الشدة المستنصرية، كلاكيت

 احمد الحصري  

يوما ما،جاء نقصان منسوب مياه النيل ليضيف إلى البلاد أزمة عاتية، وتكرر هذا النقصان ليصيب البلاد بكارثة كبرى ومجاعة داهية امتدت لسبع سنوات متصلة من (1065) إلى سنة (1071)، وعُرفت هذه المجاعة ب الشدة المستنصرية أو الشدة العظمى.

وقد أفاض المؤرخون فيما أصاب الناس من جراء هذه المجاعة من تعذر وجود الأقوات وغلاء الأسعار، حتى ليباع الرغيف بخمسة عشر دينارًا، واضطرار الناس إلى أكل الميتة من الكلاب والقطط، والبحث عنها لشرائها، بل إن بعض المؤرخين ذكروا أكل الناس جثث من مات منهم، وصاحب هذه المجاعة انتشار الأوبئة والأمراض التي فتكت بالناس ولم يعد يرى في الأسواق أحد، ولم تجد الأرض من يزرعها، وباع الخليفة المستنصر ممتلكاته، ونزحت أمه وبناته إلى بغداد.

ويروى المؤرخين حوادث يشيب لها الولدان فلقد تصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤس الخبازين وأكل الناس القطط والكلاب حتى أن بغلة وزير الخليفة الذي ذهب لتحقيق في حادثة أكلوها وجاع الخليفة نفسه حتى أنه باع ما على مقابر أبائه من رخام وتصدقت عليه ابنة أحد علماء زمانه وخرجت النساء جياع صوب بغداد وذكر ابن إياس أن الناس أكلت الميتة وأخذوا في أكل الأحياء وصنعت الخطاطيف والكلاليب لإصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح وتراجع سكان مصر لأقل معدل في تاريخها.

ويقول المقريزي في كتاب إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا: ظهر الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفسادوأكل الناس الجيفة والميتات ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط وبلغت رواية الماء دينارا وبيع دار ثمنها تسعمائة دينار بتسعين ديناراً اشترى بها دون تليس دقيق وعم مع الغلاء وباء شديد وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج ! خراج ! فبلغ أربعة عشر درهما وبيع أردب قمح بثمانين ديناراً. ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير.

وجاع الخليفة نفسة حتى أنه باع ماعلى مقابر أبائه من رخام وتصدقت عليه أبنة أحد علماء زمانه وخرجت النساء جياع يتظاهرن وقد نشرت مجلة تايم الأمريكية عام 1947 تحقيقا صحفيا جاء فيه أن أول مظاهرة نسائية في العالم قامت بها سيدات مصريات في عهد الخليفة الفاطمى المستنصر بالله حين جفت مياه النيل، وأن قائدة المظاهرة كانت أرملة الأمير جعفر إبن هشام والواقعة المذكورة سجلها المقريزى وفيها كتب يقول : ومن غريب ما وقع، أن إمرأة من أرباب البيوتات أخذت عقدا لها قيمته ألف دينار، وعرضته على جماعة في أن يعطوها به دقيقا، وكل يعتذر إليها ويدفعها عن نفسه إلى أن يرفعها بعض الناس، وباعها تليس ” شوال ” دقيق، وكانت تسكن بالقاهرة، فلما أخذته أعطته لمن يحميه من النهابة ” اللصوص ” في الطريق، فلما وصلت إلى باب زويلة تسلمته من الحماه له ومشت به قليلا، فتكاثر الناس عليها وإنتهبوه نهبا، فأخذت هى أيضا مع الناس ملء يديها لم ينبها غيره، ثم عجنته وشوته، فلما صار قرصة أخذتها معها، وتوصلت إلى أحد أبواب القصر، ووقفت على مكان مرتفع، رفعت القرصة على يديها بحيث يراه الناس، ونادت بأعلى صوتها : يا أهل القاهرة.. إدعوا لمولانا المستنصر الذى أسعد الله الناس بأيامه، وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت ” حصلت ” على هذه القرصة بألف دينار

الغريب وكما يقول الباحث محمود محمد عبد المنعم السيد : يظن البعض أن المستنصر كان ظالمًا، طالما حوت فترة حكمه شدة كالشدة المستنصرية فقد يكون الظلم سببًا منطقيًا لمثل هذه الشدائد، بل إنه هو السبب الذي يتبادر سريعًا إلى أذهان الناس. إلا أن المستنصر كان على العكس تمامًا، فلقد كان حاكمًا عادلًا حسن السيرة محبوب من رعيته، حيث كانت لهذه الشدة أسبابًا مختلفة عن الظلم, إنه أبو تميم معد المستنصر بالله الفاطمي الذي يمتد نسبه إلى الإمام علي ابن أبي طالب. وُلد المستنصر في سنة (٤٢٠ هجريًا) وقد أصبح وليًا للعهد في العام (٤٢١ هجريًا) وهو ابن الثمانية أشهر. وتسلم المستنصر أمور الحكم في العام (٤٢٧ هجريا) وهو ابن السابعة. ونظرًا لحداثة سنه وتعاظم شئون الحكم عليه، أصبحت أمه واصية عليه واستبدت بزمام الحكم حتى يبلغ أشده ويستطيع أن يتولى أمور الدولة. إلا إن فترة الوصاية هذه قد طالت كثيرًا وامتدت إلى أزمان أبعد من المرجوة، فلقد كانت أمه تتدخل في شئون الحكم حتى بعد توليه أمور الدولة بشكل كامل وكان لهذا تأثيرًا عظيمًا على الدولة وكان أيضًا أحد أسباب الشدة المفزعة.

ويضيف الباحث محمد عبدالمنعم ان مصر عاشت في بداية عهد المستنصر في رخاء شديد وشهد الاقتصاد المصري ازدهارًا واسعًا لم تشهده منذ أزمنة بعيدة. ويذَكر أن أبواب القصر كانت مفتوحة للعامة والأدوية الموجودة داخل القصر كانت توزع على العامة بالمجان، وظل الحال هكذا حتى حدث ما لا يحمد عقباه وتعاقبت الأحداث العظام المسببة للشدة المستنصرية التي ذهبت بعظمة الدولة أدراج الرياح.

توفي المستنصر في العام (٤٨٧ هجريًا) عن عمر يناهز السبع وستون سنة بعد أن دامت فترة خلافته لفترة تجاوزت الستين سنة. رحل المستنصر بما له وما عليه تاركا لنا ذكرى شنيعة لا يذكرها المصريون إلا بكل مقت وغضب وكره وألم رَسُخ في نفوس المصريين حتى أصبحوا يتوارثوه جينيًا جيلًا بعد جيل.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, احمد الحصري and tagged , . Bookmark the permalink.