تجريم الإلحاد، هل هو عودة الدولة الدينية في مصر؟

الكاتب الجزائري/ حميد زناز 

يصرح الدكتور عمر حمروش أمين اللجنة الدينية بمجلس النواب المصري  لوسائل الاعلام أن مشروع قانونه سواجه الإلحاد و تجريمه بفرض عقوبات مشددة و رادعة و أنه في نقاش مع علماء الازهر المختصين في وضع العقوبات و المواد اللازمة لتشريعه الجديد. و يؤكد الدكتور و هو أستاذ الشريعة في نفس الازهر أن مشروع القانون سيكون مندرجا تحت أحد بنود ازدراء الاديان!

 في عز الأزمة الامنية و السياسية و الاقتصادية التي تعيشها مصر لم يجد هذا الدكتور و هيئته الدينية بمجلس الشعب ما يفعل سوى فتح معركة وهمية و خاسرة مسبقا قد تدخل مصر إذ انطلت عليها الخدعة  في صراع مع المنظمات الحقوقية و قد يثير القانون ضجة عالمية ضدها حتى في الامم المتحدة هي في غنى عنها اليوم و غدا.

لقد عجزت مؤسسته (الأزهر) في فرض التأحيد في مصر ، فأوكلت له مهمة تغطية ذلك العجز الفكري الواضح باستغلال عضويته في مجلس الشعب المصري لنشر الافكار الازهرية المتخلفة و قمع أفكار الآخرين بقوة القانون. كيف يمكن التوفيق بين مضمون هذا القانون التمييزي الواضح ضد مواطنين مصريين مخالفين فكريا للأغلبية مهما كان عددهم  و مضمون المادة 64 من الدستور المصري التي تؤكد صراحة على  حرية الاعتقاد المطلقة لكل المواطنين المصريين؟

يقدم النائب عمر حمروش و أتباعه تفسيرا مضحكا لهذه المادة الدستورية المناقضة لمشروع قانونهم حينما يتوهمون أن حرية العقيدة في الدستور لا تعني سوى الديانات الابراهيمية  الثلاثة و بأن الالحاد ليس عقيدة و هو تلاعب و تأويل مغرض لنص المادة التي تقول بالحرف الواحد: “حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون”. هناك فصل واضح بين الاعتقاد و العقيدة في نص المادة. فالاعتقاد هو الفكر، الضمير، التفكير. أما العقيدة فهي الديانة. و من هنا فالإلحاد  هو شكل من أشكال التفكير و لا تملك أية  سلطة الحق في منعه أو تجريمه. و الدولة المصرية ذاتها لا تملك ذلك الحق لأنها موقعة على مواثيق متعلقة بحقوق الانسان التي تكفل حرية الاعتقاد و العقيدة و التي باتت ملزمة للمشرع المصري. و من المستحيل أن يقبل النواب في مجلس الشعب وضع الإلحاد في خانة ازدراء الأديان كما يتمنى النائب الازهري  عمر حمروش، لسبب بسيط هو أن الملحد لا يزدري الأديان بل لا يؤمن بها فقط. و إن ازدرى أحد الملحدين دينا فمثله مثل المواطنين الآخرين سيطبق عليه القانون الذي يعاقب المزدرين و الذي هو بدوره قانون غامض. أما ربط الإلحاد بازدراء الاديان فهذا ظلم و تجن على حق المواطنين في الايمان أو عدم الايمان. و لا يمكن تسمية هذا سوى باسمه الحقيقي ألا و هو : الارهاب الفكري. توقفوا عن الدفاع عن الله بقتل الانسان ، يقول جبران خليل جبران، و لكن دافعوا عن الانسان حتى يتمكن من التعّرف على الله . و أضيف أو  “لا يتعّرف”.

 

يتعارض مشروع القانون الذي يبتغي تجريم الالحاد مع الدستور المصري في مادته الـــ53 أيضا إذ تقول: ” المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون. تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.”  ألا يمكن اعتبار مشروع هذا القانون مساسا و إخلالا بمبدأ المساواة التي تنص عليها المادة 53 من الدستور المذكورة سابقا ؟ و أتساءل لماذا لا يطالب المتنورون المصريون بتطبيق المادة 53 على  السيد  عمر حمروش و أزهره الذي يمارس التمييز بين المواطنين المصريين و ذلك  بعدم سماحه للطلبة المسيحيين الدراسة في معاهده؟                                                                      

و إن كنا لا نقلل من أهمية تلك الاطروحات التي ترى أن النظام المصري هو الذي يحاول أن يلعب ورقة مكافحة الالحاد لكسب أصوات الأغلبية في الانتخابات الرئاسية لعام 2018، ألا يمكن القول من جهة أخرى أن وراء الامر جماعة الاخوان المسلمين – المتغلغلة في تلابيب المؤسسات المصرية و على رأسها الأزهر-  التي تبحث عن ضرب عصفورين بحجر واحد : تخويف و إرهاب كل من يفكر خارج إيديولوجيتها الدينية من جهة و من جهة أخرى توريط الرئيس  عبد الفتاح السيسي في حالة اعتماد القانون المجرم للإلحاد،  مع القوى الدولية إذ لم تهضم بعد تفهم تلك القوى للإطاحة بحكمهم وحبس رئيسهم الخ.

و بغض النظر عن هذا و ذاك، و حتى و إن تم التصويت على مشروع هذا القانون الغريب عن قيم  العصر الأساسية فكيف يمكن تطبيقه على الأرض، هل من مهمة الدولة الحديثة التي يريد المصريون بناءها التفتيش في عقول الناس لمعرفة المؤمن من غير المؤمن؟ هل من مهمتها إعادة بعث محاكم التفتيش في القرن الحادي و العشرين؟ ألا يكون تجريم الإلحاد تجريما للتفكير؟ ألا يكون ذلك أكبر فضيحة دستورية في تاريخ مصر الحديث؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in حميد زناز and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.