حضارة التمكين

د. السيد نصر الدين السيد  

تعددت مسميات الحضارة التي وضعت من تبناها من المجتمعات في مكان الصدارة. فالبعض يسميها “حضارة الحداثة” أو “حضارة ما بعد الحداثة” والبعض الآخر يطلق عليها اسم “الحضارة الغربية”، ويفضل آخرون تسميتها “حضارة الإنسانية” ” أو “حضارة الإنسان المعاصر”. والكل له مبرراته المقبولة فيما اختاره من مسميات. الا ان المتأمل لأحوال تلك المجتمعات التي حققت لمواطنيها مستوى رفاه، مادي ومعنوي، مرتفع يكتشف وجود صفات مشتركة فيما بينها.

وأولى هذه الصفات هو قدرتها على “الابداع” وعلى انتاج المعرفة. وتخبرنا أحدث اصدارات اليونسكو ان الدول المنتمية لهذه الحضارة، في صورتها الاصلية (دول الأميركتين، دول أوروبا)، تسهم بنسبة 72.2 % من الأوراق العلمية المنشورة سنويا وبنسبة 70% في براءات الاختراع (UNESCO, 2015). المسجلة سنويا على مستوى العالم.

وثاني هذه الصفات هو “الانفتاح” الذي يعني استعدادها لقبول بعض ما أنتجته الحضارات الأخرى من قيم وأفكار. ويشكل هذا الانفتاح أحد ملامح قوتها فهو يجعلها قادرة على التأقلم مع بيئة من يتبناها وعلى التوطن فيها. كما يؤدي هذا الانفتاح أيضا الى تعدد الطرق التي يمكن اتباعها لتحديث المجتمعات. وهو الامر الذي يعرف في أدبيات التحديث بتعدد الحداثات Modernities (Eisenstadt, 1999). وهكذا يمكننا القول، على سبيل المثال، “حضارة إنسانية بنكهة يابانية” حيث يتعايش الكومينو مع فساتين كوكو شانيل، وتضم قائمة المشروبات الساكي بجانب الكوكاكولا.

وأخيرا قدرة هذه الحضارة على “التجدد” والذي يتبدى، على سبيل المثال، في منظومة العلم التي تعتبر درة إنجازاتها. فنظرة سريعة الى عدد ما حدث من “نقلات نوعية” (*) Paradigm Shifts في مختلف النظم العلمية تظهر بجلاء ان “المراجعة الشاملة والمستمرة” للأفكار والمسلمات لتحديد صلاحيتها هي العقيدة المقدسة لتلك الحضارة.

وتمتع حضارة ما بهذه الصفات يتطلب وجود عنصر فاعل و”متمكن” قادر على التعامل مع تعقد الواقع المعاصر ومع مستجداته. وهكذا يصبح اعداد هذا العنصر هو الشغل الشاغل لهذه الحضارة أي انها بالضرورة “حضارة تمكين الانسان“.

وتعني عبارة “تمكين الإنسان”، في المقام الأول، تحريره من سيطرة الفكر اللاعقلاني، بشتى صوره الأيدولوجية والدينية، الذي يحد من حريته في استخدامه عقله، ويعمل على تقليص دوره في إدارة شئون دنياه. وبذلك يمكنه لعب الدور الرئيسي والمحوري في إدارة شئون دنياه وذلك باستخدام ملكاته الفكرية وقدراته الذهنية، ليصبح هو “سيد مصيره” و”مهندس واقعه” الأوحد والوحيد. انها النظرة التي تعتبر الانسان الفرد بوصفه كيان “فاعل”. والكيان الفاعل هو كائن مستقل لا يخضع لأي وصاية من أي نوع، وهو قادر على تحديد مصيره بنفسه، وعلى التمييز بين الخطأ والصواب، وهو مسئول عن اتخاذ القرار فيما يخصه من أمور.

وهي أيضا النظرة التي تتبني مجموعة من القيم الداعمة لدور الانسان ككيان فاعل. وأول هذه القيم قيمة “الثقة في الفرد” التي تنظر للفرد بوصفه كائن مستقل حر الإرادة قادر على اتخاذ القرارات التي تؤثر على مستقبله بنفسه ودون أي عون خارجي. وتعني هذه النظرة تحرير الفرد من كافة اشكال الهيمنة والتحكم التي تحد من قدرته على التفكير الحر والابداع. وثاني هذه القيم قيمة “الحرية” التي لا تقتصر على مجرد حرية الضمير والاعتقاد وحمايتها من كافة أشكال القهر السياسي والاقتصادي الساعية لكبتها، بل يمتد ليشمل الحرية السياسية والاقتصادية بكافة أشكالهما، وحرية التعبير عن الرأي والاعتقاد دون الخوف من المنع أو القهر قانونيا كان أو اجتماعيا، وأخيرا حرية نشر إبداعات الإنسان بكافة أشكالها الأدبية والفنية والفلسفية والعلمية. اما ثالث القيم، “تقدير الابداع”، فتحتفي بالإبداع البشري وتحث عليه أيا كان مجاله بوصفه مصدرا لثروة المجتمع ولزيادة رفاه افراده. ورابع قيم هذه المجموعة هي قيمة “الجدارة” بوصفها المعيار “الأوحد” الذي يحدد مكانة الفرد في المجتمع انطلاقا من قدرته على “الإنجاز” المرتكزة على ما حصله من علم وما اكتسبه من مهارات. وأخيرا نصل الى آخر قيم هذه المجموعة، قيمة “التعلم المستدام”، التي تهدف الى تشجيع افراد المجتمع على تنمية معارفهم وخبراتهم “من المهد الى اللحد”. وتسهم هذه القيمة الأخيرة في تعزيز باقي القيم.

ولا يكتمل الحديث عن تمكين الانسان دون الحديث عن طبيعة الواقع الذي سيمارس فيه انشطته، “مجال الفعل”، وعن الأدوات التي سيستخدمها في فهم هذا الواقع وفي تغييره. مجال فعله هو “عالم الشهادة” الذي يمارس فيه افعاله على مرأى من الجميع ويحاسب او يكافأ آنيا دون أي تأجيل. ولا يتحقق “تمكين الانسان” دون تزويده بـ “آلية ذهنية” تمكنه من فهم ما يدور حوله من احداث، و”آلية سياسية” تمكنه من الاشتراك في صياغة ما يمسه من قرارات. وكان العلم ومناهجه هو الآلية الذهنية التي تستخدمها هذه الحضارة في فهم كلا من الواقع الطبيعي والواقع الاجتماعي وفي تطويعهما لصالح رفاه الانسان. وكانت الديموقراطية هي الآلية السياسية التي تسمح لأفراد المجتمع بالسيطرة على مقدرات أمورهم وذلك عبر وسائل متعددة مثل الاستفتاء على الأمور والقرارات التي قد تؤثر على أحوالهم، أو انتخاب ممثلين ينوبون عنهم في رعاية مصالحهم.

وباختصار “حضارة تمكين الانسان” هي اذن الحضارة التي تنظر للإنسان العادي بوصفه الفاعل الرئيسي في صناعة الرفاه لأفراد المجتمع في عالم الشهادة، او الواقع المعاش، (مجال الفعل). لذا فهي تحمى استقلاله وتعمل على تنميته، وعلى تزويده بالأدوات التي تمكنه من فهم مجال الفعل ومن تغييره.

ونقيض هذه الحضارة هو “حضارة تغييب الانسان” التي تنظر للإنسان العادي ككائن ناقص الاهلية ومن ثم فعليه الانصياع لأوامر ونواهي لأوْلِي الْأَمْرِ ولفتاوي رجال الدين. كما ينظر انسان هذه الحضارة الى الدنيا (مجال فعله المفترض) بوصفها “غدارة واللي متغطى بيها” وأنها “ما لهاش أمان” وأنها أيضا “أشغال شاقة وآخرتها الإعدام”. وهكذا تصبح الحياة الآخرة هي مجال فعله الذي سيحقق فيه ما عجز عن تحقيقه حياته الدنيا.

(*) ال “بارا دايم” Paradigm (أو “النموذج اﻹسترشادى”) هو إطار ذهني عام يتشكل من مجموع التوجهات الفكرية العامة، أو المعتقدات الأساسية، التي تحكم رؤى الانسان للواقع وتوجه مقارباته البحثية وأنشطته العلمية ومنهجيات القيام بهذه الأنشطة

المراجع

Eisenstadt, S. 1999. Multiple Modernities in an Age of Globalization. The Canadian Journal of Sociology 24(2): 283-295.

UNESCO. 2015. UNESCO Science Report: Towards 2030, Executive Summary. Paris.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, د. السيد نصر الدين السيد and tagged . Bookmark the permalink.