عندما صنع يسوع كرباج

أرنست وليم   

لماذا ليس عندنا إلا يسوع الذي لا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته (مت 12: 19) صاحب المقولات الشهيرة عن المحبة والرحمة والتضحية والغفران والوداعة والموادعة والتخلي عن كل شيء لأجل شيء واحد وهو: هو، وسقط يسوع الذي كان يتوعد المدن التي لا تسمع له أو لتلاميذه بمصير اشد قسوة وويل من سدوم وعمورة (مت 10: 15 – مر 6: 11 – لو 10: 12 -15 )، والذي يشتم ويسب الكتبة والفريسيين والكهنة متى الاصحاح 23 كله على سبيل المثال، وفي متفرقات تملئ الاناجيل طولا وعرضا فيما بلغنا من نص صار هو النص المقدس المعتمد! والذي يخاف التلاميذ ان يكثروا الكلام معه أو حتى يسألوه عن أمر ما استعصى عليهم (مر 9: 32، لو 9: 45)، وأخيرا وهذا موضوعنا، يسوع الذي”صنع من الحبال سوطا [كرباج] وطرد الجميع من الهيكل، الغنم، والبقر، وكب دراهم الصيارفة وقلب الموائد”( يو 2:15)؟

ان محاولة التبرير الضمنية داخل النص هي ان الهيكل الذي لا تليق به إلا القداسة والصلاة بخشوع قد صار”مغارة لصوص”، وهنا تزوير كبير إذ ان أي دراسة نقدية محايدة ستكشف سريعا عن تلاعب غير دقيق في المسميات أولا بتحويل”سوق تجارية”تابعة للهيكل، أو تحت اشراف الكهنة بحكم دورهم المقرر في التوراة إلى”مغارة لصوص”او”وكر حرامية”، هذه الزحزحة الاولى التي تخلط بين الواقع والتوصيف على الهوى أو بالمبالغة، الثانية هي الاشد انحرافا وأكثر تضليلا أو لعله جهل من الكاتب أن احسنا الظن، وهي تحويل الساحات الخارجية وخاصة رواق الامم الذي هو في الحقيقة ليس بأكثر من ساحات عامة تستقبل كل رواد المدينة وزوارها بغير تمييز، ولكن ولكونها في زمام الهيكل فهي تحت اشراف الكهنة فقط امنيا وإداريا واقتصاديا.

فعملية البيع والشراء لا يمكن ان تحدث في الهيكل بأقسامه الاساسية المكونة من أماكن المحرقات”المشاوي”بآلاتها ومستلزماتها وهي جزء اصيل من الهيكل المقدس وإن وقع خارج البناء المشتمل على القدس وقدس الاقداس. أما الرواق الكبير المسمى”برواق الأمم”– والذي لم يكن ضمن هيكل سليمان المفترض في القرن العاشر أو في هيكل زاروبابل في القرن السادس بعد العودة من السبي البابلي ودُشن نحو عام 515 ق م، هذا الرواق الذي شيده هيرودس الادومي العربي الملك المتوج من الرومان والمتهم في دينة من اليهود، هو فقط الذي يسمح عمليا ومعماريا بل لعله قد أنشأ خصيصا لمثل هذه الانشطة وغيرها كما سنرى.

ومجرد القول ان هناك”كب دراهم الصيارفة وقلب موائدهم”(يو 2:15) وكذلك في مرقس 11: 15 – ومتى 21: 12)، تجعل القول ان عملية استبدال العملة هذه من المستحيل أن تتم داخل الهيكل، فالعملة المنتشرة آنذاك كانت تحمل صورة قيصر المؤله وما كان لليهود أن يقبلوا بدخول عملة كهذه داخل المقدس، بل عندما قام هيرودس انتيباس ( المتوفى 39 م) ابن هيرودس الكبير بصك عملة تحمل صورة قيصر وأراد ترويجها في اليهودية كما كان الحال في قيصرية، اعتبر اليهود موته المفاجئ انتقام من الله على وضع صورة قيصر على عملة يهودية.

 فحساسية اليهود تجاه قيصر من ناحية وثبات قيمة العملة”الصورية”– نسبة لمدينة صور – الفضية – جعل الشاقل الصوري هو الوحيد المقبول زمن يسوع في الهيكل فصار لابد ان يكون هناك موائد صيارفة لشراء مستلزمات الاضحية والتقدمات أو التبرع للهيكل. وما كان على دراية بثقافة الشعب اليهودي في هذه المنطقة الموبوءة في هذا الوقت تحديدا لأدرك يقينا أن عملات تحمل صورة قيصر أو آلهة اليونان وروما يستحيل ان تدخل المقدس ابدا – على افتراض قبول الكهنة بذلك – فإن الجموع المشحونة والمتحفزة ما كانت لتهدأ قبل ان تشعل نار إن لم تأكل الرومان لأكلتهم، مما يجعل عملية التجارة المصاحبة والمتلازمة مع موائد الصيارفة كما جاءت بالنصوص الاربع للأناجيل تتم في غير الهيكل المدشن للطقس والعبادة. 

يقول دكتور عزت اندراوس في موسوعته القيمة – باب رواق الامم – المسماه ايضا الرواق الملكي لأن”ارض الرواق الملكي ليست مقدسة ويمكن للوثنيين من اليونان والرومان (الامم) دخول هذه المنطقة وقد استخدم هذا الرواق لبيع الاضاحي واستبدال العملة الرومانية وغيرها إلى نصف شيكل، التي هي ضريبة الهيكل [ على كل رأس كل يهودي بالغ]… وكانت المنطقة الداخلية [ الهيكل المقدس فعلا ] ترتفع قليلا عن فناء الأمم ويحيط بها درابزين”

فالنشاط الاقتصادي المصرفي الذي اعتبره يسوع تدنيس للهيكل، لم يكن في الهيكل، هو خارج الهيكل، بشهادة عرضية حتى من داخل الانجيل – والذي يحدده انجيل مرقس، بوقوف يسوع ليمنع عبور من يحمل امتعة، إذ مكان العبور هذا هو الساحة العامة المدعوة”برواق الامم”والتي توفر على الناس مشقة الدوران حول الهيكل لأجل بلوغ جبل الزيتون. 

رواق الامم هذا كان هو الرواق الخارجي الذي يحيط بالهيكل من الاربع جهات، وكان اقصى اتساع له جهة الجنوب، وهو عبارة عن ممرات وساحات تحيط بالهيكل لتسهيل عملية المرور  والسير والانتقال لزوار الهيكل ورواده ( انظر الرسم الهندسي لهيكل هيرودس حيث رواق الامم يشمل كل المساحات المظللة المحيطة بالهيكل والمرقمة بـ 19 و 22  – ويبلغ اقصى اتساع له جهة الجنوب رقم 21 في الرسم الهندسي حيث بهو عظيم مسقوف في اربعة صفوف من الاعمدة الرخامية البيضاء كورنثية الطراز – يمكن رؤيتها اليوم في ساحة المسجد الاقصى  )

وكما يذكر يوسيفوس فلافيوس المؤرخ اليهودي والمرجع العمدة لهذه الفترة حيث انه متوفى عام 100 م تقريبا، وهو الاعلم بجغرافية الهيكل من هؤلاء الغرباء عن اليهودية من المتهودين أو الامم القليلي الثقافة من كتبة الاناجيل أن ما زاده هيرودس حول الهيكل هو:”دار الأمم، والدار الخارجية، ودار النساء، ودار إسرائيل ودار الكهنة”أنظر الأثار اليهودية الكتاب 15 الفصل 11 – وليفصل بين الهيكل الذي هو مقدس وبين دار الامم – او الرواق الملكي أو رواق الامم، او ساحات الأغيار [ كلها تسميات للاماكن المحيطة بالهيكل ولكنها ليست جزء من المقدس ] بنيت وسقفت لتكون مساحات خدمية أو من باب الابهة على نمط الهياكل العظمى، للعالم القديم قام ببناء حائط سياج بين دار الامم ودار النساء – بداية الهيكل المقدس فعليا والمدشن – وبين المقدس الذي يبدأ برواق النساء، بنى حائط السياج وبه 13 بابا فاصلة بين هذه الساحات والمساحات العامة المسماه”رواق الامم”وبين المقدس، ولا يمكن بلوغ هذه الابواب إلا بصعود سلم ارتفع 15 درجة ومنع على غير اليهود اجتياز هذه الابواب. ومنع غير اليهود من اجتياز هذه الابواب والدخول للمكان المقدس الذي هو بالحقيقة هيكل يهوه بوضع يافطات على الاعمدة الفاصلة باللغة اليونانية واللاتينية:”ممنوع دخول غير اليهود، تحت عقوبة الموت أن ضبط متلبسا”– وقد كشفت الابحاث الاثرية عن اثنين من هذه اليافطات – ( انظر الصورة، وراجع كتاب طومسن، الكتاب المقدس والاثار ص 314 ) 

 Thompson, JA (1962), La Bible et l’archéologie. P 314 (Grand Rapids, MI: Eerdmans).

  خاتمة اولية.

هذه الساحة هي ساحة عامة فعلا غير مدشنة او مقدسة بدليل امكانية دخول وخروج الجميع منها اليهود كالوثنيين، الطاهر كالنجس، المنبوذين كالسادة، العسكر بسلاحهم كعابر السبيل بمتاعه بدون حرج أما الهيكل نفسه فيبدأ بالقدس بأروقته ومذابحه وملحقاته والتي لا يدخلها إلا اليهود بأمتعة طاهرة وعملة طاهرة توافق اليهود على قبولها.

حتمية وجود ساحة وسوق بجوار الهيكل.

هذه الساحة، التي يدعوها كتبة الاناجيل تجاوزا بـ”الهيكل”هي منذ التأسيس مخصصة للبيع والشراء وتبادل العملة، إذ ان الحجيج للهيكل يأتي من كل مدن اليهودية والجليل ومن شتات اليهود: مصر واسيا الصغرى واليونان وايطاليا وغيرها، فهل كان ميسورا لهم ان يحملوا الاضحيات من الخراف والكباش والماعز والتيوس والثيران والبقر متنقلين بها في اسفار كثيرة بين طرق وعرة واجتياز خلجان وأودية وانهر بل والسفر بها قاطعين البحر؟ فكان من الخير لهم أن يأتوا بالمال فقط في اسفارهم وفي رواق الامم هذا يقومون باستبدال المال بالأضاحي للذبح، مع الطحين والزيت والملح بل والحطب ايضا، هذا اولا.

ثانيا: من الخير لهم ايضا ان يشتروا هذه الاضاحي من مكان تحت اشراف الكهنة إذ انهم وحدهم لهم حق فرز الاضاحي، فليست كل حيوان طاهر مقبولا للتقدمة، بل هناك شروط يجب استيفائها، وتوفيرا للمشقة وتخفيفا عن الرعية وجد هؤلاء الباعة”الكشير”- الحلال – لهذا الغرض، يحملون امتياز البيع وفق الشروط التوراتية تحت اشراف مَن اعطاهم موسى في توراته هذا الحق ( انظر سفر اللاويين عن نوع الذبائح ومواصفاتها ودور الكاهن في مراجعتها وتقسيمها )

ثالثا: كان العالم الروماني يتعامل بعملات كثيرة إلا ان الشائع في حوض البحر الابيض المتوسط ما كان يحمل صورة قيصر وآلهتها والتي رفضها اليهود اشد الرفض، فلا يقبل في الهيكل إلا الشاقل الفضي الصوري – رغم انه يحمل صورة العقاب رمز الإله ملكار الصوري في مفارقة عجيبة، لعل كل الحساسية كانت ضد قيصر المؤله وآلهة روما ورمز عبودية شعب الله لفارض العملة… على أي حال، يأتي الرجل بعملته الوثنية لرواق الامم هذا، حيث دخول هذه العملة الوثنية، الصنمية، غير مُحرم، وهذا دليل على انها ساحة غير مقدسة بمفهوم اليهود للقداسة والتحريم، كما سبق القول، ويتم استبدالها بالشاقل المقبول دخوله في القدس والذي يضعه في الخزانة التابعة للهيكل بعد ان يجتاز هذا الرواق إلى الهيكل نفسه والمقدس فعلا عند اليهود شعب وكهنة.

نكتفي بهذه الاسباب الثلاث فقط للقول أن”بيتي بيت صلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص”(متى 21: 13) (مر 11:17) (لو 19: 46) قول فيه تجاوز إذ ان احدا لم ينتهك حرمة القدس نفسه، وان عملية التجارة هذه لها ليس فقط مبرراتها بل حتميتها ليست فقط الاقتصادية ولكن الطقسية والتشريعية كما سنوضح ذلك في النقطة التالية.  

طبيعة العبادة وطقوس الذبح.

نذكر الغافلين ان العبادة في الهيكل لم تكن عبادة بوذية أو يانية أو غنوصية تأملية بقدر ما هي عبادة اضحية وذبح وحمل سلع وتقسيم للحم مطهي بعضه، وبعضه مشوي، وبعضه في مرقته ملتوت في طحين بالزيت، وبعضه يسكب عليه الخمر الجيد فيزيد اللحم نكهة، ولا ألذ!…. ومع ضرورة شراء هذه المواد وفق مواصفات خاصة يجب، حتما ولا مفر ولا محيص أن تكون بمعرفة وإشراف الكهنة، أليست هذا ما تقوله التوراة التي تسقط السماء والأرض في يسر عما أن يضيع منها حرف واحد أو نقطة؟!! أليس هذا ما قاله يسوع نفسه في موضع أخر (متى 24:35) (مر 13: 31) (لو 21:33) – فعلام اعترض يسوع اصلا؟ ألانه بيت يهوه بيت صلاة وتأمل فصار مجزرة وسوق وتقسيم ذبائح ودفع ضريبة؟ لا يا يسوع هو ليس فقط بيت صلاة بل بيت تقديم ذبائح تشترى بمال وفق مواصفات وكذلك”تحبيشات”من كل ما لذ وطاب من ثمار الارض ونتاجها المحببة لقلب الكهنة، محمودة في انف يهوه الذي يعشق رائحة الشواء فيتنسم نسائم الرضى، وكذلك من زيت وطحين وحطب وملح وخمر، وأيضا مكان تبرعات بعملة محددة لا يقبل غيرها فالواجب استبدالها!!

 فأين كان يمكن أن يكون هذا في غير هذه الساحة المجاورة للهيكل، واسمها ساحة الامم او الأغيار أو الوثنيين التي هي بجوار موضع تقديم الذبائح القريبة من الكهنة واللاويين الذين لهم وحدهم حق الاشراف على مطابقة المواصفات فلا يدخل المقدس ولا تصعد محرقة عرجاء أو مخصية أو مرضوضة أو مبطوحة أو مخلعة أو عوراء أو غير طاهرة؟ وقد كان كل ذلك وبالفعل في ساحة الوثنيين وليس في الهيكل المقدس المدشن فعلا حيث لا يقدر وثني أو عملة نجسة أن تمر.

واضح ان هناك خلط شديد عند كتبة الاناجيل في تصورهم لماهية العبادة وطبيعة هيكل يهوه، اجانب عن المنطقة والعبادة اليهودية هذا على افتراض حسن الظن بهم. ولكي نتجاوز هذا الخلط لمحاولة فهم ما حدث ننتقل إلى النقطة التالية.

محاولة فهم ما حدث فعلا بعيدا عن الرواية المنمقة للأناجيل.

لا نجد تفسير منطقي لما حدث في الهيكل من يسوع إلا الآتي: الاناجيل يحملون ذكريات صراع ومشادة حدثت في الهيكل فعلا بين يسوع وبعض الكهنة تدخل فيها باعة على اغلب الظن، ولكن في اخراجها وتناقلها فم لأذن لعشرات السنيين الفاصلة بين الحدث والتدوين صارت إلى ما صارت إليه، وكذلك لعب تصور ما يجب ان يكون عليه يسوع، لا ما كان فعلا، لعبته على العقل الجمعي والمخيال الشعبي، ولكن يفضح هذه المبالغات الواقع التاريخي سياسيا ودينيا.

ولسنا في حاجة للتذكير على طبيعة حكم الرومان لهذه المنطقة بالحديد والنار على خلاف ادارتهم للعالم كله المتسمة بالكثير من التحضر والتسامح الديني وقبول التنوع في اطار الوحدة السياسية الثقافية العامة، إذ اعتبروا يهود هذه المنطقة همج غير متحضرين، عنصريين ومهاويس دينيا، شديدي الخطر لا يؤمن لهم جانب، في تباين ظاهر في تعاملهم مع يهود الشتات الاكثر انفتاحا وثقافة وهمة وانضباط.

فالقضية الام بالنسبة لنا الآن هي: غياب العقل في السرد بما يخرج الحدث من التاريخ.

يسوع والفعل المستحيل.

هل كان بإمكان يسوع عمليا فعل ما فعل؟

بعد أن اوضحنا أن فعل يسوع على افتراض حدوثه هو غير مبرر، ومحاولات تبريره لا تستقيم، لان مكان البيع والشراء وتغير العملة هو للتجارة والأعمال المصرفية بالفعل، وهذا ضروري جدا جدا جدا في ظل الشريعة التي اعطت للكهنة اللاويين دور الاشراف على ذلك، يبقى السؤال: هل كان بإمكان يسوع فعل ذلك فعلا؟ 

يجب اولا التذكير أن يسوع كان يخاف على حياته – ولو حتى من باب التخفيف جاءت الصيغة المبتكرة والمشهورة”لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد”( انظر يو 7: 30 و يو 8:20 بالمقارنة مع يو 13: 1 ) أي ان وقت موته مقتولا لإتمام ذبيحة الفداء بدمه الخاص لم يكن وقتها، ولكن الواقع بغير تأويل هو أنه، وحسب رواية الاناجيل نفسها، كان ينام خارج المدينة، في القرى الصغيرة المحيطة بالمدينة المقدسة أو بين احراش جبل الزيتون. لذلك فلا عجب أن يكون هناك خيانة من الداخل، مرشد لمكان مكوسه إذا لم يكن ظهوره فقط خاطفا بل كان ايضا محتميا بالجموع عالما مدى حرص اليهود على عدم احداث شغب، لذلك يقول انجيل مرقس:”مضى [ يهوذا ] إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم، ولما سمعوا فرحوا، ووعدوه أن يعطوه فضة. وكان يطلب كيف يسلمه في فرصة موافقة”( مر 14: 10 -11) – فهذا الرجل الذي يتوخى التخفي والاختباء ليس بالشخص الذي يتكلم بسلطان فيلجم الالسنة وينهار امامه الاشداء إذ قام بما قام به وما سنأتي على ذكره حالا بتفصيل اكبر. أو على الاقل يمكننا القول أنه لم يكن يتمتع بحماية خاصة من فوق تعفيه من المبيت خارج المدينة وعدم الظهور بها إلا نهارا.

ثانيا: وجود قوتين لا يستهان بهم لضبط الامن ومنع حدوث أي شيء من شئنه احداث فوضى، وهما: حرس الهيكل من اليهود، وجنود الرومان المشرفين من فوق للمراقبة والتدخل عند الحاجة.

حرس الهيكل.

نظرا لان هذه الساحة في جوار القدس فمن باب الاحترام واللياقة مراعاة ذلك ولو بالقوة، ولذلك حضور شبه عسكري من جنود اشبه بالبوليس، هم حرس الهيكل، وظيفتهم حسب الظاهر هي منع عبور المارين بأمتعة غير طاهرة عند نقاط تفتيش للداخلين، وكذلك منع دخول شخص بحذاء قذر أو عصا أو سلاح لغير الجند… ومن القواعد المراعاة ايضا والمراقبة من الحرس الجوالة منع البصق على الارض. هؤلاء الحرس هم من اليهود تحت سلطة وأشراف رئيس الكهنة مباشرة، ولكن دورهم الاكبر والاهم هو السيطرة الامنية على هذه البقعة كثيرة المال والفتن، منعا للشغب والسرقة والنهب، وكذلك من الفوضوى التي يأتي بها الموتورون من المبشرين الجوالة ودعاة النبوءة والأحلام المسيانية الذين يكثر وجودهم في هذه المنطقة المهووسة بعودة المسيح المنقذ، المخلص، الملك المعين من يهوه، بثورة شعبية وإيقاظ ضمير الامة. والهيكل أو جواره حيث يجتمع الجمع وتكثر الاعداد كما بالأسواق والساحات الكبيرة هي الاكثر جذبا لهؤلاء للإعلان عن انفسهم أو بداية الحشد أو الانقضاض حيث التسلل والتخفي والمناورة يصعب السيطرة عليها وسط الزحام (*)

الجنود الرومان.

اتخذ الرومان قلعة انطونيا، التي هي جزء من تصميم الهيكل في الجهة الشمالية الغربية، حصنا لهم، وقد كان مقرا مسلحا لهيرودس الكبير ايضا اثناء إقامته بالمدينة وقت الاعياد والفتن. وقد صارت لموقعها الاستراتيجي ثكنة عسكرية وبرج مراقبة ومقر للحاكم الروماني الذي كان متواجدا بحكم الضرورة في المناسبات العامة والأعياد للإشراف على التأمين والحماية ومنع الفوضى وقمع بوادر الثورة لشعب يحمل في صدره مزيج خطير من نار وأحقاد. وعيد الفصح على رأس المناسبات التي قد تحمل بعضا من مشاعل جهنمية اطفائها ليس بالأمر اليسير. فلا يمكن ان يكون الفص بدون تواجد بيلاطس البنطي الحاكم العسكري الروماني الذي اصدر حكم الموت على يسوع موجودا في هذه الفترة التي يفترض ان يسوع دخل كملك إلى المدينة المقدسة وهو ساكن لا يتحرك! ثم بعدها قام بجدل سوط وقلب موائد صيارفة وأطلق المواشي وطير حمام وطرد الباعة وطهر ساحة الهيكل كله بالقوة! وزاد على ذلك انه منع حتى العابرين ان يمروا عبر هذه الساحة بأمتعة!!!

تخيل يا مؤمن حجم الهرج والمرج والفوضى في سوق ضخم بين باعة وزحام وقطع نقدية فضية تطير في الهواء وتسقط على الارض وتداس بالإقدام او يتكالب عليها السوقة والعوام والمعدمين في شعب اذله الفقر والجهل، إن هذا لا يمكن أن يحدث دون ان يُهرس الناس تحت الاقدام بالعشرات ما بين مقتول ومصاب…

والجميع يعرف رغبة الرومان في تقليص سلطان اليهود الممثل في فريق الكهنة والحزب الهيرودوسي من ارستقراطية اليهود المرتبطة مصالحهم بالاستقرار ولو بالتعاون مع المحتل الروماني، ولكن ما يقف عقبة امامهم هي قدرة حرس الهيكل على ضبط الموقف مما يقطع الطريق عليهم للنيل اكثر من سلطة الكهنة ومجلسهم الذين ارادوه محكمة مدنية جنائية دينية فنزع منهم الرومان، وما زالوا ينزعون من سلطان مجلس”السينهادريم”هذا، حق التقاضي في غير ما هو خاص باليهود دينيا حسب الشريعة، دون الحق في تنفيذ عقوبة الموت بدون الرجوع للحاكم العسكري الروماني وإن نصت التوراة على ذلك. هذا بالتأكيد يجعل الحرس اليهودي المتواجد عند كل نقطة ومعبر وباب ورواق بل عند كل عمود في حالة تأهب لإخماد أي فوضى حادثة أو محتملة بالبطش قبل ان يستفحل أي امر، بل قبل ان تلتقطه عين هذا الناظر من قلعته كاشف متأهب بل متوقع راغب في التدخل.

وعليه وبقليل من العقل نقول ونكرر: هل يستطيع رجل واحد محاط بعصبة من خائري العزيمة، جبناء بشهادة نصوص الاناجيل نفسها – وعلى افتراض عجز حرس الهيكل الذي يجهل كتبة الاناجيل وجودهم من الأساس – أن يفعل ما فعل؟ وهل يُعقل أن الرومان المتحفزين وهم في قمة يقظتهم وتحسبهم في قلعتهم العالية الكاشفة المدججة بالجنود على هذه النقطة تحديدا أن يغفلوا عما يحدث أو يقفوا مكتوفي الايدي؟؟

عندما تصير العبثية سيدة الموقف.

ولكن قد يقول قائل، لعل ما حدث كان سريعا خاطفا لم يشعر به احد، وقبل ان يفيقوا كان الامر قد قضي، والرسالة وصلت للجميع عن يسوع ودوره في تطهير الهيكل والإعلان عن نفسه واتمام النبؤة:”غيرة بيتك اكلتني”( يوحنا 2: 27 ) (مزامير 69: 9) وكأنها قيلت فيه، مما يزيد الثقة أنه هو بالحقيقة رجاء شعب اسرائيل!

الحقيقة هذا اعتراض الجاهل بالنص، إذ أن النص الانجيلي الأول زمنيا، اربعين سنة بعد موت المسيح، وهو مرقس يقول شيء عجيب يدمر هذا التبرير الساذج إذ يقول، بعد ان صنع من الحبال كرباج (حسب انجيل يوحنا إذ اراد التجويد)، ثم ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام… ثم يضيف في الآية 16 من الاصاح 11:”ولم يدع أحدا يجتاز الهيكل بمتاع”!

صعب فعلا تخيل جهل كتبة الاناجيل بوجود حرس في الهيكل، ورومان عينهم على المكان، فيجعلون يسوع بعد أن فعل هذا الفعل، العنيف اولا، ثم الغير مبرر شرعيا توراتيا، والمستوجب الموت قانونيا ودينيا، يقف كشرطي المرور على احد البوابات ويمنع دخول الناس بأمتعة إلى الهيكل، والناس خلفه لا تحرك ساكنا وهو الواحد الاوحد بمفرده وفتوته لا يقدر عليه احد!، أي انه ما فعل وهرب بل وقف حارس منظم للمرور مانعا أي شخص يحمل متاعا من المرور، وفي نفس الوقت وقف يعلم الناس ويجادل الكهنة في وضح النهار وبكل اطمئنان!!

ماذا فعل حرس الهيكل؟ – لا شيء، بل هم غير موجودين اصلا.

ماذا فعل الرومان؟ – يعني ايه رومان؟

ماذا فعل الصيارفة الذين طارت اموالهم في الهواء او نهبت او سحقت تحت الاقدام؟ – يا أخي إن كان حرس الهيكل وجند الرومان ما فعلوا شيء فهل يقدر الصيارفة على الاعتراض؟ –

وعليه وبالتأكيد صمت باعة الطير بعد أن عانق الحمام ستائر السماء المخملية في ليلة صيف بهية من اعالي جبل”المريا”؟!

——.

الايغال في العبثية.

يواصل كتبة الاناجيل رواية ما حدث في هذه الواقعة كما لو كانت تاريخا يجب الوثوق به وعليه نبني تصوراتنا عن الشخص والعقيدة والهوية الدينية، فيأتي اصحاب القوة والنفوذ من كهنة لهم هيبتهم وسلطانهم وكلمتهم المهيبة النافذة، وهم في خوف ورعدة، مستفسرين فقط منه:”بأي سلطان تفعل هذا؟”فيقول لهم”وأنا ايضا اسألكم معمودية يوحنا أكانت من الله أم من الناس؟”فيتحرجون من الجواب، وينتهي الامر!!

أو كما جاء في انجيل يوحنا، صاحب الروايات الاكثر لا معقولية على الاطلاق بحوارات غنوصية باطنية تُعجب بل وتبهر كل من لا يفهمها، أنهم طلبوا من يسوع ان يريهم آية تكون مبررا له على جرأته بل وقاحته هذه، يقول النص:”وقالوا له: أية آية ترينا حتى تفعل هذا؟ أجاب يسوع وقال لهم: انقضوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه، فقال اليهود: في ست وأربعين سنة بني الهيكل، أفأنت في ثلاث ايام تقيمه؟. وأما هو فكان يتكلم عن هيكل جسده”( يوحنا 2: 18 – 21)

ثم تجمع الاناجيل بعدها، انه اعاد الظهور كل يوم في الهيكل يعلم الناس وهم يطلبون أن يهلكوه ولكنهم ما قدروا إذ ان الناس التفت حوله… لا أعلم من هؤلاء الملتفين حوله والذين عند القبض عليه لم يظهر منهم احد بل صرخوا لأجل حفنة من المال أو من باب رغبة العوام في رؤية الدم، فالدم عند العوام كجلسات الزار، له فعل تراجيدي مطهر كما كان يحب ارسطو ان يصف فعل ودور التراجيديا على الناظرين.

وأخيرا وليس اخرا يضع يوحنا هذه القصة في زيارة يسوع الأولى للهيكل، حيث يجعل خدمة يسوع ثلاث سنين بثلاث زيارات لعيد الفصح، بينما الاناجيل الثلاثة الاخرى المدعوة الإزائية – السينوبتية – أي المتوازية – المتشابهة، وهي متى، مرقس، لوقا، فبشارة يسوع هي عام او بضع عام تنتهي بزيارة الهيكل الاخيرة في عيد الفصح حيث تبدأ بالدخول الظافر فتطهير الهيكل حتى الصلب… فيوحنا يريدنا ان نفترض ان يسوع طهر الهيكل اول مرة فنجى منها، ثم عاد بعدها مرتين دون ان يخشى شيء!

وأمام معضلة وضع تاريخ لدخول يسوع للهيكل مطهرا له في اول عام من دعوته وظهوره أم في العام الذي فيه صلب، اقترح البعض أن تكون تطهير الهيكل حدث مرتين، في اول سنة وأخر سنة من خدمته على الارض… وهكذا كلما اردنا الجواب على قضية لا عقلانية بجواب تبريري نقع في ورطة اشد فجاجة مما اردنا الاجابة عنه.

على أي حال اتفقت الاناجيل على انه بعد ان طهر الهيكل، مرة أو مرتين، عاود الزيارة كل يوم بعدها للهيكل وحتى الفصح يبشر ويعلم ويدخل الهيكل ويخرج منه، (عادي خالص!)، تحت عين وعلم الجميع، ولكنه يخاف على حياته فقط في الليل فلا يبات الليل في المدينة!

طبعا كل هذا وبيلاطس نائم على ودانه، لا يعلم شيء عن هذا الذي دخل المدينة وحوله الشعب كله يهتف:”اوصنا في الاعالي، مبارك الاتي باسم الرب، ملك اسرائيل… ( مرقس 11، متى 21، يوحنا 12 ) – ثم طهر الهيكل من باعة وتجار وصيارفة بالقوة الجبرية وفي يده سوط، ثم وقف حارسا على البوابة للضبط والربط والتفتيش ومنع الامتعة من المرور، وهو يجادل ويناقش ويُفقه الناس في الدين… ثم يخرج بيلاطس بعد كل ذلك على اليهود ليقول: لم اجد فيه علة تستوجب الموت!!

اننا امام اخبار اعمال العقل فيها يجب ان يكون حرام شرعا، هم محقون فعلا عندما يخافون العقل والنقد.

/———

المراجع والحواشي

– مجتمع يسوع تقاليده وعادته، الاب سامي حلاق اليسوعي، دار المشرق – بيروت، خاصة الفصل 3: الاطار السياسي، والفصل 15: الهيكل

– دائرة المعارف الكتابية باب: هيكل هيرودس، دار الثقافة المسيحية.

– موسوعة تاريخ مصر القبطية د / عزت اندراوس باب رواق الامم.

Les Antiquités judaïques-livre xv: 11: 5.  

Thompson, JA (1962), La Bible et l’archéologie. P 314 (Grand Rapids, MI: Eerdmans).

La vie quotidienne des hommes de la bible – André CHAURAQUI ) l’homme et la temple P 139 – 164

(*) راجع تاريخ يوسيفوس – حروب اليهود – حيث ذكر بعضا من هؤلاء عشية ظهور يسوع وبعده وهي من اسباب مذابح حدثت تم ذكرها في الاناجيل حيث فتنة الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم ( لوقا 13:1) ثم دمار الهيكل سنة 70 م، ثم بعد يوسيفوس في زمن الامبراطور تراجان في الاسكندرية وليبيا وحتى اليهودية إلى اقاصي الجليل من عام 115 إلى 117 م، ثم الثورة الاخيرة الجديرة بالذكر تلك التي امتدت من 133 – 135 م في عهد الامبراطور هدريان الذي دك المدينة كلها إلا حائط المبكى وحرم دخول المدينة على اليهود إلا مرة واحدة للبكاء عند الحائط ودفع ضريبة الهيكل على اليهود عامة اينما وجدوا في الامبراطورية للإمبراطورية، وتشيد مدينة رومانية تماما اسماها إيلياء على اسم عائلته، وأقام موضع هيكل يهوه هيكل لجوبيتر.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, World History دول وشعوب, ارنست وليم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.