني السابق لتجاوزه، ونقل مثل هذه الأداة البحثية إلى وسطٍ آخر متخلف، لم تكن له الشروط الاجتماعية والمعرفية من معامل وجامعات ونخب ثقافية واسعة وجمهور كبير متعلم، هو زراعة لنبتة في شروط مغايرة.

ولهذا لا يقومُ مظهر بعقدِ مقارناتٍ تحليليةٍ بين فرنسا منتجة المراحل الثلاث، وبين مصر التي استضافت جمال الدين الأفغاني. بين فرنسا التي تشكلُ العلمانيةَ وتضع أسساً لثورة تقنية واسعة، وبين مصر الغارقة في الإنتاج الزراعي وهيمنة الإقطاع وحيث يلعبُ الدينُ أداةَ الوعي الأساسية، لهذا تغدو التقنية المستعارة من فرنسا لديه، غير قادرةٍ على تحليل البناء الديني – السحري المصري الإسلامي المسيحي، حيث هي منتزعةٌ من بناها الاجتماعية، ثم هي تطبقُ بشعارية إلغائية بدلَ أن تغوصَ في تحليلِ البناءِ الخاص لديها، لترى مستوياته المختلفة.

هذه العمليةُ الإيديولوجية الشعارية الرافضة لبناءٍ قديم لا تقوي وجودَ هذه الأداةَ المعرفيةَ المنقولة من وسطٍ إلى وسط آخر، ومن مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية مختلفة، بل هي تضعفها، عبر فقدان التحامها بأرضيةِ التحليل ومواده.

ولهذا فإن مثلَ هذه الصرخات التقنية التحديثية لا تقود سوى إلى صرخات واسعة من الجانب المضاد، من البناء الغيبي الثقافي السائد الذي يُهاجَّم بكليته، فيتمُ استبعادَ هذه التقنيةِ المفيدة في بعض جوانبها من دائرة الوعي الواسعة بوصفها منتجات تقنية هادمة ل [ إرث الأمة المقدس ].

وهكذا فإن أمين الخولي يقوم بالرد على إسماعيل مظهر بأسلوب مضاد فيقول:

(إن هذا الإسلام شيءٌ آخر غير ما تسمعونه عن الأوربيين من أمر اللاهوت. إن لديهم كنيسة وسلطة ورجالاً يربطون ويحلون، قد وقفوا في سبيل العقل.. الخ..)، (28).

 

   (19): (20)، (21)، (22): (قضية الفلسفة، ص 504).

(23)، (24)، (25)، (26): (المصدر السابق، ص 503).

(27): (المصدر السابق، ص 505).

(28): (مقالة الخولي أسلوب الفكر العلمي، المصدر السابق، ص 508).

ــــ ـــ ـــ ـــ ــ  ـــ

انظر عبــدالله خلـــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, عبدالله خليفة and tagged , . Bookmark the permalink.