قراءة لــ طه حسين

عبدالله خليفة  

للعقل العربي الحديث قصةُ تكونٍ، ونسميه عقلاً، بهذا التجريد، لأنه أراد أن يكون بهذه الصفة، وصفة العقل تعني بأنه يستخدم السببية في قراءة الظواهر، فالعقل هنا منهج في فحص الأشياء واكتشاف قوانينها.

وهذا الاستيرادُ من الغرب لكلمة العقل، وطرق استخدامها، هو جزء من مناهج الفئات الوسطى العربية وهي تستعير من قاموس قريناتها الغربية، أدوات لمماثلة تجربتها وتحقيق سياق نهضوي مشابه.

وقد عبر ديكارت في بدء العصر الحديث عن منهجية العقل هذه قائلاً :

[ أنا أفكر إذن أنا موجود].

وإذا قمنا بقراءة لهذه الأنا، فهي ليست أنا فردية محضة، بل أنا المثقف الفرنسي في بدء الحداثة، وهو يحاول أن يجد سياقاً مبرراً لتطور الوعي خارج الدين، فالوعي البرجوازي هنا يتشكل بين عالم العصر الوسيط الغارب، والعصر الحديث الذي لم يتشكل كلياً بعدُ. ونحن سنأخذ وعي ديكارت في هذا الفصل كوعي اجتماعي عام مؤجلين رؤية تفاصيل هذا الوعي عبر تداخله لاحقاً مع تطور الوعي العربي وهو يخرج من مرحلته الأدبية إلى مرحلته الفلسفية، حيث ذاك تكون المقارنات داخلية معبرة عن أبنية فلسفية عبر العصور ولكن هنا لا نزال في الأفق العربي الثقافي الأدبي عموماً. فهنا ديكارت مجرد أداة معرفية هي الشك.

وعيُ ديكارت يقول أنا أفكر معرفياً خارج الدين، إذن أنا كفكر حديث موجود، ولكن تفكيري يخرج من [ الأنا]، من هذه الطبقة الحديثة الفردية، التي لم تعلن بعد العلمانية الكلية، ولا تزال بعدُ بين الدين والحداثة، بين وعي العصور الوسطى العقلي، ووعي الحداثة العقلي الجديد، ( 29 ).

إنه عقلٌ حديث لا يرفض كلياً العقل الديني القديم، ومن هنا يكون دليل ظهور تفكيره وجود الله، ولهذا يقول لو لم يكن الله موجوداً لم أستطع أن أفكر، فلأنني أفكر فمعنى هذا إن الله موجود.

إن عقل الحداثة البرجوازي وهو يسوق فرديته، لا ينسلخ هنا من البنية الاجتماعية الإقطاعية التي لا تزال مهيمنة، في النظام الملكي وفي سلطة الكنيسة الكبيرة، ولكون عقل الحداثة البرجوازي الفرنسي هذا لم يصبح بعد عملاقاً، كما سيجري الحال في القرون التالية بعد القرن السابع عشر هذا، بعد تراكم مشروعاته، فإنه يستمد شرعيته من الماضي، فأنا ديكارت هي تعبير عن الفئات الوسطى التي لم تصبح بعد طبقةً قائدةً لمشروع الحداثة، أي أن شرائح هذه الطبقة لم تزل بعدُ مبعثرةً، في تكوينات تجارية، وعقارية، وصناعية، ولم تصبح الثورة الصناعية والعلمية قوة لإنتاج الرأسمال الصناعي العملاق.

ولهذا فإن صيغة [ أنا أفكر..] تعبر عن العقل النظري، عن عدم تلاقح العقل بالمعمل، عن ضعف التحام الفئات البرجوازية الفرنسية، ومثقفيها، بالإنتاج الصناعي.

أنا أفكر وليس أنا أعمل، أو أصنع، فأنا موجود، أي أنني جنين الطبقة البرجوازية أتشكل عبر هذا الوعي العقلي، معطياً الكنيسة والملكية حصتيهما من المصداقية العقلية، فلهما مشروعية العقل الديني السياسي القديم، ولكنني أنا جنين الطبقة القادمة، لي مشروعية وعيي، واعترف لهما بأساس الوجود الاجتماعي الإيديولوجي.

يعبر العقلُ البرجوازي الفرنسي في ميلادهِ الديكارتي، عن مستواه التقني المحدود، حيث لا تتناسجُ هنا أدواتُ العقل والمعمل، وبينهما هوةٌ سببها مستوى تطور الصناعة الفرنسي المحدود قياساً بجارتها القائدة إنجلترا وزميلتها التابعة هولندا، حيث بدأ المشروع الصناعي الواسع، حيث انتجت إنجلترا [ فرنسيس بيكون ] لا ديكارت.

بين منهجي الفيلسوفين مستوى التطور الصناعي العلمي المتداخل، فعندما يقول ديكارت أنا أفكر، يقصد تفكيره المستقل في المكتب، ورؤيته الفردية، الباحثة عن الأسباب في ظواهر طبيعية واجتماعية مدروسة بشكل نظري عقلي، معزول عن شبكة الطبيعة والمجتمع.

يواصل ديكارت منهجية العقل الباحث السابق في القرون السابقة، ولكنه يفصله عن العقل الديني، وهو لا يفصله ليربطه ب [ التجريب ] بل بالتحليل والبحث النظري، فتعبر جملة أنا أفكر، أي أنا فكرٌ عقليٌ مستقل عن الدين الذي له منهج مختلف في قراءة الطبيعة، فمنهجي، يقول ديكارت، منهجٌ عقلي مستقل، يبحث في الظواهر بموضوعية، وبلا سببيات مُسبقة، وهو يكتشفها داخلها عبر البحث والتأمل، الذي هو المصداقية الأساسية في العقل.

لكن العقل العربي ( البرجوازي ) لم يبدأ ديكارتياً، بل كانت جملته :

[ أنا أستورد.. إذن أنا موجود! ].

لم يكن نصيب فرنسيس بيكون المفكر البريطاني وهو يؤسس منهجية علمية في الحضارة الغربية، كنصيب ديكارت، في عمليات الاستيراد العقلي العربي، فقد حظي الأخير باهتمام كبير في هذا الوعي وهو يحاول أن يردد صرخة ديكارت :

[ أنا أفكر إذن أنا موجود! ].

لا يعود ذلك إن العقلَ المصري الحديث، وهو بؤرةُ العقل العربي في وقت تشكله، لم يعرف بيكون، أو أن العلاقات الثقافية الفرنسية – المصرية وهي العلاقة التي تشكل بها الوعيُ الحديث المصري وهو يرى العالم كانت كبيرة، بل أن الأمور تعود إلى جوانب أكثر تعقيداً.

لقد كانت اللغة الإنكليزية أكثر حضوراً في الترجمة والبحث، وكانت الهيمنة البريطانية قوية على العقل المصري والعربي عموماً. 

 ونقصد بالعقل هنا، طريقة تفكير الشرائح الوسطى العربية التي استعارت لفظة العقل، لتجعلها بديلاً عن لفظة الوعي، ولتجعلها بهذا لغة تجريدية، تــُصادرُ بها عملياتَ البحثِ الملموسة والموضوعية في البُـنـى الاجتماعية.

لكن مع هذه السيطرة البريطانية السياسية، فإن الوعي البرجوازي المصري وهو يتشكلُ في مخاضهِ الفكري، كان يتوجه إلى النموذج الفرنسي لا النموذج البريطاني في تشييد منهجية البحث. ومن هنا قال عميد الأدب العربي، طه حسين يقول : أنا أفكر إذن أنا موجود، وأعلن تبنيه لمنهجية الشك.

لكننا قبل أن نقرأ طه حسين في مقولته الديكارتية الإيجادية، علينا أن نعرف لماذا رفضوا فرنسيس بيكون؟

إن فرنسيس بيكون هو أبن الحداثة البريطانية، ومنذ سنة 1600 بدأ ظهور منهج فكري جديد في تاريخ العالم وهو [ المنهج التجريبي].

[وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت فيه أعظم المذاهب التجريبية، أعني مذاهب فرانسيس بيكن، وجون لوك، وديفد هيوم ]، ( 30 ).   

ويقوم هذا المذهب التجريبي على اعتبار الإدراك الحسي هو مصدر المعرفة ومعيارها النهائي، فجان لوك يعتبر ذهن الإنسان صفحة بيضاء حين يُولد. ولكن بيكون لم يقصر المعرفة على التجارب بل اعتبر العقلَ أداةَ تحليلٍ وجمع تالية للتجربة، وبهذا وضع الوعي الحديث على أساس متين.

لقد اعتبر بيكون الفلسفات السابقة بأنها أشبه ببيوت العناكب، فهي تصنعُ بيوتها من داخل نسيجها، في حين إن الفلسفةَ العلمية الحديثة هي مثل النحل، تصنع بيوتها من خلال رحيق الطبيعة وعبر التجربة.

إن فلاسفةَ التجريب الإنكليز هم ظواهر إنسانية عقلية هي حصيلة للتطور الصناعي والعلمي البريطاني، وقد بدأت عملياتُ التصنيع في بريطانيا مبكراً، ولم تظهر هنا صرخة ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، بل صرخة مختلفة، هي أنا أصنع فأنا موجود.

وبدلاً من مثقفي فرنسا العقليين الذين يفكرون من خلال مكاتبهم، ويتابعون الفلسفات العقلية القديمة، كفلسفة أرسطو، التي كانت نادرة التجريب، وقائمة على التأمل، فإن المفكرين البريطانيين اندفعوا للمعامل يحّكمونها في دراسة المواد.

إذن فإن فرنسيس بيكون وجان لوك بدأا في تشريح أفكار البشر الفلسفية العقلية النظرية، فبدأت منظومات التأمل الميتافيزيقية والسحرية في الانهيار.

ولا بد هنا من أخذ دور العالم الإيطالي الكبير جاليلو جاليلي الذي سدد الضربات الهامة للمنظومة الفلكية العتيقة التي جعلت الأرض محور الكون، وحددت السماء عبر منظور خرافي، لكن بلد جاليلو ( إيطاليا ) لم تستمر في عملية الثورة العلمية، حيث أخذت بؤرة الثورة تنتقل إلى غرب أوربا.

إن انتقال الوعي العلمي التجريبي إلى بريطانيا التي كانت المعمل الأول للثورة الصناعية هو الذي فجر عصر الحداثة. ولهذا كان فرنسيس بيكون مؤسس المنهج التجريبي، وهو المنهج التي أثبتت القرون التالية إنه الأهم في إنتاج ( عقل ) حديث.

لقد وضعت المدرسةُ البريطانية ما يسمى بالعقل الحديث لدراسة المادة عبر المعامل، وحينئذٍ لم يكن المجتمع قد أُدخل في هذه الدراسة، فتركزت العملية العلمية على فحص المواد الطبيعية.

وبدلاً من فلسفة العصور الوسطى الدينية التي ربطت قوانين المادة من خارجها، بدأ الوعي الحديث باكتشاف قوانين المادة من داخلها. وهنا أخذت فروعُ العلوم الطبيعية : الكيمياء والفيزياء والرياضيات، في التحول إلى قيادة للوعي المعاصر. لقد اتسعت الاكتشافاتُ والاختراعات في هذه الفترة، وخاصة اكتشاف إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية، الذي تداخلت فيه الفيزياء والقوانين الرياضية، فبدأ الاحتلال البشري العلمي للسماء، أي للمجموعة الشمسية، أي في المساحات الكبرى التي يمكن تطبيق قوانين حركية ميكانيكية واسعة عليها، وكان في هذا الاحتلال إعادة لجعل قوانين الطبيعة داخلها.

لقد سدد نيوتن ضربات حاسمة إلى منظومات العصر الوسيط الفلكية، وللآراء أرسطو عن هيمنة فلك ما تحت القمر، وأرواح الكواكب وهيمنة النجوم الخ..

لقد أعطى القرنان السابع عشر والثامن عشر مادة علمية ضخمة في كشف المادة والمكان، الأمر الذي أدى إلى تطور هائل للصناعة المترافقة مع الكشوف الجغرافية واتساع العالم الغربي جغرافياً واجتماعياً، ولكن في القرن التاسع عشر بدأ الفكر التاريخي بالنمو والتبلور عبر دارون وماركس والعديد من العلماء الآخرين، فلم تعد المادة الطبيعية فقط هي المدروسة بل المادة الاجتماعية، التي بدأ تطبيق قوانين مختلفة على دراستها.

وإذا كان المنهجان العقلي والتجريبي هما السائدان في الوعي البرجوازي، الذي رفض القراءة التاريخية والاجتماعية لتطور الوعي والتاريخ، فإن هذا كان يعبر عن تحييد العلوم وابعادها عن الصراع الاجتماعي الدائر في المجتمع الغربي، وبين المجتمعات الغربية والعالم المستعمر.

إن ديكارت وبيكون يظلان يمثلان الخطين الأولين للمنهج العقلي والتجريبي والميكانيكي في هذا الوعي، ولكنهما سيمتزجان في توليفات تالية، وسنجد تداخلاتهما في مناهج مختلفة، كمنهج ماركس الذي جمع بينهما وعبر قراءة التطور التاريخي للمادة المدروسة، فالبضاعة لديه تتحول إلى الجرثومة الأولية لتضادات الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، والذي يقومُ بدراسة قوانين ظهورها ونموها، مستعيناً بالإحصاءات الدقيقة عن هذا التطور الاقتصادي التاريخي المركب وذلك في كتابه [ رأس المال]. وهنا نجد إنجازات العلوم التجريبية البريطانية المتمثلة في الاقتصاد السياسي البريطاني، الذي يقوم بفحص وتشريح الاشتراكية الخيالية الفرنسية بالأخص، ويدمرها عبر التحليل الموضوعي للحياة الاقتصادية. هذا لا يعني إن ماركس لم تكن لديه استنتاجات سياسية مُسبّقة فرضها على البحث العلمي كذلك إضافة لتباين مراحل تطور فكره : مرحلة الشباب، فمرحلة أقصى اليسار، ثم مرحلة النضج الأخيرة.

لكن العلومَ، حسب رؤى البرجوازيات الأوربية، أخذت تدخلُ في أزمةٍ عميقة. فالمناهجُ الاستقرائية تركز على المادة المفصولة عن شبكتها الطبيعية، وتعجز القوانين الميكانيكية عن قراءة الحركة الدقيقة للجزئيات، وأخذت الاحتمالية الكلية واللادرية، وخاصة شكوكية الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم، عن الاعتراف بقانونية وموضوعية قراءة المادة، في تشكيل أزمة ثقة بالعلوم، وسوف نتابع العلائق بين الفكر الغربي بتعددِ اتجاهاته والفكر العربي بمختلف اتجاهاته من خلال تطور هذا الأخير نحو التجريد الفلسفي.

إذن حين قال طه حسين : أنا أشك إذن أنا موجود، كانت صيغةً أقل قوة من صيغة ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود!

وطه حسين لم يعلنها صراحة بأنه موجود كأنا طبقية برجوازية تؤسس عصر النهضة العربي الحديث، وشكوكيته هنا القادمة من عصر ديكارت والمتأثرة بخطاه، سارت إذن في المنهج العقلي، المتصف بضعف التجريب، والمعتمد على التحليل العقلي الصرف، بما يسود فيه من فضاء فكري مهيمن، ومتوجهاً إلى الأدب وهو ليس ميداناً حاسماً في المواجهة مع التراث المحافظ، حيث توجه ديكارت إلى الفلسفة، وهي الميدانُ الحاسم في الصراع الفكري، ولهذا فإن طه حسين كان ذا عدة أدبية بدرجة أولى، لكن التأثيرات الفلسفية المضمرة كانت موجودة في هذا الأدب عبر تسرب الاتجاه الميكانيكي والوضعي والجدلي الواقعي لكن ليس فيها منهج حاسم. 

أنا أشك إذن أنا موجود، اعتبرها طه حسين طريقة لإعادة إنتاج عقل عربي حديث، يقومُ في البدايةِ باستعمال الشك وتوسيعه في كافة ظاهرات البحث والدرس، وقد اعتقد إن استخدام هذا المنهج وتطبيقه على ظاهرات الثقافة كفيل بتوسيع استخدامه في كافة القراءات للمجتمع العربي المتخلف.

لكن زمان ديكارت كان قد انقضى عليه أكثر من قرنين، انطلقت فيه مناهج أخرى، وفي العقل البرجوازي نفسه، كان المنهج التجريبي قد انتزع مكان الصدارة.كذلك كان المنهج الدارويني الاجتماعي والمنهج المادي التاريخي والجدلي الماركسي، قد اثبتا حضورهما في الوعي الحديث.

إن عودة طه حسين إلى ديكارت، يؤكدهُ المسارُ العربي التقليدي الراكد، الذي لم تهزهُ الثورةُ الصناعية، وحين بدأت مصرُ الدخول فيه، عبرته من خلال الصناعات الاستهلاكية : السكر، والنسيج الخ.

ولم يكن لطه حسين علاقة بالمناهج التجريبية أو بالمادية التاريخية، وقد صارع بقوة المناهج الأزهرية المتخلفة في درس التراث، وكان هذا الصراع الفكري المنهجي هو الذي يؤسس نظرته إلى العالم، فهذه [ التجربة ] الشخصية كانت المعمل لإنتاج وعيه.

كان [ الشيخ ] التقليدي ماثل في وعيه، وهو الذي يراه كعائق أمام تحديث العلوم، لكنه أخذ الشيخ الديني كطرائق في البحث، وكأساليب في درس التراث، وليس كبُنية اجتماعية عتيقة، أي كجزء من منظومة سياسية تقليدية هيمنت على المسلمين، ولهذا فقد شهر سيفه أي قلمه في وجه هذا الشيخ المفصول عن النسيج الاجتماعي، وعن منظومةِ الإقطاع الغارزة حرابها في الجسد الاجتماعي، وحين كان يكتبُ عن أبي العلاء المعري، فقد اتخذ صنوه من العصر العربي القديم، ليس للاشتراك في العاهة الجسدية والتغلب عليها فقط، بل لمستوى الوعي المتقارب بين الرجلين، المعري في عصره العربي الإقطاعي المتفتت، وطه حسين في عصره العربي الإقطاعي المتفتت والمتُكون مجدداً.

وإذا كانت الشكوكية والسخرية والنقد المرير اليائس قد ظللت فيلسوف معرة النعمان، فإن الشكوكية البناءة المتفائلة ستكون النسيج الروحي لعميد الأدب، وهو يحاول أن يُخرج الأمة من الظلام إلى النور، مثلما هو يشكل خطاه على الأرض الدامسة، جامعاً بين فرنسا الحرة وإعادة تشكيل مصر الحرة.

وقد بينت معركة كتاب [ في الشعر الجاهلي] طابع منهجية أنا أفكر المصرية التي أنتجها طه حسين. فالشك قاده إلى التشكيك المعقول بصحة الشعر العربي الجاهلي، لكن هذا الشك لم تسنده قراءات اجتماعية واقتصادية في بنية العرب الجاهلية قبل الإسلام، فقد أخذ الظواهر التعبيرية وإشكالياتها الحقيقية في معزل عن اللوحة الاجتماعية التاريخية المتكاملة. فأصدر حكمه بعدم حقيقية هذا الشعر الجاهلي. وقد عبر المنهج الشكوكي هنا عن قراءة عقلية فنية وفكرية غير غائصة في الجذور الاجتماعية للشعر والنثر الجاهليين، فجاءت أحكامهُ غير دقيقة علمياً. فكان للمنهج العقلي الشكوكي هنا نتائج مضادة للجوانب التي يبتغيها من نشر المنهج العقلي الباحث. لكن أسئلة طه حسين المهمة والكبيرة أدت إلى بداية البحوث في تاريخ العرب، والتي سينجزها باحثون آخرون. في حين ظل هو على عناده من مسألة الشعر الجاهلي المنحول، فأضاع فرصة في قراءة جذور التكون الإسلامي.

وفي وقت صدور الدراسة اتخذت القوى السياسية المصرية المتصارعة الكتاب القنبلة – والذي لم يهتم الرأي العام فيه إلا بجمل صغيرة تشكك في بعض النبوات، والتي حُذفت في الطبعات التالية للكتاب – اتخذت من الكتاب أداة لتسوية حساباتها السياسية.

فخطة القصر الملكي والاستعمار بتقوية الجماعات المذهبية واضعاف حزب الوفد، اصطادت الكتاب وحرضت الجماعات المتعصبة فما كان من حزب الوفد إلا أن هاجم المؤلف ( الموتور)، وبهذا دخل حزب البورجوازية المصرية في سلسلة الدفاع عن النظام الإقطاعي الديني، بدلاً من أن يقود معركة العلمانية والديمقراطية بعمق.

بينت معركةُ كتاب ( الشعر الجاهلي ) المعسكرات الاجتماعية والسياسية والتي ستدخل معركة التحديث العربية بتردداتها وإنجازاتها وهزائمها، وهو هيكلٌ عامٌ اجتماعي واقتصادي لم يتغير نوعياً خلال القرن العشرين بل وربما أزداد ميلاً صوب المحافظين، بسب اكتشاف الثروة النفطية في المناطق الأقل تطوراً من العالم العربي.

ولكن يهمنا هنا استلال الخيط الفكري العقلي التحديثي وهو يتكون في المواد الاجتماعية البسيطة.

فطه حسين بتقديمه هذه اللوحة التشكيكية في التراث العربي الجاهلي، انطلق من أسئلة موضوعية بدون قراءة مادية تاريخية للعصر المدروس، بل من جانب رؤية مُسبّقة في اعتماد منهج الشك، ورفض المادة الوفيرة التي تؤكد صحة نسبة كبيرة من هذا الشعر إلى عصره. لكن الأهم في كل ذلك هو اعتماد الدراسة على جوانب فكرية مفصولة عن سياقها التاريخي في الماضي والحاضر، وبالتالي عدم تلاقح مذهب الشك مع أدوات البحث التاريخي الموضوعية، واكتشاف سياق التطور العربي، وأهمية الإسلام كثورة تجديدية في حينها، وأهمية رؤية دور مكة التجاري البرجوازي كمدينة تحاول أن تشكل عالماً نهضوياً، تم إدخاله بعد هذا مع تكون الإقطاع وتطوراته في عمليات الفتوح وبسبب آثارها الاقتصادية. أي أن الأدب الجاهلي كان يعكس جذور دور طبقة برجوازية (حرة) كانت تعيد تشكيل مجتمع أبوي، يدخل تواً العصر الطبقي.

أي أن الفئات البرجوازية المصرية التي دخلت العصر الحديث كمثيلتها القرشية المكية، دخلته وهي تابعة للبرجوازية البريطانية، ومتداخلة مع الإقطاع السياسي الملكي الحاكم والديني، فلم تستطع أن تطلق صرخة ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود!

بل كانت كلمة طه حسين أنا أشك، فأنا حائر، تائهٌ بين الطرق الاجتماعية.

إن الفئات الوسطى المصرية كانت كلمتها في الواقع : أنا استورد واصدر، وليس أنا أصنع فأنا موجود، فكانت معامل التجريب نادرة، وكان الفكر العقلي الذي تنتجه طالعاً تواً من الأزهر، فلم يستطع أن يقرأ حاجاتها الموضوعية، وأن يقود معركتها التحديثية.

 لنلقي نظرةً تشخيصيةً حول فكرته عن العقل.

إن اقتراب طه حسين من الفكر الفلسفي نجده في الصفحات الأولى من كتابه : ( مستقبل الثقافة في مصر ) الذي يقدمُ فيه خطةً عامة لتغييرِ نظام التعليم في مصر، والجمعُ بين هذا الفكرِ النظري العام وقضيةِ التعليم تحديداً، هو قمةُ عمل النهضويين )العلمانيين )، الذين اقتصروا على البثِ الثقافي وليس العمل السياسي والاجتماعي المباشر، حيث صعّد طه حسين تدريجياً التنويرَ الأدبي ليغدو نضالاً سياسياً تبلور عند التعليم، وذلك بسبب تصور التنويريين المثالي عموماً بكونِ الثقافةِ هي أداةُ تغيير التخلف، لكن هذه الثقافة مصاغةٌ داخل آليات بنية الإقطاع المذهبي وليس لاجتثاث هذه البــُنية مما يؤدي بهذه الثقافة نفسها أن تكرس تلك البنية لا أن تهدمها كما كانوا يتصورون.

ولهذا فإن منطلقات عميدِ الأدب طه حسين شبهِ الفلسفية في مقدمة هذا الكتاب تتطابقُ وخطته لتغيير التعليم في مصر التي أعلنها في هذا الكتاب سنة 1938 ثم طبق أساسياتها حين صار وزيراً للتعليم في حكومة الوفد بعد ذلك. 

وفي هذه المنطلقات فإن مسألة ( العقل ) تغدو بؤرةً مركزيةً في عمليةِ إنتاجِ المفاهيم وتطبيقها، ولهذا يقول :

( فهل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟ وبعبارة موجزةٍ جلية أيهما أيسر على العقل المصري : أن يفهمَ الرجلَ الصيني أو الياباني، أو أن يفهم الرجلَ الفرنسي أو الإنجليزي؟ )، ( 31 ).

يعممُ طه حسين الوعيَّ المصري وتياراته في أزمنته المختلفة في تعبيرٍ متجوهر هو ( العقل ) مما يُعطي لهذا العقل خصائصَ عامةً مجردةً خارجَ الزمان والمكان. فالعقلُ المصري يغدو بهذا الوعي واحداً سواء كان في زمنِ التاريخ المصري القديم في زمن الفراعنة أم كان في زمن التبعية لليونان والرومان أو زمن الدخول في السيطرة العربية أو في زمنه الحديث، فكل هذه التشكيلات التاريخية والسيرورة الاجتماعية لا تغير من طبيعة العقل المصري الواقف فوق الوجود.

ولهذا فإن ( العقلَ ) المصري وهو يشتبكُ مع الغزاة والعقول الأخرى يظل محتفظاً بهويته الجوهرية حسب منطق طه حسين المثالي المفارق، وهذا العقلُ الذي يجعله حضارياً بشكلٍ ميتافزيقي منذ أن ظهر في الوجود، يصطدمُ مع التأثيرات الشرقية غير العقلانية مثلما غزا الفرسُ مصرَ رغم أنهم كانوا تعددين بخلافِ ما يعرضُ طه حسين هنا أي لم يفرضوا ديناً : ( ومعنى هذا كله واضح جداً : وهو أن العقل المصري لم يتصل بعقل الشرق الأقصى اتصالاً ذا خطر، ولم يعش عيشة سلم وتعاون مع العقل الفارسي، وإنما عاش عيشة حرب وخصام ) ( 32 ).

إذن إذا كان هذا العقلُ متجوهراً على نفسه وخارج الشرق وهو فيه، كيف يستمدُ مقوماتِهِ وكيف ينتجُ عقلانيتَه؟

يقول الدكتور طه حسين بأن بناءَ العقل يتمُ من خارجه عبر المحيط الجغرافي فيقول : ( أن العقل المصري منذ عصوره الأولى عقل إن تأثر بشيء فإنما يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط )، ( 33 ).

ومن هنا فهو يجعلُ العقلَ المصري ( أوربياً ) قبل أن تظهر أوربا الرأسمالية الحديثة، لكن عبر نموذجها الأولي المتمثل في حضارة اليونان، التي قام العقلُ المصري نفسه بتغذيتها بالعلوم والفنون، ولكن هذه التغذيةَ الثقافية تظهرُ في شريطِ طه حسين التاريخي بلا سببيات وبشكلٍ مجردٍ، ولكنه وهو في هذا التجريد يستدركُ قائلاً بأنه من الحق ( أن نعترف بأن مصر لم تنفردْ بالتأثير في حياة اليونان، ولا في تكوين الحضارة اليونانية والعقل اليوناني، وإنما شاركتها أممٌ أخرى، كان لها حظٌ موفورٌ من الحضارة والرقي.. )، ( 34 ).

إن العقلَ الحضاري إذن هو من نصيبِ جماعاتٍ تعيشُ على ضفافِ البحر الأبيض المتوسط، وكأن في هذا البحر خصائصَ سحريةً تعطيه قدرةَ جعل الشعوب العائشة على ضفافه أن يكونَ لها عقلٌ وحضارة، وليس أن هذه الحضارات نتاج أساليب الإنتاج المتقدمة والمتباينة فيما بينها، ولهذا فإن طه حسين لا يعرضُ أسبابَ الديمقراطية اليونانية وانتفاء هذه الديمقراطية من أساليب الحكم الشرقية ( الحضارية )، ولا مظاهر كون الثقافة اليونانية متعددة من مادية ودينية في حين كان الشرق دينياً شمولياً، ولهذا فإن ميزات هذا العقل المصري أو الشرقي الحضاري عامةً، الشمولي الديني يُطَّابقُ بالعقلِ اليوناني المتعدد الأفكار، وهو أمرٌ يقودُ إلى إخفاءِ التباين العميق بين الثقافة في ظل أنظمة العبودية العامة كما في مصر والعراق والشام، التي سادتها الأديانُ الحكوميةُ المستبدة، وبين اليونان التي عرفت الاتجاهات الفلسفيةَ المادية المتنوعة ثم الاتجاهات المثاليةَ المتعددة بعد ذلك، بسبب تعدديةِ المدن والسلطات وظهور برجوازية حرة.

وخلافاً لرأي طه حسين البحري فأن ظهورَ العقل الديمقراطي في اليونان نتاجُ تطور الصناعات والتجارة الحرة غير المحكومة بإدارة الدولة، وهي الظروف التي أتاحت التعليم الحر والثقافة الحرة، بعكس ما فعلته المنشآتُ التعليمية الكهنوتية المصرية والعراقية والشامية الخ، ولهذا فإن الموادَ الثقافيةَ المشرقية المقدمة إلى اليونان المفيدة والمؤدية للتطور لم تؤخذ في زنازينها الحكومية الغيبية المشرقية، بل أُدرجت في أبنيةِ مدنٍ يونانية مختلفةِ الاتجاهات، وفي المدن الديمقراطية أدى ذلك إلى فلسفات مادية ومثالية موضوعية كفلسفتي ديمقراطيس وأرسطو، وفي مدن استبدادية وعبر نمو الاستبداد في المجتمع اليوناني عامةً أدى ذلك إلى ظهور فلسفات مثالية دينية معادية للعقل الخ..

إن فصلَ طه حسين العقلَ المصري عن منطقتهِ العربية – الإسلامية – المسيحية الشرقية وتعليقه في فضاءٍ جغرافي لا تاريخي، أي وضعَهُ داخلَ إطار ما أسماه ( أسرة الشعوب التي عاشت حول بحر الروم ) ص 14، يستهدفُ غايات تحويلية شمولية تحديثية، أي بمعنى إن عمليةَ الفصلِ هذه التي تــُشكَّل بمنهجيةٍ لا تاريخية تجريدية، تسحبُ مصرَ من سيرورةِ تكونها الاجتماعية التاريخية الموضوعية الحقيقية، وتعلقها في وعي مُسقطٍ على التاريخ وهو وعيٌ شموليٌ إداري حكومي، وليس بمنهجية ديمقراطية شعبية، فتقومُ هذه المنهجيةُ بفصلها عن تكونها الحقيقي، وتوجدُ لها رابطةً موهومة، هي رابطةٌ إيديولوجية مُسقطة من مثقفٍ تنويري يستهدفُ غايةً جيدة لكن بشروطِ وعي غير علمية.

ومن هنا يهاجمُ الشكلَ العادي الموضوعي المبسَّط من الوعي العام مصراً على قطعهِ لمصرَ عن نسيجِها العربي الإسلامي المسيحي الشرقي : ( فأما المصريون أنفسهم فيرون أنهم شرقيون، وهم لا يفهمون من الشرق معناه الجغرافي اليسير وحده، بل معناه العقلي والثقافي )، ( ولكني لم أستطع قط، ولن أستطيع في يومٍ من الأيام، أن أفهمَ هذا الخطأ الشنيع أو أسيغ هذا الوهم الغريب. ) ( 35 ).

إن طه حسين وهو يستهدفُ غايةً نبيلةً وهي ربطُ مصر بأوربا النهضوية الحديثة يستخدمُ منهجاً إيديولوجياً يحطمُ فيه أسسَ التاريخ ويشكلُ تاريخه الإيديولوجي الخاصَ الموظفَ لخدمةِ تلك الغاية السابقة الذكر. 

 يقول : ( ومن المحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين، ووحدة اللغة، لا تصلحان أساساً للوحدة السياسية ولا قواماً لتكوين الدول ) ويضيف : فالمسلمون أنفسهم منذ عهد بعيد قد عدلوا عن اتخاذ الوحدة الدينية واللغوية أساساً للملك وقواماً للدولة. )، ( 36 ).

إن طه حسين هنا يرفض بديهيات التاريخ، فعلى العكس كانت الوحدةُ الدينية – اللغوية أساسَ تكونِ الدول القديمة، فالإمبراطوريةُ الإسلامية قامتْ على تلك الوحدة المزدوجة، وكانت تلك الوحدة في بدايتها عملية نهضوية واسعة، وبهذا فإن الإسلامَ واللغةَ العربية وضعا أساسين لتشكلِ ولنهضةِ أممٍ متعددة، ولكن نظراً لسيطرةِ طبقةٍ استغلالية في مركز هذه الإمبراطورية ورفضها عمليات الإصلاح من قبل الفئات الوسطى المدنية، فإن هذه الإمبراطوريةَ تفككت، وبالتالي بدأت اللغاتُ القوميةُ في الظهور وإزاحة اللغةِ العربية في بعض الأقطار، في حين احتفظت أقطارٌ أخرى بهذين الأساسين، فيما عُرف بالدول العربية الإسلامية. وظل هذان الأساسان فيها، حتى حاولت الإمبراطوريةُ التركيةُ تغييرَ الأساس اللغوي العربي لحضارةِ المنطقة فلم تستطع.

والغريب في منطق طه حسين أنه ينقلبُ عن هذا الرأي حين يمنهجُ التعليمَ في مصر معتبراً الإسلامَ واللغة العربيةَ أساس هذه المناهج التربوية حتى في المدارس الأجنبية!

وفي رؤية طه حسين هنا نقرأ تعميمات تجريدية خاصة في تعبيري (الدين) و (اللغة)، فالدين، الإسلام، لم يعدْ هو أساس وحدة الإمبراطورية الإسلامية أو الدولة الإسلامية، بل المذهب، فالأساسُ الإسلامي العام التوحيدي زال، وغدت الدولة مذهبيةً، والمذهبُ الديني الموظفُ حكومياً صار أداةَ السيطرة للطبقة الإقطاعية، مُفرغَّـاً من طابعهِ الإصلاحي ومحوَّلاً إلى أشكالٍ مُفرَّغةٍ من دلالاتها الشعبية النهضوية الأولى، كما أن ( اللغة ) العربية الفصحى تيبست ثم أصبحت محصورةً في دوائر ضيقة بسببِ سياسةِ تلك الطبقات الإقطاعية في تقليصِ الثقافة والتعليم وحياة المنتجين المادية وبالتالي أدى هذا إلى تكونِ وصعودِ اللهجات العامية الخ.. 

ولكن هذين الأساسين – أي الدين واللغة – تشكلا في زمنِ الدول التقليدية، أي في زمن سيطرة الإقطاع، وبالتالي فإن مسار التعميم لدى طه حسين، كما هو سائد كذلك في الوعي العربي التقليدي عامةً، ليس دقيقاً فالانتقال من الإسلام العام إلى المذاهب هو أمر مختلف، بمعنى أن انتقاله من شكلٍ إلى شكلٍ آخر، هو بسببِ جملةٍ من التغيرات والصراعات التي انعكست على البنية الداخلية في الدين. أي بسبب انتقال الإسلام من دين شعبي إلى دين حكومي مُسيَّطرٍ عليه من قبل الأقليات الاستغلالية.

ولهذا فطه حسين بعد أن أنتزعَ مصرَ من سياقها العربي الإسلامي وعلقها في فضاءِ بحرِ الروم حيث تنتمي إلى دائرة الأمم الأوربية، عاد وأفرغ التاريخَ العربي الإسلامي من دلالاته الموضوعية وتطوره الحقيقي، يقول :

( فأما نحن فقد عصمنا الله من هذا المحظور ووقانا شروره التي شقيت بها أوربا. فالإسلام لا يعرف الأكليروس ولا يميز طبقة رجال الدين من سائر الطبقات. والإسلام قد ارتفع من أن يجعل واسطة بين العبد وربه. فهذه السيئات التي جنتها أوربا من دفاع رجال الدين عن سلطانهم لن نجنيها نحن إلا إذا أدخلنا على الإسلام ما ليس فيه وحملناه ما لا يحتمل. )، ( 37 ).

إن هذه لغةً تجريدية لم تدرس المسار الفعلي لتطور الدولة العربية الإسلامية، فعبر تحول الدولة الإسلامية من دولة ( شعبية ) إلى دولة للأشراف تم إعادة تشكيل الوعي الديني المسيطر، وكذلك غُيرت طبيعة رجال الدين حيث قــُرب الموالون وصارت الأحكام تراعي دول الاستغلال، وأُضطهد المعارضون، ونـُحيت مسألة الملكية العامة العائدة للمجتمع وتم تشكيل أشكال مذهبية معارضة متعددة، ولكن عموماً لم يستطع المدافعون عن الجمهور أن يشكلوا فقهاً مسيطراً، في حين سيطر الفقهُ الموالي لدول الاستغلال على تعدد أوجهها المذهبية.

وبهذا نشأ لدينا أكليروس من طبيعة مختلفة عن الأكليروس الأوربي، الذي كان وحده على السلطة في العصر الوسيط، في حين كان الأكليروس الديني لدينا مجردَ تابعٍ ومشاركٍ للسلطةِ السياسية، لكنه كان اكليروس كذلك!

لقد صارت السلطة دينيةً وصار المذهب سياسياً وكلاهما مشكلان من قبل طبقات الأقلية الحاكمة، ولهذا فإن أوجه النهضة الفقهية والأدبية والفكرية المضيئة هي من إنتاج الفئات الوسطى التي حاولت أن تقاومَ ذلك التكريس المحافظ ولكنها لم تستطع أن تحيلها إلى ثقافة سائدة، وقامت قوى الأقلية بإعادة صهر النتاج الديني الثقافي ليصير على ما هو عليه في القرون الأخيرة من تكلس وتبعية للهيمنة الحكومية.

ولهذا فإن خلاصةَ طه حسين تبدو مضادةً للواقع : ( فالمسلمون إذن قد فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة، وهو : أن السياسة شيء والدين شيء آخر، وأن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العملية قبل أن يقوما على أي شيء آخر. )، ( 38 ).

ولننتبه هنا إلى كلمة ( أصل من أصول الحياة الحديثة ) وهي كلمةٌ لم يصرح بها طه حسين وهي كلمة ( العلمانية ) أي فصل الدين عن السياسة، ولكن هذا الفصل لم يحدث إلا بشكلٍ جزئي، فالحكامُ كانوا سياسيين ولكنهم مذهبيون كذلك، أي أن سيطرتهم على المنافع العامة جعلتهم يسيسون الدين بشكل معين، إلا أن عملية الفصل الشاملة بإعطاء الإسلام حريته لم تحدث، وظلوا مهيمنين على إنتاج الدين وإنتاج الثروة معاً، واستمر ذلك حتى زمن طه حسين وهو يكتب كتابه.

إن عدم تحليل طه حسين لسيرورة الإسلام بشكل موضوعي، أي تعليقه في فضاء مجرد من الصراع الاجتماعي، في الماضي، يقوده إلى إنتاج نفس الخريطة المجردة في العصر الحديث. أي على إبقاءِ الدينِ خاضعاً للأقليةِ الغنية المسيطرة على الثروة والسلطة.

ولهذا فإن طه حسين وهو يكتب كتابه السابق الذكر ( مستقبل الثقافة في مصر ) كان يتصور عملية الفصل بين الدين والسياسة قد تمت لدى المسلمين وليس ثمة حاجة للنضال من أجلها، وأن مصر الدينية الإقطاعية في عصره مماثلة في وجودها الاجتماعي لأوربا الرأسمالية العلمانية، وهذا التصور قد تشكل بسبب عدم قراءته للتطور الاجتماعي المختلفِ بين المشرق وأوربا، فهو أولاً يعزلُ مصرَ عن نسيجها الجغرافي الاجتماعي، معلقاً إياها في فضاءٍ إيديولوجي تنويري مثالي، جاعلاً إياها متجوهرةً مرتفعةً عن بُنى التاريخ الموضوعية، ثم ينقل هذا التجوهر إلى مفردات الدين والعصر. فتنتفي الفروقُ النوعية بين تطورِ مصر الإقطاعية المذهبية وتطور أوربا الرأسمالية العلمانية. فكلاهما سواء ولا تحتاج مصر لتكون أوربية كاملةً سوى إلى اندماج ثقافي حداثي وليس إلى تغيير سياسي واجتماعي كبيرين. أي أنه يقفزُ على مهمةٍ كبرى لم تنجز.

إن كتاب ( مستقبل الثقافة في مصر ) الذي كتبه طه حسين هو محاولة لإنتاج عقل حديث، ولكنه يعجز عن إنتاج مثل هذا العقل، كما فعل ديكارت في فجر التحديث الأوربي. فديكارت الذي توجه نحو الفلسفة أنتج معرفة لادينية، أي معرفة تفتحُ الطريق لنمو التجريبية الخالصة ولتحرير العلوم الطبيعية من أسر الكهنوت. في حين توجه طه حسين للأدب، وشكل عقلاً مجرداً لا تاريخياً، كرس المحافظة الدينية الميهمنة على المناهج التربوية.

فصياغته لعقلٍ مجردٍ لا تاريخي ولا طبقي، جعله يجردُ الدين واللغة والثقافة عموماً من كونها أدوات في الصراع الاجتماعي، فالفكر الديني المحافظ الذي كرسه الإقطاع المذهبي عبر القرون السابقة، ليس هو منتجٌ إسلاميٌ عام، بل هو منتجُ الأشراف والقوى العليا التي هيمنتْ على المسلمين والمؤمنين عموماً. ولهذا فبدون فحصِ ونقد هذا المُنتَّج المتنوع وتقديمه خاماً مسيطراً على العقول عبر التعليم، لا يؤدي ذلك إلى خلق عقل ( تنويري ) بل يؤدي إلى توسيع المحافظة الدينية اليمينية، وحين يخطط ثم يبني طه حسين تعليماً متوسعاً ديمقراطياً في امتدادته، ثم يقدمُ نفسَ المادة الدينية المحافظة فهو يقوي الاتجاهات غير التنويرية التي أراد تغييرها. إنه يوسعُ التعليمَ لكي تسيطر عليه القوى الشمولية خلافاً لأمنيته.

يقول :

( ولا يخطر لأحدٍ من أشد الناس محافظةً أن يحظر درس بشار وأبي نواس ولا أن يطلب من السلطان تحريق ما ورثنا من آثار الفلاسفة والزنادقة والمجان الذين لا يرضى عنهم الدين.. )، ( 39 ).

إن هذا الذي يستبعدُ طه حسين في زمنه وقوعه قد حدث فعلاً في زمن تالٍ، وهذا يعودُ لأن قادةَ الفئات الوسطى الفكريين والسياسيين، طرحوا مفاهيمَ مجردةً كمسائل العقل والدين واللغة والثقافة عموماً، ولم يدرسوها كمنتجات في بُنى اجتماعية متضادة القوى والطبقات، وبالتالي قاموا بالترويج لفكر العصر الوسيط المحافظ، وكانوا يقولون بأنهم يعيدون إنتاج أوربا الحديثة مصرياً وعربياً.

إن طه حسين يجعلُ طبيعةَ الدولة المصرية المعاصرة وطنية عامةً مجردةً : ( أول واجبات الدولة أن تحمي بعض المصريين من بعض)، فتغدو الدولة هنا جهازاً فوق الطبقات، مثلما جعل الثقافةَ وعياً فوق الطبقات، وجعل فلسفةَ ديكارت والفلسفة الأوربية الحديثة عموماً شكلاً إنشائياً : أنظر قوله ( إن الذين يزعمون أن ديكارت كان خلواً من الروح إنما يقولون سخفاً ويهذون بما لا يعلمون )، ص 67. فهل هي قضية ديكارت الروح أم قضيته فصل الفلسفة عن الدين وخلق اتجاه تجريبي علماني؟

 وتغدو الديمقراطيةُ لدى طه حسين كذلك تنويراً ثقافياً وليس بنيةً حديثة ذات قوانين مختلفة عن قوانين بنى العصر الوسيط.

إن هذه اللغةَ الإنشائيةَ الخطابية غير التحليليةِ غير الفلسفيةِ، لن يكون بإمكانها أن تناقشَ القضايا المحورية في البنية الاجتماعية المعاصرة، أي أن تربط مسائل الثقافة وعلاقتها بالتشكيلات التاريخية، وأن تقرأ أنواعَ الوعي المرتبطة بالطبقات، وأن تحدد مسارَ التحول ونشاط القوى الفاعلة الثورية، وبهذا فإن هذه الرؤية لا تصل إلى المفاهيم المجردة الفلسفية العامة كالضرورة والسببية والحرية والقانون الاجتماعي والطبيعي الخ.. وهي عبر وعيها الأدبي تريد أن تقيمَ استراتيجية اجتماعية كبرى، ويترافق هذا مع فئات وسطى متداخلة مع الإقطاع، فتغدو الحداثة متداخلةً مع المحافظة الدينية، وتصير العلمانية في نسيجٍ كهنوتي، وتعجزُ الفئاتُ الوسطى عن التحول إلى طبقة وسطى قادرة على تجاوز التشكيلة الإقطاعية المذهبية.

وفيما بعد يضيفُ النظامُ العسكري الوطني الشمولي مشكلات أخرى إلى هذا التصدع الداخلي لتطور الفئات الوسطى باتجاه الحداثة والديمقراطية، فهو يزعزع فئاتها الصناعيةَ ويخلقُ بيروقراطيةً اقتصادية كبيرة تتوجه إلى الفساد، مما يكرس المحافظة الدينية ويؤدي إلى ضمور العقل النقدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(29) : ( وهو ( أي ديكارت ) يستدل أولاً على أن وجود الأنا يستتبع حتماً وجود الله، وإلا لما كانت للانا فكرة عن كائن لا متناهٍ، ثم ينتقل إلى الاستدلال على أن الأشياء المحيطة بنا لا بد أن تكون موجودة بدورها، وإلا لكان الله خادعاً. وتلك حجة لاهوتية تبدو غريبة حقاً حين تصدر عن رياضي ممتاز مثل ديكارت. )، (نشأة الفلسفة العلمية، تأليف هانز ريشنباخ، ترجمة فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، ط 2، 1979، ص 43).

(30) : ( المصدر السابق، ص 78).

(31) : ( مستقبل الثقافة في مصر، مطبعة المعارف ومكتبتها بمصر، بلا تاريخ، الجزء الأول، ص 7 ).

( 32 )، ( 33 )، ( 34 )، ( 35 )، ( 36 )، ( 37 )، ( 38 )، ( 39 ) : ( المصدر السابق، صفحات : 10، 11، 13، 15، 16، 56، 17، 58، على التوالي ).

 ــــ ـــ ـــ ـــ ــ ـــ

انظر عبــدالله خلـــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Essays مقالات علمانية, Secular Figures أعلام العلمانية, عبدالله خليفة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.