الليبرالية العرجاء

د. السيد نصر الدين السيد  

شهدت الخمسين سنة الأخيرة زيادة ملحوظة في عدد الدول التي تتبنى النموذج الليبرالي كنموذج كفء وفعال لإدارة شئونها الداخلية والخارجية وللارتقاء بمستوى رفاه مواطنيها. ويقوم هذا النموذج على أربعة أسس هي: العلمانية، العقلانية، النفعية والتعددية. الأساس الأول هو العلمانية بما تعنيه من فصل الدين عن الدولة. والأساس الثاني، العقلانية، فيعني ان المصدر الوحيد لمعرفتنا بالواقع هو عقل الانسان بما يمتلكه من أدوات ذهنية كمناهج البحث العلمي. وثالث الأسس، النفعية، وهي الفلسفة التي تجعل قبول أي فكرة من عدمه يتوقف على قدرتها على إيجاد حل ناجح لمشكلة واقعية. ويرتبط الأساس الرابع، التعددية، بمفهوم الحرية بأبعادها الثلاثة: السياسي والاقتصادي والمعنوي.

ويتعلق البعد الأول، السياسي، بتمكين المواطنين من الاشتراك في إدارة شئونهم وذلك بضمان مجموعة من الحقوق مثل الحق في التصويت وفى التظاهر والاحتجاج وتشكيل جماعات الضغط والمنظمات المدنية والأحزاب السياسية. كما تشمل هذه الحقوق أيضا حقهم في مساءلة نوابهم المنتخبين ومراقبة أداء المسئولين والاشتراك في مناقشة ما يؤثر في أحوالهم على كافة المستويات. أما البعد الثاني، الاقتصادي، فيعني باختصار حرية إنتاج السلع والخدمات واستهلاكها، والمتاجرة بها من دون استخدام “القوة” أو “الاحتيال” أو “السرقة”. أي أنها تتكون من حريات التملك، التعاقد، الإنتاج، تحديد الأسعار، التبادل، الاستهلاك، والتصرف في الدخل والثروة. وأخيرا البعد المعنوي الذي تشمل حريات من قبيل حريات الفكر والابداع والتعبير واختيار نمط الحياة والمعيشة والحق في التوصل للمعلومات.

ولقد شهدت الامة المصرية في المائتي سنة الأخيرة (1798م-2018م) أربعة أحداث رئيسية كان لكل منها آثاره بعيدة المدى على المجتمع المصري وعلى احواله السياسية. وأول هذه الاحداث كانت الحملة الفرنسية سنة 1798م والتي دامت ثلاث سنوات ومهدت احداثها لتولي محمد علي، قائد الكتيبة الألبانية التي صاحبت الجيش العثماني، حكم مصر سنة 1805م. وثاني هذه الاحداث هو ثورة 1919 وهي الثورة التي شاركت كل طوائف الشعب المصري في احداثها وكان من أبرز نتائجها نشأة حزب الوفد ودستور 1923. ثم كان ثالث الاحداث الكبرى في 23 يوليو 1952 عندما تولى الجيش المصري حكم البلاد وكان من اهم نتائجها الغاء الملكية والأحزاب السياسية وقيام دولة الحزب الواحد. وأخيرا كان الحدث الرابع سنة 1977 عندما أصدر رئيس جمهورية مصر الثالث أنور السادات قانون الأحزاب الذي يسمح بتأسيس الأحزاب السياسية. وهي أحداث يشكل كل منها بداية لمرحلة تغيير رئيسية لذا يمكن القول بأن المسيرة الزمنية للتيار الليبرالي في الديار المصرية تتكون من أربعة مراحل رئيسية كان لكل منها ابطالها الفاعلون (افراد وكيانات) وإنجازاتها واخفاقاتها. وهي:

  1. المرحلة الأولى: الاكتشاف (1919-1805) 114 سنة
  2. المرحلة الثانية: الليبرالية العرجاء (1952-1919) 33 سنة
  3. المرحلة الثالثة: الكمون القسري (1977-1952) 24 سنة
  4. المرحلة الرابعة: الميلاد الجديد (1977– ….)

والمرحلة الأولى هي أطول المراحل ولا عجب فهي كانت مرحلة اكتشاف عالم جديد … عالم من الأفكار والقيم شكلته حركة التنوير الأوروبية. وهي كانت أيضا محاولة إعلام عموم الأمة بمبادئ التنوير الأربعة:

        الإعلاء من شأن العقل وقدرته على التوصل إلى صحيح الأحكام،

        التسامح مع الآراء المخالفة للرأي السائد،

        الثقة في قدرة الإنسان على التحكم أقداره وتغيير مصيره اعتمادا على نفسه فقط

        اعتبار التغير والتقدم من الأمور المرغوبة والمفيدة لصلاح بنى البشر.

وكان أبرز ابطال هذه المرحلة ثلاث رجال: محمد علي (1769- 1849م)، رفاعة رافع الطهطاوي (1801–1873 م) وأحمد لطفي السيد (1872م- 1963م). 

وكانت البداية عندما وعى محمد على بعضا من دروس أولى المواجهات بين جيش المماليك وجيش بونابارت في بر امبابة قرب القاهرة فبدأ إقامة “منظومة تعليم مدني” في موازاة “منظومة التعليم الديني” التي كانت قائمة والمتمثلة في الكتاتيب والأزهر ومؤسسات الكنيسة القبطية المماثلة.

وهناك في باريس، وعى ابن طهطا الصعيدي الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي وإمام بعثة محمد على لفرنسا مزيدا من الدروس. وكان من أهمها ما صاغه الطهطاوي في عبارتين هما: ان “البلاد الإفرنجية مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إن سان أنها تجلب الأنس وتزيّن العمران” (الطهطاوي, 2005) (ص 85). و”أن مخالطة الأغراب, لاسيما إذا كانوا من أولي الألباب تجلب للأوطان من المنافع العمومية العجب العجاب” (الطهطاوى, 2002) (ص 194). وهو درس بالغ الأهمية لابن ثقافة منغلقة على نفسها تؤمن بأن نصوصها المقدسة لم تفرط في شيئ وأنها صالحة لكل زمان ومكان بغض النظر عما يحدث في الواقع من تغير لا يتوقف ومن تجدد دائم في الرؤى والمكونات.

وقد شكل كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، الذي صدر عام 1834، حجر الأساس في الفكر السياسي والاجتماعي المصري في القرن التاسع عشر. فعلى سبيل المثال وعن العقلانية، ثاني ركائز الليبرالية، نجده يقول: “وقد أسلفنا أن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين، وأقول هنا إنهم ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلاً، وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير، واجتناب ضده، وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد الأديان، وأن الممالك العامرة تصنع فيها الأمور السياسية كالأمور الشرعية. ومن عقائدهم القبيحة قولهم: إن عقول حكمائهم وطبائعييهم أعظم من عقول الأنبياء وأذكى منه” (الطهطاوي, 2005) (ص. 72).

وبعد مرور 73 سنة على ظهور كتاب “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” وفي 21 ديسمبر 1907 أعلن عن تأسيس حزب الأمة كأول حزب ليبرالي مصري. ولم تكن ليبرالية الحزب فقط هي ما يميزه ولكنها كانت أيضا نظرته لمصر ككيان مستقل قائم بذاته. لذا فـ “أن الانفصال عن الدولة العثمانية والتحرر من سيادتها يحقق أول ركن من أركان الدولة القومية وهو ابراز شخصية الأمة المصرية كشخصية متميزة قائمة بذاتها” على حد قول أحمد لطفي السيد (نايل, 2013) الذي كان حزب الأمة أحد تجليات أفكاره. ولقد كانت هذه النظرة هي ما ميز حزب الأمة عن حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية نظيره الليبرالي ذو التوجه العروبي وعن الحزب الوطني ذو الميول الإسلامية والمدافع عن تبعية مصر لدولة الخلافة في إسطنبول.

وإذا كانت أولى موجات التغيير قد جاءت للمجتمع المصري بأفكار وقيم حركة التنوير وفي القلب منها الليبرالية بركائزها الأربعة (العلمانية، العقلانية، النفعية والتعددية) فإن موجة التغيير الثانية لا بد وان تعني بـ “مأسسة” تلك الأفكار. أي تحويلها من مجرد أفكار في العقول الى مؤسسات فاعلة تؤثر في حركة المجتمع. ويبدو أن الأمر كان في حاجة الى ثورة لإحداث التغيير وقد كانت ثورة سنة 1919 التي كان دستور 1923 من اهم نتائجها. وليبرالية هذا الدستور تتبدى في العديد مما جاء في مواده 170. فالأمة هي مصدر السلطات (مادة 23). ومبدأ المساواة بين المصريين هو امر مقرر فهم لدى القانون سواء وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات (مادة 3). كما أن الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد وحرية الرأي مكفولة ولا يجوز القبض على أي انسان الا وفق احكام القانون (المواد 4، 5، 12، 13 و14). ثم تأني المادة 149 في الباب السادس (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية) لتجرد الدستور من واحدة من أهم مواصفاته وهي اتساق مواده. أو عدم تضارب مواده مع بعضها البعض. هذا بالإضافة الى ما قد تحدثه تفسيراتها المختلفة من تفريغ لمضمون المواد المشار اليها؟

وعلى مدى 24 سنة هي مدة المرحلة الثالثة (1977-1952)، وفي ظل نظام حكم التنظيم الواحد، تجبر الأفكار الليبرالية على الانسحاب من ساحة الفعل.

ان الحقيقة التي تتضح من هذا العرض السريع للمسيرة الزمنية للأفكار الليبرالية ان الديار المصرية لم تعرف النموذج الليبرالي وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ

المراجع

الطهطاوى, ر. 2002. مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

الطهطاوي, ر. 2005. تخليص الابريز في تلخيص باريز. القاهرة: الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية.

نايل, ص. 2013. التجربة الليبرالية والعلمانية في مصر: موقف الأحزاب السياسية والجمعيات من قضايا العلمانية 1900-1950. القاهرة: مركز المحروسة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , . Bookmark the permalink.